من العيادات إلى سجن العاشر.. كيف تحول دفاع الأطباء عن مستقبلهم إلى تهمة؟

خلف أبواب سجن العاشر من رمضان، تتعثر خطوات ثلاثة من شباب الأطباء نحو بدء مسيرتهم المهنية، حيث تحولت تطلعاتهم المشروعة في ممارسة الطب إلى ترقب حذر لقرارات النيابة التي تجدد حبسهم أسبوعًا تلو الآخر، لرفضهم قرار وزير الصحة بتقليص التكليف الإلزامي الذي عدوه مساسًا مباشرًا بمستقبلهم وحقوقهم الأصيلة.

وفي إجراء يعمق من وطأة هذه المحنة، قررت نيابة أمن الدولة العليا، أمس الأحد، تجديد حبس الأطباء الثلاثة، وهم محمد أسامة السيد ومصطفى محمود عرابي وإيهاب سامح عبد الملك، لمدة 15 يومًا للمرة الرابعة على التوالي على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، المتهمون فيها بـ"إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإذاعة ونشر أخبار كاذبة"، وهي اتهامات يصفها المحامي إسلام سلامة عضو هيئة الدفاع عن الأطباء بأنها "عامة ومطلقة دون ربطها بوقائع محددة أو منشورات بعينها"، موضحًا أن الفريق القانوني لم يتمكن حتى الآن من الاطلاع على وقائع تفصيلية تدعم هذه الادعاءات.

وتتصاعد هذه القضية على خلفية أزمة أوسع تتعلق بتكليف خريجي المهن الطبية في مصر، وذلك إثر استبدال وزارة الصحة والسكان بنظام التكليف القائم على التعيين التلقائي لجميع خريجي كليات طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة، نظامًا آخر يعتمد على الاحتياج الفعلي للمنشآت الصحية، أدى إلى تقليص نسبة التكليف لتشمل فقط 45% من الصيادلة و40% من أطباء الأسنان و25% من خريجي العلاج الطبيعي، إلى جانب التأخير في الإعلان عن حركة النيابات الذي كان مقررًا في ديسمبر الماضي، ليثير القرار الذي سيُطبّق بأثر رجعي على خريجي دفعات 2023 و2024 و2025 احتجاجات واسعة من النقابات الطبية والنواب، حيث اعتبره الخريجون تهديدًا لمستقبلهم، مطالبين بتكليف شامل لكامل الدفعات ووضع معايير واضحة وعادلة لتوزيع القوى البشرية.

وقد قابلت السلطات هذا الرفض بإلقاء القبض على الأطباء الثلاثة، وهم محمد أسامة السيد، وهو طبيب الأسنان من المنصورة، والمرشح لعضوية النقابة العامة لأطباء الأسنان تحت السن، ومصطفى محمود عرابي طبيب الأسنان من دمياط وممثل دفعة 2023 بالنقابة، والصيدلي إيهاب سامح عبد الملك من الزقازيق، الذين "عبّروا عن رفضهم للقرار "عبر وسائل وصفتها جهات طبية وسياسية مساندة لهم بالسلمية والقانونية، شملت الطعن القضائي والعمل النقابي والمناقشات المهنية وتبادل الرأي في مجموعات مغلقة.

وفي هذا السياق قال المحامي إسلام سلامة لـ "فكر تاني"، إنه "لم تتم مواجهة المتهمين بمنشورات محددة على السوشيال ميديا سواء على فيسبوك أو غيره، ولم تعرض وقائع بعينها يمكن الاستناد إليها وإنما الاتهام جاء بصيغة عامة ومطلقة"، نافيًا في الوقت ذاته وجود أي اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعات محظورة كما أشيع، وأن "الاتهامات تقتصر على ما يتعلق باستخدام حسابات على السوشيال ميديا ونشر أخبار كاذبة وفق ما هو ثابت حتى الآن بالنسبة للمتهمين الثلاثة".

المسار القضائي والدور النقابي

ويعتمد فريق الدفاع بشكل كامل على طلب إخلاء السبيل، وهو مسار يفسره المحامي إسلام سلامة بأن طبيعة مرحلة الحبس الاحتياطي لا تتيح المجال لطرح دفوع موضوعية موسعة كما يحدث في مرحلة المحاكمة، قائلًا "نحن في مرحلة حبس احتياطي وبالتالي كل ما نتمسك به هو إخلاء السبيل خاصة في ظل توافر محل إقامة ثابت ومعلوم للمتهمين وعدم وجود ما يبرر استمرار حبسهم سواء من حيث الخشية من الهروب أو التأثير على الأدلة".

ويشير إلى أن هذا الطلب يظل الأساسي في كل جلسة تجديد تنعقد عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وهي آلية يرى الدفاع أنها تحد من تفاعل المتهمين، حيث "لا تتاح دائمًا الفرصة الكاملة للمتهمين للحديث أو عرض طلباتهم بشكل تفصيلي وغالبًا ما يقتصر الأمر على إثبات طلبات الدفاع" التي انحصرت في المطالبة بالإخلاء.

وعلى صعيد التحقيقات، كشف الدفاع تفاصيل الأحراز المتعلقة بالدكتور محمد أسامة، مبينًا أن الجهات المعنية تحفظت على هاتفه المحمول الذي يحتوي على منشورات عبر فيسبوك ومحادثات ضمن مجموعات تطبيق واتساب. ويؤكد سلامة أن مضمون هذه المنشورات يتمحور حصريًا حول أزمة التكليف، معتبرًا أن التوقيف جاء بسبب هذه المواقف، ومضيفًا أن "المحتوى الموجود يتعلق بمناقشات مهنية حول أزمة التكليف وهي قضية عامة داخل الوسط الطبي ولا تتضمن وقائع أخرى خارج هذا الإطار، ومن الواضح أن جوهر الموضوع يرتبط بآرائه ومواقفه من ملف التكليف وهي مسألة مهنية كان يعبر عنها في إطار نقاش عام بين الأطباء".

ولأن قضية التكليف تشكل عصبًا رئيسيًا في مسار خريجي الكليات الطبية، منذ عام 1974 بوصفه المدخل الأساسي لممارسة المهنة، فقد أثار تقليص أعداد المكلفين غضبًا واسعًا لا سيما بين خريجي دفعة 2023. وقد دفع هذا الوضع شخصيات عامة إلى إصدار بيان تضامني للمطالبة بالإفراج الفوري عن الأطباء الثلاثة، حذر الموقعون عليه من أن توجيه اتهامات بنشر أخبار كاذبة في هذا السياق يشكل توسعًا في تجريم العمل النقابي، مطالبين بضرورة وقف تغليب الطابع الأمني في التعاطي مع القضايا المهنية.

وفي إطار الجهود المبذولة لدعم المحتجزين، يشير الدكتور إيهاب هيكل نقيب أطباء الأسنان إلى أن النقابة تتابع القضية عن كثب وتقدم الدعم القانوني للأطباء منذ بداية الأزمة، موضحًا في تصريحات أدلى بها إلى "فكر تاني" أن "محامي النقابة متواجد بشكل دائم مع الأطباء خلال الجلسات ويقوم بدوره في تقديم الدعم القانوني والدفاع عنهم".

ويبين هيكل أن دور النقابة لم يقتصر على المسار القانوني فحسب وإنما شمل التواصل المباشر مع أسر المحتجزين، قائلًا إن "هناك تواصل مستمر مع الأسر وبعضهم حضر إلى مقر النقابة وشارك في فعاليات خلال شهر رمضان في إطار الدعم المعنوي، والمطلب الأساسي للأطباء وأسرهم هو الدعم وهو ما تحرص النقابة على تقديمه في حدود ما يسمح به القانون".

ويشير النقيب إلى تقديم طلبات متكررة لإخلاء سبيل الأطباء قوبلت بالرفض حتى الآن، مشددًا على التزام النقابة بالمسار القضائي ورفض التعليق على التفاصيل احترامًا لاستقلال القضاء، ومختتمًا تصريحاته بقوله "نحن ننتظر ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية ولا يجوز التعليق على تفاصيل القضية".

ومما يلفت الانتباه في هذه التطورات تقدم الدفاع بطلب لاستخراج توكيل قانوني لوالد الدكتور محمد أسامة، المرشح على مقعد تحت السن، وذلك لتمكينه من مباشرة الإجراءات المرتبطة بانتخابات نقابة أطباء الأسنان المقرر انعقادها الجمعة المقبلة الموافق 25 إبريل 2026. ويوضح المحامي أن "هذا الطلب يأتي لضمان عدم حرمانه من حقوقه النقابية خاصة مع تزامن الانتخابات مع فترة حبسه الاحتياطي فتم توكيل والده"، مشيرًا إلى أن الطلب لا يزال قيد الفحص ولم يتم البت فيه.

وبهذا المشهد المعقد تضع قضية الأطباء الثلاثة العلاقة بين حرية التعبير المهني وحدود المساءلة القانونية أمام اختبار جديد. ومع استمرار الحبس الاحتياطي وتأخر الإحالة إلى المحاكمة تستمر النقاشات حول دور النقابات في حماية أعضائها بعيدًا عن التعليق على مسارات العدالة، لتبقى الأيام المقبلة حاسمة في الكشف عن المآلات المنتظرة لشباب الأطباء ومدى تأثير قضيتهم على أروقة العمل النقابي في البلاد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة