في مفارقة إجرائية داخل قاعة مجلس النواب، تحولت استجابة زعيم الأكثرية لنداء المنصة أمس إلى أداة لفرض السيطرة. فبينما كان الجميع يترقب كلمته بشأن الحساب الختامي، رد النائب أحمد عبد الجواد على منحه الكلمة بطلب إرجائها لليوم التالي.
لم يبد هذا التأجيل تعديلًا روتينيًا، بل قرارًا يهدف إلى إخضاع مسار الجلسة لـ"توقيت" عبد الجواد، الذي -على عكس سلفيه عبد الهادي القصبي وأشرف رشاد- تبنى تكتيكًا يقوم على هيبة الكلمة الأخيرة في القاعة، فجعل الجميع يترقبون كلمته لساعات طويلة منذ الأمس.
عبد الجواد يفرض هيبة الصمت
بالطبع، لن يرفض زعيم الأكثرية الحساب الختامي لموازنة 2024/2025 الذي بدأ المجلس مناقشته أمس واستكمله اليوم، لكن عبد الجواد يقدم نفسه بأداء استعراضي يضفي نوعًا من "الإثارة" ويكرس هيبة الصمت. مع استمرار الغياب المتعمد عن الأضواء والزهد في الحضور الإعلامي، يقرر الاحتفاظ بالكلمة الأخيرة، ليس فقط لتمرير الحساب الختامي -وهو أمر محسوم لدى الموالاة- ولكن لتثبيت لغته في القيادة، حتى وإن انتهت كلمته بالموافقة المتوقعة مع الإشارة لبعض السلبيات.
واختتم رئيس المجلس، المستشار هشام بدوي المناقشات، قبيل أخذ الرأي والموافقة على الحساب الختامي، بكلمة عبد الجواد التي قال فيها: "نحن أمام دولة وليس مؤسسة اقتصادية نحكم عليها بمعايير اقتصادية، لأن الدولة اتخذت العديد من المواقف التي كانت تمثل لنا مصدر فخر، ونحن فخورون بأن الدولة المصرية كانت من دول قليلة قادرة على رفض سياسات دولية وإقليمية معينة"، لافتًا إلى رفض مصر مخططات تهجير الفلسطينيين.
"نرى أن الحساب الختامي فاتورة يتم دفعها لمواقف اتخذتها الدولة المصرية، فهل كلامي هذا يعني دفاعًا عن الحكومة؟ وهل نرى في الحزب أن لدينا رضًا كاملًا عن الأداء الحكومي؟"، يستكمل عبد الجواد حديثه مجيبًا: "لا، لأن لدينا ملاحظات، ونتفق مع بعض السلبيات التي ذكرها نواب المعارضة، ونؤكد على عهدنا الذي أعلناه في أول جلسة بأن لنا الحق في اتخاذ كافة الإجراءات لتحسين السلبيات في الأداء الحكومي".
قدم عبد الجواد عددًا من التوصيات، داعيًا لإدارة جيدة للفائض الأولي لتقليل الاعتماد على الاقتراض، وتحقيق نمو في الإيرادات، وتعظيم كفاءة الإنفاق العام بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، مع تحسين جودة الخدمة، فضلًا عن تعزيز دور القطاع الخاص. واختتم قائلًا: "أرى شخصيًا أن السياسة الرشيدة هي ألا نغالي في المدح والثناء، وألا نندفع نحو التشكيك، وأن نعي الأرقام وحقيقتها. الحزب يرى أن الحساب الختامي خطوة على طريق الإصلاح تستحق أن نبني عليها وألا تكتفي الحكومة بها".
صفق النواب لعبد الجواد في نهاية كلمته، التي سعى من خلالها إلى فرض تكتيكٍ جديد للزعيم الذي "جعل الجميع ينتظر كلمته"، من دون أن يبدو مبالغًا في تأييد الحكومة، مع الحفاظ على خطه في الموالاة التامة للسياسات، والاكتفاء بتوصيات عامة لا تخلو منها تقارير البرلمان في الحسابات الختامية المتكررة.
الجزار يحذر من الاعتماد على الاستثمار العقاري
بينما لاعبَنا عبد الجواد بالصمت وتأجيل الكلمة، كانت مناقشات الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025، اليوم، فرصة لسماع رئيس حزب الجبهة الوطنية ووكيل مجلس النواب، عاصم الجزار، وتحذيراته، إذ قال إن القراءة المتأنية للحساب الختامي تكشف أن الدولة تعمل في إطار موازنة تعتمد على دخل محلي في مقابل التزامات متراكمة بالعملة الأجنبية، موضحًا أن هذه الموازنة تحافظ على الاستقرار، لكنها لا تصنع انطلاقة حقيقية للاقتصاد، حيث تركز على إدارة التوازن أكثر من تحقيق معدلات نمو مرتفعة.
ويقول الجزار، رئيس الحزب المصنف ضمن أحزاب الموالاة، إن المؤشرات الحالية ترجح أن الدين ينمو بوتيرة أسرع. موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بنقص الفرص الاستثمارية، بل بارتفاع تكلفة التمويل وعوامل أخرى تعيق توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، لافتًا إلى أن الاقتصاد يعاني من عدة اختلالات، من بينها ضعف القاعدة الضريبية واتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي.
وأشار الرجل، الذي تولى وزارة الإسكان في حكومة مدبولي الأولى، إلى أن جزءًا من رأس المال يتجه نحو الاستثمار العقاري غير المنتج بدلًا من القطاعات الصناعية والتصديرية، وقال إن الاقتصاد القائم على العقار يقترب من الطابع الريفي، بينما الاقتصاد الحضري الحقيقي يقوم على الإنتاج والقيمة المضافة.
وطالب بإعادة هيكلة الحوافز الاقتصادية والتشريعية لتشجيع التحول نحو اقتصاد إنتاجي، حتى وإن تطلب ذلك اتخاذ قرارات "قد تبدو قاسية"، مثل الحد من التوسع في الاستثمار العقاري لصالح توجيه الموارد إلى مجالات أكثر إنتاجية.
وأشار إلى أهمية مراجعة بعض التشريعات مثل الإيجار القديم، لما تمثله من اختلالات تؤثر على كفاءة السوق، وقال إن المرحلة الحالية تتطلب سياسات اقتصادية واضحة تدعم التحول من اقتصاد قائم على الأصول إلى اقتصاد قائم على الإنتاج والعمليات، بما يسهم في تحقيق نمو مستدام وشامل خلال الفترة المقبلة.
الموالاة بين برافو للحكومة وخدمة الدين
ينقسم نواب الموالاة إلى قسمين، يتجه الأول للإشادة بالحساب الختامي وإنجازات الحكومة، ويكشف الثاني قصورًا، ومع ذلك لا يرفض في النهاية ويقبل بالحساب الختامي.
من بين النوع الثاني، كان النائب حسام المندوه، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، الذي قال إن الحساب الختامي مثل إبراء ذمة مالية للحكومة من البرلمان، وطرح عدة تساؤلات نقدية، قائلًا "هل التزمت الحكومة بالصرف فيما هو مخصص له أم أن هناك انحرافات؟ والأهم، ما نتيجة الصرف؟ هل تم بناء المستشفيات وتقديم العلاج اللازم؟ وهل تم بناء المدارس وتحقيق جودة التعليم، أم أن هناك إهدارًا في أوجه الصرف؟".
وتوقف المندوه أمام عجز الموازنة الذي يغطى من خلال الاقتراض، وقال إن فوائد الدين بلغت 2 تريليون جنيه غير أصل الدين، وزاد "نحن أمام موازنة تعتمد بشكل كبير على الفوائد وخدمة الدين".
في المقابل، يبدو النوع الأول مشيدًا، مثل النائب عن حزب مستقبل وطن، عاطف ناصر، الذي قال إن الحكومة نجحت في تنفيذ الإنفاق الاستثماري رغم التحديات، مشيرًا إلى معدلات التضخم التي أثرت على الأداء الاقتصادي، وكأن سياسات الحكومة غير مسؤولة عن زيادة معدلات التضخم.
وأبدى ناصر تضامنه وتفهمه للضغوط التي تواجه وزير المالية في ظل الأزمات العالمية والحروب، معربًا عن تعاطفه معه، واعتبر أن الحساب الختامي جاء بشكل جيد.
والأكثر فجاجة كانت كلمة رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر، أحمد عصام، الذي أوضح الموافقة، رغم أن الدين ما زال في مستويات مرتفعة وخطيرة، لافتًا إلى أن فوائد الدين وحدها تعادل ستة أضعاف مخصصات الإنفاق على التعليم، وثمانية أضعاف مخصصات الإنفاق على الصحة.
المعارضة تصرخ مرة أخرى
تجددت صرخات المعارضة في قاعة مجلس النواب بالعاصمة الإدارية الجديدة نتيجة الاستدانة وعجز الموازنة، وأعلنت أحزاب الوفد والتجمع والعدل والإصلاح والتنمية والمصري الديمقراطي الاجتماعي رفضها للحساب الختامي.
وقال النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد "أرفض كل فساد كشفه الجهاز المركزي للمحاسبات منذ عام 2000 حتى الآن. أمامي تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات بجرائم متعددة ضد حكومات متوالية، احنا بنشتغل لحساب الخارج وبنوك أوروبا، نقترض قروض يسددها الشعب المصري وندفع عليها عمولة ارتباط، عمولة الارتباط دي من دم الشعب المصري، بزيادة الضرائب وزيادة الأسعار، وفرض الجباية".
"احنا مش هنبيع ضميرنا علشان عضوية"، قال داود مضيفًا "النهاردة في 11 هيئة اقتصادية حققت خسائر بقيمة 11 مليار جنيه من دم الشعب المصري، وبلغ إجمالي الخسائر المرحلة لـ25 هيئة 267 مليار جنيه من دم واحد مش لاقي عناية مركزة ولا لاقي دعامات للقلب ولا مفاصل للعضم، و19 محطة طاقة شمسية أنشأتها مصر ثم وجدنا بها عيوبًا ولم يتم التشغيل من سنوات".
انتهت جلسة الحساب الختامي كما كان متوقعًا: موافقة بالأغلبية، وتمرير للأرقام، وإبراء ذمة مالية للحكومة، لكنها خلفت وراءها علامات استفهام لم تعد تطرحها المعارضة وحدها. فإذا كان صمت عبد الجواد وتكتيكاته قد نجحا في فرض هيبة على القاعة، وإذا كانت صرخات المعارضة قد وثقت العجز المالي بالأرقام، فإن كلمة الجزار تبقى هي ناقوس الخطر الأكثر دقة، كونها اعترافًا من قلب المعسكر ذاته بأن الاقتصاد لا يمكنه الاستمرار في الدوران حول الاستثمار العقاري والديون المتراكمة.