"أبوس إيديكم.. تمن الأوردر هيتخصم مني"، لم تكن هذه صرخة جندي في ساحة معركة، إنما الكلمات شبه الأخيرة لشاب لم يكمل عامه العشرين، وهو يلفظ أنفاسه بصعوبة على أسفلت بارد، بينما تسيل دماؤه لتختلط بصلصة شطيرة بيتزا ساخنة تناثرت أشلاؤها بجواره.
فقد "أحمد. ع"، وهو عامل دليفري في إحدى الشركات الكبرى، عمله إثر حادث أليم، لا يكاد يذكر من أحداثه إلا "صوت فرامل قوية، وبعدها لقيت نفسي في عالم تاني.. الأسفلت كان بارد، والموتوسيكل بعيد عني، والناس بتتجمع، الوجع اللي في جسمي كله كوم، والخوف اللي ركبني كوم تاني خالص". ففي غمرة ألمه وعجزه عن الحركة، لم يشغله سوى مصير الطلب الذي يحمله، فراح يتوسل للمتجمهرين حوله "أبوس إيديكم، الأوردر هيتخصم مني.. العميل ذنبه إيه؟ والشركة مش هترحمني".
سيطر على أحمد رعب شديد من خصم يضيع شقاء يومه وتعب أسبوع كامل، وكأن روحه أرخص عند الشركة من الوجبة الملقاة على الطريق، ومما زاد الطين بلة قسوة مشرفه الذي رفض التعاطف معه لعدم شموله بالتأمين، فبينما كان أحمد في سيارة الإسعاف، تناهى إلى سمعه رد المشرف القاطع "مليش دعوة، ده لسه ورقه متأمنش عليه بقاله شهرين". في تلك اللحظة أدرك الشاب أنه ضحى بعمره وسط الزحام والحر لصالح جهة تنكرت له في أشد أوقات محنته، ليصبح مجرد مجهول سقط سهوًا من حساباتها.
لا تقتصر معاناة أحمد على حالته الفردية، إنما تعكس واقع قطاع هائل يضم ملايين العاملين، الذين يمثلون شريان الحياة اليومية للمدن، ورغم ذلك يبقون خارج الإحصاءات الرسمية بلا خريطة واضحة أو حقوق مضمونة.
نقطة على الخريطة
تحول هؤلاء العمال في مصر إلى جزء أصيل من المشهد الحضري، يتحركون ككائنات لا تهدأ في سباق محموم مع الزمن لتوصيل الطعام والدواء، حاملين في جيوبهم عقودًا وهمية، لا تقي من عوز ولا تعوض عن عجز، بينما يخوضون مغامرة يومية بالأرواح، تحول الواحد منهم من إنسان كامل الحقوق إلى مجرد نقطة تتحرك على شاشات التطبيقات الذكية، ضمن منظومة تتغذى على عرق جيش مجهول في السجلات الرسمية.
تتجلى المفارقة في غياب أرقام دقيقة وحصر رسمي لعددهم، إذ تشير التصريحات الرسمية لوزير العمل إلى عدم وجود حصر دقيق لعددهم حتى الآن، ما يعني أن الدولة لا تمتلك رقمًا محددًا لهذا القطاع المتنامي، وفي المقابل، يعود آخر تقدير حكومي متداول إلى عام 2022، ويشير إلى أن عددهم قد يصل إلى نحو 6 ملايين عامل توصيل.
وتشير دراسة صادرة ضمن مشروع تقييم منصات العمل الرقمي بجامعة أكسفورد، إلى أن هذا العمل، رغم توفيره مصدر دخل، يظل غير مستقر ويعتمد كليًا على الخوارزميات دون ضمانات اجتماعية أو وظيفية، مما يبعده عن معايير العمل اللائق.
وقد دفع هذا التدهور النائبة البرلمانية مها عبد الناصر، إلى تقديم طلب إحاطة يحذر من غياب الحماية القانونية والتأمينية لهؤلاء العمال رغم المخاطر الجسيمة، مستندة إلى بيانات ترسم صورة شديدة القتامة، إذ تعرض نحو 63٪ منهم لحوادث، ولم ينل التعويض سوى 2٪ فقط. وتتفاقم الكارثة مع عمل 80٪ منهم دون عقود مكتوبة، وحرمان 97٪ من التأمين الاجتماعي، واقتصار التأمين الصحي على 12٪، فضلًا عن إجبار 48٪ على توقيع إيصالات أمانة، وتعرض 54٪ لخصومات تعسفية، و21.5٪ لحالات فصل تعسفي، ما يتركهم في حالة انعدام تام للأمان المادي والاجتماعي.
سخرة الخوارزميات
تتجاوز المعاناة مخاطر الطرق لتصل إلى استغلال بشع داخل أروقة المطاعم، حيث يظن الكثيرون أن دور عامل التوصيل يقتصر على القيادة، لكن شهادة "مينا. ج" تكشف حقيقة مؤلمة.
يصف مينا نفسه وزملائه بعمال السخرة، فبينما ينتظرون الطلبات، يجبرهم أصحاب العمل على أعمال النظافة وإعداد الطعام، ومواجهة الرفض بتهديدات صريحة بالطرد.
ويستذكر مينا، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، يوم عيد مزدحم انهمرت فيه الطلبات، وبعد 8 ساعات متواصلة من الوقوف والقيادة وتورم القدمين، طلب استراحة قصيرة لتناول طعامه، فجاءه التوبيخ القاسي من المشرف ليضطر لتناول سندوتش وهو يقود دراجته بيد واحدة باكيًا من شدة القهر.
وفي واقعة أخرى، تعرضت يده للحرق في أثناء تغليف الطلبات، وعوضًا عن السماح له بتلقي العلاج، أمره المدير بوضع الثلج ومواصلة العمل لعدم وجود بديل.
يختزل مينا المشهد بتأكيده أنهم يدفعون ثمن رفاهية الزبائن من أعصابهم وصحتهم من دون أي غطاء تأميني، ليفاجأ في نهاية الشهر بخصم قيمة طلب تأخر بسبب زحام مروري خارج عن إرادته.
وتتطابق هذه المعاناة مع قصة "خالد"، الشاب العشريني الذي يعمل في مطعم شهير، إذ يؤكد أن زيهم الأنيق يخفي واقعًا مريرًا يحكمه عداد زمني يمثل سيفًا مسلطًا على رقابهم، حيث يدفع العمال ثمن أي تأخير أو خطأ في جودة الطعام من جيوبهم، ويظلون لسنوات تحت وطأة فترات اختبار لا تنتهي للتهرب من التأمينات، ليصبحوا مجرد تروس تُستبدل فور أن تصدأ.
ورغم قتامة المشهد وظلم المنظومة، تبرز ومضات من الإنسانية تثبت أن الرحمة ما زالت موجودة في الشوارع، كما حدث مع عامل التوصيل "كريم. ن"، حين انزلقت دراجته في يوم ممطر وتلف طلب عائلي باهظ الثمن.
جلس كريم يبكي في الشارع خوفًا من الخصم والفصل، وتوجه إلى منزل العميل بملابس ملطخة بالطين متوقعًا الأسوأ، ليفاجأ برجل مسن يتجاوز عن تلف الطعام ويقدم له الرعاية ووجبة بديلة، ويمتنع عن تقديم شكوى للشركة، مقدمًا له تقييمًا ممتازًا ومكافأة مالية لإصلاح دراجته.
وفي تحدٍ آخر لظروف هذه المهنة، لم تقتصر المعاناة على الشباب حصرًا، فقد اقتحمت "ضحى محمد" هذا المجال لتخوض معركة مزدوجة ضد قسوة النظام التشغيلي ونظرة المجتمع الرافضة.
