لسنواتٍ طويلة أُصبتُ بالعجز عن الكتابة تجاه قضية ما، أو حدث، أو حتى كتابة انفعالاتي وخواطري، واستبدلتُ بها التأمل والحديث الطويل مع النفس.
لا أدري لماذا ناداني القلم ليكون أداتي للبوح والفضفضة غير المعتادة منذ سنوات؟ قد يجوز أنه الإحساس بالقهر الذي يذهب ويعود أحيانًا، أو العجز الذي يسيطر على مشاعري عند سماع خبر حبس زميل أو زميلة، واستعادة مشاهد وسيناريوهات الحبس الاحتياطي، وأنا أعلم بداخلي أن الشجب والإدانة ليسا هما السبيل لإنقاذه من محنة جديدة، تُضاف لمحنٍ مستمرة لكل جيلي، وكأن الزمن أراد أن يتوقف هنا.
لازمني هذا القهر، ولازم جيلًا بأكمله، جيلًا يمثلني وأمثله، جيلٌ عاصر ثوراتٍ وحروبًا، ووباءً وسجونًا، ومنفى واغترابًا. جيلٌ خسر معركة بعد أخرى، لكنه لم يعترف بالهزيمة وما يزال يُقاوم، لأن خسارته -في نظره- ليست نهاية المطاف. جيلٌ يؤمن أن الانتصارات الصغيرة يمكن أن تصنع انتصارًا كبيرًا في يومٍ ما لا يعلمه، ولا يعلم إذا كان سيعيشه أو سيأتي مع أجيال أصغر.
جيلٌ نال الشهرة والعالمية بعد ثورة يناير المجيدة، التي ما لبثت -بعد لحظات الإشادة والتبجيل- أن انقلبت إلى نقمة تمثلت باتهامات بالعمالة والجاسوسية من تيار كبير كان في داخله غيظٌ وكرهٌ لشباب هذه الثورة، عن قناعة أو عن مصلحة، فالنتيجة واحدة: تشويه ممنهج يحطم معنوياتهم.
جيلٌ تشعبت مساراته بعد الثورة، مسارات اختارها أو أُجبر عليها. وللأسف، الأغلبية من هذا الجيل جمعهم المسار الإجباري المسمى بـ"السجن"، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من عمرهم، فالسجن هو الضريبة التي كان يعرفها هذا الجيل حق المعرفة من اللحظة الأولى التي اختار فيها طريق النضال والمطالبة بالعيش والكرامة الإنسانية.
وعقب هذا المسار الإجباري الانتقامي الذي فُرض عليهم بعد الثورة، تفرّقت الطرق أمامهم. فمنهم من اختار -أو أُجبر على- المنفى لإنقاذ نفسه وأسرته الصغيرة، بحثًا عن شيءٍ بسيط من السلام والأمان، ورفضًا لحياةٍ الحبسُ فيها إجراءٌ محتمل في كل لحظة.
ومنهم من فضّل التوقف عن الاهتمام بالشأن العام على طريقة "سأتابع من بعيد ولكني لن أعلق"، وآثر الاهتمام بمساره المهني وباستقرارٍ يضمن له ولعائلته حدًا أدنى من الأمان.
وآخرون مضوا في مسارات مختلفة للاستمرار -قد تكون أخفّ حدة، أو أقلّ تصادمًا- ولكنهم لم يستطيعوا إلا أن يكونوا متواجدين.
القليلُ جدًا أُغلقت في وجهه كل المسارات التي قد تساعده على الحياة بعيدًا عن شهرة "مسلسلات التخوين"، فكان ممنوعًا حتى من أن يكون منفيًا، لا لأنه اختاره، بل لأنهم أجبرُوه عليه، فلا مجال أمامه للسفر، واختيارات العمل المهني الآمن لشخصه تكاد تكون مستحيلة. وبعد السنوات التي قضاها خلف القضبان، حتى الرغبة في استكمال الدراسة معلقة خوفًا أو رهبةً من الطالب الذي من الممكن أن يكون مصدرًا للإزعاج هم في غنى عنه.
لذلك، وجد أن حياته تحولت إلى طريق واحد إجباري، طريق يتسق مع ذاته ويشعر فيه أنه هو، أن يتكلم، أن يصرخ ويناضل، أن يكون نفسه دون أن يلوّثها الصمت.
ولم يُعِر اهتمامًا كافيًا للظرف الموضوعي الذي لا ينسجم مع طبيعة نقده الحاد، رغم أنه يعرف جيدًا أن هذا الاختيار سيُعيده مرة أخرى إلى السجن، في مناخ انتقامي حاد اختبرناه جميعًا، لا يرحم خصوصًا مع من استطاع من هذا الجيل أن يستمر في المعارضة، وأن يرفع صوته، وأن يتشبث بالعمل السلمي لمقاومة انتهاكاتٍ تقع بالفعل، بالكلمات، بالرأي، بقول كلمة حق.
وهنا تَحدث المفارقة القاسية، الكلمة السلمية -سواء اتفقت مع محتواها أو خالفته- قد تتحول في لحظة إلى تهمة، تدفع بك من جديد إلى السجن، فتنهار سنوات أخرى من عمرك خلف الجدران.
هنا، مَنِ الجاني؟
للجميع قد يبدو أن الجاني هو الكلمة، فالكلمة هي التي تُحاسَب أمام القضاء، والمقالة أصبحت تهمةً تدفع المواطنين إلى السجن. وأصبحنا في وطنٍ يقيد اللفظ والمقال، ويُحوِّلهما إلى تهمة، بينما يفترض أن تكون حرية الرأي والتعبير حقًا مكفولًا، حسب الدستور المصري، في المادة 65 التي تنص على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".
والحقيقة أن الجاني هنا من فرض المنع من السفر بعد سنوات الحبس، ولم يكتفِ بذلك، بل أصبحت الكلمات ومقالاته والخواطر محاصرة بالبلاغات والتحقيقات والكفالات، والنتيجة الطبيعية لهذا الحصار هي حبس الكلمة وصاحبها.
نحن جيل من أبناء هذا البلد نستحق مساحة أكبر للاختيار دون أن تُفرض علينا حدود "المنع"، نحلم أن نعيش في بلد عظيم لا يخشى من كلمة في كتاب أو جريدة، بلد أكبر من أن يطالب مواطنيه بالصمت بدلًا من توفير الحرية.