فوبيا الأدوية وهوس "البطل المخلص".. لماذا ينجذب المصريون لـ"التريند" والطب البديل؟

لم تفلح محاولات الصحافية شيماء مصطفى في إقناع طفلها الوحيد بالتوقف عن إتباع نظام الطيبات الذي روج له الطبيب الراحل ضياء العوضي، تكررت تحذيراتها في الأسابيع الماضية من مآلات أشخاص كثر لم تصمد أجسادهم أمام اختبارات المرض القاسية، لكن صغيرها بدا متحمسا لاستكمال ما بدأه.

لا يعاني لؤي نجل شيماء من أي أمراض وراثية أو مزمنة، لكنه يريد تحصين نفسه مبكرًا بإتباع نظام غذائي يعزز فكرة الاستشفاء الذاتي من الأمراض، لذا أوقف تمامًا تناول الدجاج والألبان واستبدل بهم اللحوم، وبات أكثر شراهة في تناول الحلويات، خصوصًا النوتيلا في مقابل تقليل الفواكه.

تُخبر شيماء "فكر تاني"، أن نجلها لم يكن يعرف بالطبيب الراحل ضياء العوضي حتى أسابيع قليلة من الإعلان عن وفاته بالإمارات في إبريل الماضي، لكنه بات أكثر تشبثا بتطبيق نظامه الغذائي، الذي روج له خلال السنوات الماضية، وهو نظام يرفض العلاج بالأدوية التقليدية، مع الاكتفاء بتغيير نمط التغذية، بزعم أن الجسم قادر على علاج أي خلل.

"لست ضد أفكار الطبيب الراحل بشكل مطلق، بعضها قد يكون صالحًا لعلاج أمراض والتهابات مثل القولون العصبي، والجهاز التنفسي، لكن في أمراض أخرى مثل السكري والسرطانات لا تصلح هذه الوصفات، وتحتاج لمتخصصين" تقول شيماء عن تجربة أسرتها مع نظام الطيبات، ومحاولاتها الفاشلة مع نجلها صاحب الاثني عشر عامًا لإثنائه عن هذا النظام.

لم ينته نظام الطيبات بموت صاحبه، فمطالعة سريعة للسوشيال ميديا تكشف أن شعبيته تزداد لا تتراجع، بينما تتكفل، صفحات ومجموعات مغلقة تحمل اسمه، بالترويج لأفكاره والتصدي لمعارضيه والساخرين منه، ضاربة عرض الحائط بالتحذيرات الحكومية والنقابية السابقة من الترويج، لأفكار ثبت أنها تتعارض مع الأسس العلمية المعتمدة، خصوصًا التي تدعو فيها المرضى إلى التوقف عن تلقي العلاج.

أكثر من مجرد طبيب أو طريقة

على حياة عينه شطب استشاري التخدير والعناية المركزة ضياء العوضي، من نقابة الأطباء، وفُصل كذلك من عمله الأكاديمي بجامعة عين شمس، مع اتخاذ إجراءات لمحاصرة أفكاره، لنشره وتقديم آراء ومعلومات طبية غير مثبتة علميًا تضر بالمرضى، وعلى العكس من المتوقع، ساهمت وفاته في زياده أسهمه لدى الجمهور، رغم ظهور حالات تعرضت لانتكاسة صحية نتيجة إيقاف علاجات ضرورية أو تبني ممارسات صحية خاطئة عرضت حياتهم للخطر، لتبدأ بعدها رحلة تطويق أفكاره من خلال إلزام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام كافة الوسائل الإعلامية بمنع نشر أو تداول أو إعادة تداول أي مقاطع مصورة أو مسموعة أو مقروءة للطبيب الراحل.

تحول العوضي ونظامه الغذائي المثير للجدل إلى ظاهرة لا يمكن تجاهلها، ينظر له على أنه صاحب كرامات وله أيادي بيضاء في علاج كثير من المرضى بأمراض مختلفة، في أعينهم هو رجل أرشدهم إلى الطريق السليم تحدى بهم مافيا شركات الأدوية التي احتكرت صحة الإنسان باعتبار أن المنظومة الطبية التقليدية تتجاهل العلاج الطبيعي خدمة لمصالح تجارية، لكن القصة لها مسالبها من آمن بالطب البديل إلى النهابة دفع الثمن حياته، مثل هذا الشاب الذي توقف مؤخرا عن تناول الأنسولين بناء على نصائح العوضى ليفارق الحياة في سن صغيرة، أو الصيدلانية شيماء مسعد التي تجاهلت البروتوكول العلاجي المتبع في أمراض المناعة بعد سنوات من إصابتها بالذئبة الحمراء لتبدأ رحلة علاج صارمة مع نظام الطيبات انتهت بوفاتها أيضا.

العلم vs الطيبات

رغم أن نقابة الأطباء بادرت إلى شطب اسم الطبيب ضياء العوضي من سجلاتها قبل عام من الآن، لكن هناك اعترافا من نقيبها أسامة عبد الحي أن النقابة تأخرت كثيرًا في التصدي لظاهرة الطب البديل والأفكار التي روج لها ضياء العوضي منذ ظهوره الأول قبل 5 أعوام بسبب اللوائح التي تكبل تمنع النقابة من اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة، مؤكدًا أنه لا يعارض أي نظام غذائي يساعد على استقرار صحة الإنسان لكنه لا يحل مكان العلاج فلا يوجد بحث علمي يمنع الأطفال من تناول الإنسولين أو مرضى الكلى من أدوية المناعة.

يقوم نظام الطيبات على ما وصفه العوضي بـ"الصيام الإسلامي" من خلال صيام يومي الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر هجري، أو اتباع الصيام المتقطع، مع الاكتفاء بالأكل عند الشعور بالجوع وشرب الماء عند العطش فقط دون الإكثار منه، لكنه كان أكثر صرامة في منع قائمة طويلة من الأطعمة والركائز الطبية التقليدية التي اعتبرها خبيثة وسامة للجسم وتسبب الالتهابات منها الخضراوات الورقية والنيئة والبقوليات وبعض الفواكه مثل البطيخ واليوسفي والشمام، وكرر تحذيره من تناول الألبان السائلة والبيض والجبن والدواجن.

بلال عباس تخرج في كلية العلوم واحد من ضمن آلاف قرروا أن يتبعوا النظام الغذائي المعروف بالطيبات، لم يكن يعاني إلا من بعض التهابات في القولون العصبي والبواسير، لكن بعض فترة قليلة من إتباع هذا النظام بات يشعر بتحسن في الهضم وسلاسة الإخراج وتلاشت الغازات التي كانت تسبب لها إحراجًا بالغًا.

يقول عباس إنه منع استخدام الدقيق في الطعام وتوقف عن الصودا واللبن والدواجن والبيض والخضار ما أثر بشكل إيجابي على جهازه الهضمي ولم يعد يشعر بالإمساك، كما كان يعاني من ضيق تنفس أثناء النوم وهو ما بدأ يتعافى منه بعد فترة من إتباع النظام.

يدافع العشريني عباس عن نظام الطيبات، قائلا: "الطبيب الراحل اجتهد ربما أخطأ لكنه لم يوصي مرضى السكري مثلا بالتوقف عن الإنسولين إلا لبعض مرضاه القدامى وكان ينصح بعدم وقف الإنسولين إلا بعد عودة الجسم لكامل عافيته وكل حالة مختلفة عن غيرها".

رباب عبده أربعينية بدأت إتباع نظام الطيبات منذ أسبوعين فقط، بعد وفاة الطبيب ضياء العوضي، لوضع حدا لالتهابات القولون والمرارة وآلام المفاصل، تقول إنها بدأت تشعر بتحسن كبير منذ الالتزام بهذا النظام، لكن في الوقت نفسه تسبب ذلك في خفض معدلات السكر بالدم إلى حد 70 نزولا من 110 قبل معرفتها بنصائحه الخاصة بتناول النوتيلا والمربى وبعض أنواع الفواكه.

ترى عبده أن الطبيب الراحل يتعرض لحملة ممنهجة رغم أن فكرته العلمية قائمة على إتباع نظام غذائي يحسن وظائف الجسم وإيمانه بقدرة الجسم البشري على التعافي ذاتيا حال منع مسببات الالتهاب، في وقت تفسر انتكاسة بعض الحالات إلى عدم الاستمرارية بعد انتظام حالتها ما يؤدي إلى العودة إلى نقطة الصفر.

تنجح مع المغص و"تخيش" مع الورم

"ما يقوله العوضي ليس بدعة تعاملت مع جنسيات مختلفة وقت عملي في مجال روضة الأطفال، الأطفال الأجانب والآسيويين بصحة أفضل من أطفالنا بسبب النظام الغذائي الصحي يأكلون الأرز الأبيض والأسماك واللحوم والسكر يدخل جسمهم من النوتيلا والمربى، الصحي في بلاد تانية عندنا غير شائع لكن ما حدث هو أن السبوبة أزعجت أصحاب المصالح" تضيف رباب عبده.

أغلب من تحدثنا إليهم أو أطلعنا على تجاربهم في إتباع نظام الطيبات الذي روج له الطبيب المثير للجدل ضياء العوضي كانت مشكلاتهم الصحية المزمنة مع التهابات الجهاز الهضمي وبعض المشكلات الوظيفية مثل ضيق التنفس والخمول البدني تنصف حكاياتهم هذا النظام لكن الخطورة تكمن في تشخصيه أمراض خارج مجال تخصصه، فهو في الأساس طبيب تخدير وعناية مركزة لكنه قدم نصائح حاسمة وعلاجات في تخصصات دقيقة كالأورام والسكري وأمراض الكلى والقلب، وهو مجال الانتقاد الأساسي لترويجه للشفاء السريع والهروب من الأدوية الكيميائية.

هذا ما أكده مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، بأنه لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، حيث إن كل مريض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء، كما توالت التحذيرات من المعهد القومي للتغذية بالتوقف عن تناول البيض أو الألبان والدواجن وسط تأكيدات على اختلاف النظام غذائي من شخص لآخر حسب حالته الصحية وعمره ونوعه، كما حذر المعهد القومي للأمراض من اتباع مرضى السرطان لمصادر غير موثوقة، مشيرا إلى أن العلاجات العشبية المقترحة تتفاعل نسبيا مع علاجات السرطان الطبية المعتمدة، مما قد يسبب تسممًا أو فشلا كلويا أو كبديا.

سبوبة الطب البديل

غير أن الجدل المصاحب لنظام الطيبات أظهر رغبة في زيادة الاعتماد على الطب البديل ولفظ المسار الأساسي وهي ظاهرة متجذرة لها أصولها بدأت من زمن الفراعنة المصريين الذين اعتمدوا مجموعة متنوعة من العلاجات التي جمعت بين العناصر الطبيعية والتقنيات العملية واستُخدمت لعلاج أمراض مثل آلام المعدة والجروح، وصولا إلى علاجات الطقوس والروحانيات، حتى مع انتصار الطب الأكاديمي لا يزال الطب الشعبي الخيار الأول في القرى والمناطق الشعبية نظرا لانخفاض تكلفته وتوارث الثقة فيه.

ينتشر هذا التيار أو بالأحرى لا يختفي لأنه قادر على مغازلة الخوف من المرض والموت والرغبة في الحلول السحرية السريعة والشفاء المضمون دون آثار، إذ يقول الطبيب خالد منتصر الذي صدر له مؤخرا كتاب" ظاهرة العوضي.. من الطب البديل إلى بديل الطب" إن الفوبيا من العلم أدت إلى انتصار هلاوس وضلالات تجار الوهم ومرضى البارانويا على أى محاولة إقناع بالمنطق.

في كتابه الحديث، يناقش يناقش منتصر بشكل تفصيلي ظاهرة انتشار التوجهات العلاجية غير التقليدية في المجتمع العربي والمصري، يشرح فيه خطورة تحول ممارسات الطب البديل من كونها مجرد علاجات تكميلية إلى بديل كامل يدفع المرضى للتخلي عن البروتوكولات العلاجية المعتمدة عالميا لإنقاذ حياتهم، وإقناع الجمهور بالاعتماد على تجارب فردية بدل الأبحاث الموثقة، وهو ما يرجعه الباحث العلماني المعروف إلى أن العقل المصري والعربي بشكل عام يعشق فكرة البطل المخلص ما يفسر وجود أولتراس حول ظاهرة ضياء العوضي.

بين البحث عن بطل مخلَص في سيرة طبيب ارتبط اسمه بالخرافات العلمية وإيمان كثر بنظرية الطيبات كتجربة ناجعة في علاج آلامهم، سيظل اسم ضياء العوضي يصاحبه الجدل خصوصا أنه مرتبط ارتباطا أصيلا بأسلوب حياتهم ونمطهم الغذائي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة