توقّف العملية العسكرية الأمريكية "مشروع الحرية (Project Freedom)"، بعد أقل من 48 ساعة على إطلاقها في مضيق هرمز، لم يكن مجرد تعثر عسكري محدود، بل كشف لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة القوة الأمريكية نفسها، وحدود قدرتها على فرض إرادتها في منطقة لم تعد تخضع بسهولة لمنطق الهيمنة الأحادية، فالمشهد بدا أقرب إلى الفارق بين أفلام «مستر أمريكا» والواقع الفعلي في الخليج؛ استعراض ضخم للقوة، يليه ارتباك سريع حين تصطدم الخطط العسكرية بجغرافيا معقدة وحسابات إقليمية أكثر تعقيدًا.
مشروع الحرية... ملامسة حدود القدرة
العملية التي أعلنتها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في مايو الجاري قُدّمت باعتبارها مهمة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ومرافقة السفن التجارية العالقة داخله، بعد أسابيع من التوترات والضربات المتبادلة التي دفعت شركات شحن عديدة إلى تجميد المرور عبر المضيق أو تقليصه بشكل حاد. وتشير تقديرات بحرية إلى أن الأزمة عطلت أو أخرت حركة ما يقرب من ألفي سفينة، مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات قياسية.
لكن التفسير المباشر للعملية باعتبارها مجرد "حماية للملاحة" يغفل حقيقة أكثر أهمية، فواشنطن لم تكن تتحرك فقط لإنقاذ سفن عالقة، وإنما لمحاولة إعادة تشكيل معادلة الأمن والطاقة في الخليج نفسه. وهنا تحديدًا يمكن فهم العلاقة بين "مشروع الحرية" واستهداف الفجيرة.
الأزمة بدأت داخل المضيق، في المساحة البحرية الضيقة بين الساحل الإيراني والساحل العماني، حيث تكدست السفن تحت تهديد الألغام البحرية والطائرات المسيّرة واحتمالات الاستهداف المباشر. ومن هنا انطلقت الخطة الأمريكية بفتح ممر آمن يسمح بسحب السفن إلى خارج المضيق. حتى هذه اللحظة، تبدو العملية أقرب إلى مهمة أمنية تقليدية لحماية الملاحة.
ما بعد هرمز
لكن ما بعد الخروج من المضيق كان أكثر أهمية من عملية الخروج نفسها.
الفجيرة ليست مجرد ميناء إماراتي يقع على بحر العرب، بل تمثل عمليًا أحد أهم البدائل الاستراتيجية لمضيق هرمز. فالإمارة تقع خارج المضيق بالكامل، وتضم بنية تحتية ضخمة لتخزين النفط وتصديره، كما ترتبط بخط أنابيب أبوظبي–الفجيرة الذي يسمح بنقل النفط الإماراتي مباشرة إلى بحر العرب دون المرور عبر هرمز.
هنا تتغير طبيعة المشهد بالكامل. فإذا نجحت الولايات المتحدة في تأمين خروج السفن إلى الفجيرة، فإن العملية لن تكون مجرد معالجة مؤقتة لأزمة ملاحة، بل خطوة عملية نحو تعزيز مسار بديل يقلل تدريجيًا من الاعتماد على مضيق هرمز نفسه. وهذا بالضبط ما يفسر أهمية الفجيرة في الحسابات الإيرانية.
لا ممر آمن داخل هرمز.. ولا بديل آمن خارجه
إيران لا تنظر إلى هرمز باعتباره مجرد ممر مائي، بل باعتباره أحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية. فطهران تدرك أنها لا تحتاج إلى هزيمة الأسطول الأمريكي كي تفرض تأثيرها، يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد المرور في المضيق ورفع تكلفة الملاحة والطاقة عالميًا. هذه القدرة تمنحها وزنًا جيوسياسيًا يتجاوز قدراتها الاقتصادية والعسكرية التقليدية.
لذلك، فإن أي مشروع يهدف إلى خلق بدائل مستقرة لهرمز يُنظر إليه إيرانيًا باعتباره تهديدًا بعيد المدى، لأنه يسعى عمليًا إلى تقليص قيمة الورقة الجيوسياسية الأهم التي تمتلكها طهران.
من هنا جاء استهداف الفجيرة.
فالضربة لم تكن مرتبطة فقط بالأزمة الآنية داخل المضيق، بل بمحاولة منع تكريس مسار استراتيجي بديل في الخارج. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: إذا كانت واشنطن تريد خلق "ممر آمن" داخل هرمز، فإن طهران مستعدة لتوسيع دائرة الخطر إلى ما بعد المضيق نفسه. لا ممر آمن داخل هرمز، ولا بديل آمن خارجه.
معركة على الجغرافيا الاستراتيجية للخليج
وبهذا المعنى، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بحرية محدودة، بل تحول إلى معركة على الجغرافيا الاستراتيجية للخليج. الولايات المتحدة حاولت كسر الاختناق من الداخل عبر القوة البحرية، بينما حاولت إيران منع ولادة بديل دائم عبر توسيع نطاق التهديد.
لكن الأزمة كشفت أيضًا حدود القوة الأمريكية ذاتها. فبعد أقل من 48 ساعة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق العملية لإفساح المجال أمام التفاوض، في خطوة عكست حجم التعقيد الذي واجهته واشنطن.
هلاوس فائض القوة
هذا التراجع السريع لم يكن مجرد قرار تكتيكي، بل كشف معضلة أعمق، فالولايات المتحدة تمتلك فائضًا هائلًا من القوة العسكرية، لكنها لم تعد قادرة على تحويل هذا التفوق العسكري إلى سيطرة سياسية كاملة على الإقليم. وهنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ"هلاوس فائض القوة".
فالإمبراطوريات غالبًا لا تتعثر عندما تصبح ضعيفة تمامًا، بل عندما تبالغ في تقدير قدرتها على إخضاع الواقع المعقد بالقوة العسكرية وحدها. هذه الظاهرة ظهرت مرارًا في التاريخ، من بريطانيا بعد أزمة السويس، إلى الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وصولًا إلى الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الأهداف، لكنها أقل قدرة على فرض الاستقرار أو إنتاج ترتيبات سياسية مستدامة.
وفي الخليج تحديدًا، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فالجغرافيا هنا ليست مجرد مساحة تتحرك فيها الأساطيل، بل شبكة معقدة من الاقتصاد والطاقة والتحالفات والتوازنات الإقليمية. لذلك، فإن أي محاولة لفرض "حرية الملاحة" بالقوة وحدها تصطدم سريعًا بحقيقة أن أمن الخليج لا تحدده واشنطن وحدها، بل توازنات معقدة تشمل إيران ودول الخليج وأسواق الطاقة العالمية وحتى حسابات الصين وآسيا المستوردة للنفط.
رفض خليجي وملامسة حدود القدرة
الأزمة أظهرت أيضًا حدود التحالفات الأمريكية نفسها. فالتقارير تحدثت عن تردد خليجي واضح في الانخراط الكامل بالمشروع الأمريكي، خوفًا من الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة، حيث رفضت السعودية استخدام مجالها الجوي وقواعدها في العملية. كما أن شركات الشحن العالمية نفسها لم تُبدِ ثقة حقيقية في قدرة العملية على ضمان أمن طويل الأمد للممرات البحرية. بعض السفن فضلت الانتظار رغم الإعلان الأمريكي، لأن المشكلة لم تكن في وجود قطع بحرية أمريكية فقط، بل في غياب اليقين حول حدود التصعيد واحتمالات توسع الحرب.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في "مشروع الحرية". فالعملية التي أُطلقت باسم "الحرية" انتهت بإظهار حدود القوة الأمريكية أكثر مما أظهرت قدرتها على فرض الأمن. وبدلًا من أن تؤكد واشنطن هيمنتها على الخليج، كشفت الأزمة أن العالم لم يعد يُدار بسهولة بمنطق القطب الواحد.
نهاية سريعة لمحاولة استعراض قوة
لقد تحوّل مضيق هرمز من مجرد ممر للطاقة إلى رمز لتحول أوسع في النظام الدولي نفسه. فالقوى الإقليمية أصبحت أكثر قدرة على التعطيل والمناورة، والحلفاء أكثر ترددًا في دفع تكلفة المشاريع الأمريكية، بينما باتت الجغرافيا نفسها سلاحًا سياسيًا واستراتيجيًا.
ولهذا، بدا "مشروع الحرية" في النهاية أقرب إلى استعراض قوة اصطدم بالواقع. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر أسطول وأضخم ترسانة عسكرية في العالم، لكنها اكتشفت مرة أخرى أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم الكامل في الممرات أو إخضاع الجغرافيا أو فرض الإرادة السياسية على الجميع. وفي الخليج تحديدًا، بينما كانت الرسالة الأمريكية تهدف لفرض شروط المنتصر، يبدو أن الرسالة الإيرانية كانت بسيطة لكنها شديدة القسوة؛ أمان للجميع أو لا أمان لأحد