بدأت ضحى رحلتها صدفة في عام 2019، لتتحول إلى مسيرة ممتدة لست سنوات في شوارع المحروسة، واجهت خلالها استغراب المارة والمضايقات المتكررة ونظرة بعض العملاء الدونية، فضلًا عن سخرية استهدفت استقلاليتها والتشكيك في نواياها واعتبار عملها مجرد محاولة للفت الانتباه.
وعلى الرغم من غياب الدعم الأسري والمجتمعي، تسلحت ضحى بالإصرار والعزيمة لتكمل طريقها وتثبت أن السعي وراء الرزق لا يعترف بفوارق الجنس، لتصبح قصتها جزءًا لا يتجزأ من نسيج هذا القطاع المعقد.
اقتصاد يقتات على الحقوق
تدار هذه المنظومة بالكامل عبر خوارزميات إلكترونية تمنح العامل لقب شريك توصيل للتهرب من التزامات الوظيفة التقليدية وعقود العمل الرسمية، وهو نموذج انفجر بشكل هائل بعد عام 2020 ليضم آلاف العاملين يوميًا.
ويفسر القيادي العمالي ووزير القوى العاملة الأسبق "كمال أبو عيطة" هذه الحالة، بأنها علاقة عمل مكتملة الأركان، تتخفى خلف مسميات الشراكة والعمل الحر، مما يلقي بعبء المخاطر والتكاليف كاملة على كاهل العامل، ويضمن للشركات أرباحًا طائلة دون مسؤولية قانونية. وفي حال وقوع حوادث، يتم التعامل معها كحوادث سير عادية دون تدخل قانون العمل أو صرف تعويضات، مستغلين غياب الآليات الرقابية والتشريعات المنظمة للمنصات الرقمية.
ويشدد أبو عيطة، في تصرحاته لـ"فكر تاني"، على ضرورة التدخل التشريعي العاجل للاعتراف بهؤلاء كعمال رسميين، وإلزام الشركات بتوفير عقود مكتوبة وتأمينات شاملة ومعايير واضحة للسلامة والمسؤولية، محذرًا من أن ترك القطاع بلا تنظيم يهدد استقراره على المدى الطويل، ومؤكدًا أن المرونة المطلوبة لا يصح أن تُبنى على حساب الحماية الأساسية للعامل.
وتكتمل الصورة الاقتصادية القاتمة بحديث الخبير الاقتصادي الدكتور إلهامي الميرغني، الذي يعتبر عمال التوصيل جزءًا من محرك ضخم للاقتصاد غير الرسمي، الذي بات يشكل العمود الفقري المشوه لسوق العمل المصري.
يضم هذا الاقتصاد، حسب الميرغني، 7.5 مليون عامل يشكلون 36٪ من إجمالي المشتغلين بأجر لعام 2024، ويساهم بنسبة تتراوح بين 40٪ إلى 50٪ من الناتج القومي بمبالغ تصل إلى 14 تريليون جنيه، ومع ذلك يبقى فرسان الأسفلت هم أضعف حلقاته.
ويشير الميرغني، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، إلى أن التوسع الهائل في خدمات المطاعم والتوصيل يمثل نموًا بلا حماية، حيث يعمل 99٪ من عمالة هذا القطاع بلا عقود، و90٪ أو تأمينات اجتماعية، و96.8٪ يفتقرون للتأمين الصحي، مما يوفر للشركات عمالة زهيدة التكلفة بلا التزامات، لتتنافس هذه الكيانات على مضاعفة أرباحها عبر انتهاك صارخ ومستمر لحقوق العمال، محولة إياهم إلى قنبلة اقتصادية موقوتة، تسير رغم سخونتها فوق أسفلت بارد لا يزيد من دفئه دماء أحمد أو زملاء، بينما تنطفئ الشاشات التي اختزلتهم في مجرد نقاط متحركة، وحين تغفو المدينة بعد استلام وجباتها الساخنة، تظل الخوارزميات ساهرة تحصد الأرباح، مخلفة في ظلام الشوارع جيشًا من التروس البشرية التي تصدأ بصمت، في انتظار طلب جديد ورهان آخر بالروح.