"إبادة بطيئة" بموجب القانون.. دراسة تكشف كيف تُصنع قوانين الأنشطة النووية في مصر

خلصت ورقة بحثية جديدة، صادرة عن " فكّر تاني"، إلى أن صناعة التشريع في مصر- في الغالب - تفتقر إلى المشاركة المجتمعية بكامل أدواتها وإجراءاتها، وتكتفي بمراحل شكلية سريعة لا تسمح بجلسات استماع حقيقي.

وفي مقدمة الدراسة، التي جاءت بعنوان "صناعة التشريع في مصر، دراسة حالة لمشروع قانون تنظيم الأنشطة النووية (برلمان 2026)"، توضح أسماء عرفة، الباحثة في العلوم السياسية، أن صناعة التشريع تُعد من أهم الأدوات، التي تميز المجتمعات المنظمة عن غيرها.

قانون بلا خبراء

وترى الباحثة، التي استندت في دراستها إلى مشروع تعديل قانون الأنشطة النووية والإشعاعية لعام 2010، أن هذا المشروع يمثل مثالًا حيًا على القصور التشريعي، وخاصة بعد تمرير التعديلات على القانون من دون استقصاء كاف لآراء الخبراء المتخصصين ومن دون رسم تصور واضح للمتضررين المحتملين من تطبيق نصوصه.

ويؤكد هذا المسار، وفقًا للدراسة، أن صناعة التشريع نفسها منغلقة وغير خاضعة لإشراك الخبراء والمجتمع المدني في مرحلة الصياغة والمناقشة داخل اللجان البرلمانية.

وانطلقت الدراسة من تساؤل جوهري يبحث عما إذا كان هذا المسار النظري يطبق بالكامل في الممارسة الفعلية، أم أن هناك فجوات بين ما هو مكتوب في الدستور واللوائح وما يحدث على أرض الواقع داخل أروقة مجلس النواب.

وللإجابة عن هذا التساؤل اختارت الباحثة قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية، وتحديدًا التعديلات التي نوقشت في البرلمان أواخر شهر مارس الماضي، كحالة دراسية لتحليل مسار التشريع من بدايته إلى نهايته في مصر بشكل عملي.

تشريع شائك وجدل برلماني

وعن أسباب اختيار هذا القانون بالتحديد توضح الباحثة أنه مر بجميع مراحله التشريعية المعتادة، بدءا من إعداد مشروع الحكومة، ثم مناقشته في اللجان البرلمانية، وصولًا إلى التصويت عليه في الجلسة العامة.

وتلا ذلك الخطوة الأكثر أهمية وهي تقديم طلب إعادة مداولة من قبل عشرين نائبا اعترضوا على إحدى مواده الجوهرية وهي المادة رقم 110 المتعلقة بالتصالح في جرائم نووية وإشعاعية.

وأثار القانون جدلًا واسعًا بين منطق الحكومة والأغلبية البرلمانية الذي رأى في التعديلات مجرد تحديث إداري لسد الثغرات، وبين منطق المعارضة النيابية الذي رفض التعديلات بشدة.

ووصف نواب المعارضة الجرائم النووية بأنها "إبادة بطيئة"، وكذا "تسميم وقتل بالإشعاع" يهدد الأجيال القادمة ويدمر البيئة وينتهك السيادة الوطنية ولا يجوز التصالح عليها بأي شكل من الأشكال.

ويكتسب القانون أهميته من تعلقه بقضية حساسة تمس الأمن القومي والصحة العامة والسلامة البيئية، مما يجعله نموذجًا مثاليًا لاختبار مدى قدرة المؤسسة التشريعية على الموازنة بين سرعة إنجاز القوانين ودقتها، وبين مرونة الإجراءات وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.

فجوة بين النظرية والتطبيق

اعتمدت الدراسة على رصد الفجوة بين النظرية والتطبيق في صناعة التشريع المصري متخذة من منهج دراسة الحالة أداة رئيسية، إلى جانب الاعتماد على المنهج الوصفي.

ولم تكتف الورقة البحثية بهذا الحد وإنما مضت لتشرح وتفسر مراحل التشريع والتناقضات بداخلها. كما أوضحت مفهوم التشريع بقسميه الأساسي والفرعي ومن يملك الحق في تقديم مبادرات تشريعية تتحول لاحقا إلى قوانين بعد عرضها على البرلمان بغرفتيه وإشراك المجتمع فيها.

واستعرضت الباحثة عملية صناعة التشريع بوصفها عملية مركبة تمر بمراحل متعددة ويتشارك فيها فاعلون كثر وتخضع لضوابط وإجراءات فنية وقانونية. وتؤكد الورقة أن التشريع السليم تحكمه شبكة متشابكة من الضوابط الدستورية والسياسية والفنية والإجرائية والموضوعية فضلًا عن معايير الشفافية.

مرآة عاكسة وهيمنة الأغلبية

ترى أسماء عرفة أن تعديلات قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية، الصادر في الأساس بالقانون رقم 7 لسنة 2010، تمثل أكثر من مجرد نص قانوني يهدف إلى تحديث أحكام سابقة أو سد ثغرات فنية، فهو في جوهره مرآة عاكسة لعملية صناعة التشريع المصري بمراحلها الكاملة.

وفي رصدها لمراحل إصدار القانون تقول الباحثة إن المناقشة العامة شهدت تباينا عكس حيوية صناعة التشريع في الملفات الاستراتيجية.

ووضعت الباحثة إنفوجرافا يوضح مسار صناعة التشريع في النظام الدستوري المصري، إلى جانب جدول يضم آراء الحكومة والأغلبية البرلمانية والمعارضة حول القانون.

وأرجعت الدراسة أسباب صدور القانون بشكله الحالي إلى ضعف فاعلية المعارضة في مواجهة كتلة الأغلبية، حيث كشفت العملية التشريعية التي صاحبت مناقشة التعديل وإقراره عن استمرار ظاهرة هيمنة الأغلبية العددية.

وتخلص الباحثة إلى أن العملية التشريعية الخاصة بمشروع القانون تفتقد بعدًا أساسيًا لا بد منه لأي تشريع نموذجي وهو المناقشة المجتمعية التي تعد ركيزة أساسية في بناء القوانين السليمة.

وتشير الدراسة في نهايتها إلى أن المعارضة النيابية لم تطلب فقط حذف المادة 110 وإنما أعادت طرح سؤال جوهري يبحث عما إذا كانت الأرواح تساوي الأرباح، وعما إذا كان من الممكن أن يكون هناك ثمن نقدي لتلويث غذاء المصريين.


اقرأ أيضًا:هندسة الاحتواء.. كيف جُرد برلمان 2026 من أدواته لصناعة معارضة بلا ظهير شعبي؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة