خلصت ورقة بحثية حديثة إلى أن برلمان عام 2026 لم يعد مجالًا لمساءلة السلطة، بقدر ما أصبح أداة لإعادة توزيع الأدوار داخلها، حيث تُدار المعارضة بوصفها وظيفة مؤسسية لا طرفًا رقابيًا.
ورصدت الورقة البحثية، الصادرة عن مؤسسة "فكّر تاني" تحت عنوان "برلمان بلا مساءلة إعادة تشكيل المعارضة البرلمانية في مصر"، حال المعارضة البرلمانية من أواخر حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك حتى اليوم.
وبحسب الورقة التي أعدها الباحث محمد سعد، فإن المقارنة بين أنماط عمل المعارضة البرلمانية في عهد مبارك والمرحلة الراهنة تكشف عن تحول في وظيفة البرلمان ذاته من ساحة يُمارس داخلها قدر من الصراع السياسي، إلى إطار أُعيد توظيفه بوصفه هيئة ذات طابع استشاري غير ملزم.
وفيما يشبه التوثيق لحال المعارضة داخل مجلس نواب 2026 يؤكد الباحث أن البرلمان لم يعد مجالًا للصراع أو حتى لتنظيمه وإنما أصبح إطارًا يُعاد من خلاله تعريف التمثيل السياسي نفسه بحيث يُفصل تدريجيًا عن أدوات المساءلة.
"كراسي الشوك"
وتقدم الورقة البحثية في هذا السياق قراءة لمواقف المعارضة ذات الظهير الشعبي في السابق، وهو الظهير الذي كان يدعمها تحت قبة البرلمان في مواجهة الحكومة بطلبات إحاطة واستجوابات استدعي على أثرها وزراء كُثر لمجلس النواب منهم وزير الدفاع ووزير الداخلية، قبل أن يتطور المشهد لاحقًا في ظل غياب الظهير الشعبي لنواب المعارضة، ليصل الأمر إلى أن ممثل الحكومة اعتذر عن عدم حضور بعض الوزراء للاستجواب أو الإحاطة في عام 2019، مما دعا رئيس المجلس وقتها علي عبد العال لأن يقول "إن مقاعد الوزراء بالمجلس فيها شوك".
وعن طبيعة المشهد الراهن يُلقي الباحث الضوء على استدعاء الحكومة لرؤساء الهيئات البرلمانية في مجلس النواب إلى اجتماع بمجلس الوزراء في مارس الماضي، وهو الموقف الذي دعا أغلب النواب لإعلان رفض الدعوة أو الاستدعاء في البداية، قبل أن يعودوا ليوافقوا عليه في المكان والوقت الذي حددتهما الحكومة.
معارضة مستقرة
وخلص الباحث من تتبع هذه المواقف إلى أن المعارضة البرلمانية في مصر لا تعكس غياب السياسة بقدر ما تعكس إعادة تنظيمها داخل حدود مؤسسية أكثر ضبطًا، حيث إنها لا تُقصى بالكامل ولا تُترك أيضًا لتعمل كقوة رقابية مستقلة.
وتُعاد صياغة دور هذه المعارضة بحيث تظل جزءًا من استقرار النظام لا تحديًا له، ومن ثم فإن فهم سلوكها لا يمر عبر تقييم نواياها أو قدراتها الذاتية فقط، وإنما عبر تحليل البنية التي تعمل داخلها، وهي البنية التي تجعل من التكيّف خيارًا عقلانيًا ومن التصعيد خيارًا مرتفع التكلفة ومحدود الجدوى.
ويرى الباحث أن فرضيته الأساسية التي قدمها تؤكد أن المشكلة لا تكمن في ضعف الفاعلين بمجلس النواب 2026، بقدر ما تكمن في إعادة تعريف وظيفتهم داخل بنية مؤسسية تعيد توجيه سلوكهم وتحدد سقف حركتهم.
ويوضح أن هذه النتائج تتسق مع الأدبيات السلطوية التنافسية التي ترى أن المؤسسات التمثيلية لا تُلغى وإنما يُعاد توظيفها لإدارة التعددية بدلًا من إقصائها، كما تتوافق مع أطروحات الاحتواء السياسي التي تفسر استمرار وجود المعارضة بوصفه جزءًا من آليات دمجها وإعادة توجيهها داخل النظام.
وتشير الورقة البحثية إلى أن تراجع قدرة المعارضة البرلمانية في مصر لا يعكس اختفاءها المؤسسي، وإنما يبرز تحولًا نوعيًا في طبيعة المجال الذي تعمل داخله. فقد أُعيد تشكيل البرلمان من ساحة يمكن ولو بحدود أن تُمارس فيها أشكال من الضغط السياسي إلى إطار مُدار تُعاد داخله صياغة أدوار الفاعلين، بحيث يُسمح بوجود المعارضة لكن في صورة لا تمكّنها من تحويل اعتراضها إلى مسار سياسي ممتد.
ولخصت الورقة أسباب ما وصلت إليه المعارضة البرلمانية عام 2026 في عدة نقاط محورية، شملت تقييد الأدوات الرقابية الثقيلة وإعادة تعريف العلاقة مع السلطة التنفيذية، وإعادة تشكيل البنية التمثيلية للمعارضة، وتآكل الامتداد المجتمعي والسياسي خارج البرلمان، إلى جانب تعاظم منطق الاحتواء المؤسسي وتحوّل الزمن السياسي للاعتراض.