بين شعلة بوتاجاز تخبو في زقاق بالقاهرة، وغبار تروسيكل أنابيب يقطع طرقات سوهاج، تدير المرأة المصرية اليوم واحدةً من أعقد العمليات الحسابية في العالم، ليس بغرض الربح، وإنما لبلوغ الستر. هنا في بيوت أم عبير وبخيتة وفوزية، لم يعد الفقر رقمًا جافًا في نشرات التضخم، بل خيطًا يربط بين أسطوانة الغاز ولقمة العشاء وقرص الدواء.
تبدأ رحلة التدبير من النار، فالأزمة لا تقتصر على سعر الطعام وحده، إنما تمتد لتشمل تكلفة نضجه، إذ تراقب أم عبير شعلة البوتاجاز التي تخبو كأنها تراقب ميزانيتها التي تتبخر، فالأنبوبة التي قفز سعرها إلى 300 جنيه فوق ظهر السريح، أصبحت عبئًا يلتهم مصروف الإفطار، تقول أم عبير في حديثها لـ"فكر تاني" "الأنبوبة كانت بـ200 جنيه من شهرين، ومن كام يوم بقت 250، النهاردة السريح واقف تحت البيت وبيحلف إنها بـ300 عشان يطلعها لي الشقة، الـ50 جنيه الزيادة دي كانت ميزانية الفطار، لكن راحت في طلعة سلم".
تعتمد أم عبير سياسة مختلفة في التعامل مع أنبوبة الغاز، إذ تمنع طهي الأشياء التي تستغرق وقتًا، وتستبدل بها أكلات النواشف، وتنقع الفول والعدس ليلة كاملة حتى لا يستهلكا كميات كبيرة من الغاز، وتضيف قائلة "حتى المكرونة والرز، بقيت أنقعهم في ماء دافئ قبل تسويتهم على النار، عشان الحباية تطرى وما تاخدش غلوتين وتستوي".
وتشتد هذه المعاناة مع النار في أقصى الصعيد، وتحديدًا في محافظة سوهاج، إذ تجلس الحاجة بخيتة البالغة من العمر ستين عامًا فوق مصطبة أمام بيتها، وعيناها تراقبان الطريق الترابي بانتظار غبار تروسيكل الأنابيب، قائلة لـ"فكر تاني"، إن "الأنبوبة عندنا بتيجي بطلوع الروح، المستودع بعيد عن النجع بلاد، والتوكتوك بيطلب نص تمن الأنبوبة عشان يروح يجيبها ويرجع، فبقينا تحت رحمة السريح اللي بيجيلنا مرة في الأسبوع".
تضطر بخيتة للدفع وهي صامتة لأن البديل هو الفرن البلدي الذي هدمته قديمًا لتوسعة الدار "زمان كنا نخبز في الفرن البلدي بالقش والحطب، والدار كانت عامرة بدخان الخبيز، دلوقتي الحطب غلي والفرن هديناه عشان نوسع، وبقينا تحت رحمة الأنبوبة، لما السريح يقولي 300 جنيه، بدفع وأنا ساكتة، لأني لو نطقت هيسيبني ويمشي للبيت اللي جنبي".
وعلى الرغم من التوسع الكبير في توصيل الغاز الطبيعي داخل المدن لأكثر من 14 مليون وحدة سكنية، فإن غياب الخدمة عن بعض المناطق يجعل نساءً مثل أم عبير عالقات في فخ الأسطوانة، فوفقًا لبيانات وزارة البترول لا تزال التغطية الكاملة تصطدم بعقبات البنية التحتية وتكلفة مد الشبكات في المناطق البعيدة، وهو ما يفسر استمرار اعتماد الأسر على البوتاجاز بكل أعبائه وتكاليفه الإضافية بانتظار وصول قطار الغاز الطبيعي لمناطقهم.
هندسة الوجبات والتحايل على الجوع
عندما تنجح أولئك النساء في توفير النار، يصطدمن بمعضلة المكونات، إذ لم يعد البحث في الأسواق عن الكيلو من السلعة، وإنما عن البواقي. ويتجلى هذا الذكاء اليائس بوضوح في مطبخ سعاد ابنة محافظة الجيزة، التي لم تعد تذهب للسوق في الصباح الباكر، إنما تنتظر حتى يميل النهار لتترصد الخضار الذي نال منه التعب، فتشتري الطماطم المستوية والباذنجان الذي ذبل من حرارة الشمس بنصف الثمن، لتصنع منهما مسقعة تكفي لإطعام أسرتها يومين كاملين.
ولا يتوقف تدبير سعاد عند حدود المكونات، وإنما يمتد لابتكار بدائل للنكهات المفتقدة، وتقول في حديثها لـ"فكر تاني"، إنه "بدل السمنة الغالية، بقيت أجيب دهن حيواني من الجزار، أسيحه وأخلطه بشوية زيت تموين، بيدي طعم اللحمة للطبخة وهي خالية منها، وأهو بنضحك على العيال بالريحة، وبقيت أغطي الحلل بفوطة مبلولة فوق الغطاء عشان أكبس البخار حلة ضغط الغلابة، وبكده اللحمة المجمدة تستوي في نص ساعة بدل ساعتين".
يظهر هذا التحول في أولويات الإنفاق بوضوح عند الوقوف أمام محلات الطيور، ففي سوهاج يروي محمد، أحد بائعي الطيور، كيف تبدلت أحوال السوق قائلًا "زمان كنت غالبًا برمي الهياكل دي، دلوقتي الستات بتقف عليها طوابير من الصبح، الست بتيجي تاخد 2 كيلو هياكل بـ100 أو 150 جنيه، وتعمل عليهم حلة شوربة، ريحة فراخ في البيت".
اقرأ أيضًا: "ستارت أب بيزنس" من سلة المهملات.. كيف تدير ربات البيوت اقتصاد الخردة لهزيمة التضخم؟ | فكر تانى

بنك شعبي لا يعرف الفوائد
ولأن تدبير نار البوتاجاز ومكونات الطعام لم يعد كافيًا وحده لسد فجوات المعيشة، كان لزامًا على تلك النساء الانتقال من إدارة المطبخ إلى إدارة التمويل الكلي للمنزل عبر الجمعية، ذلك البنك الشعبي الذي لا يعرف الفوائد ولا يحتاج إلى ضمانات بنكية أو مفردات مرتب، فقط دفتر قديم، تدون فيه فوزية بتركيز أسماء ومبالغ وتواريخ لعشرين أسرة في منطقتها، محولةً جدران بيتها إلى غرفة عمليات اقتصادية بامتياز.
تصف فوزية وظيفتها بأنه ستر للبيوت، حيث تأتيها النسوة بطلبات تحمل وجع الاحتياج، فواحدة تطلب الدور الأول لإجراء جراحة لزوجها، وأخرى تطلب الدور الأخير لتجهيز ابنتها، لتقوم فوزية بمهمة التوفيق بين الأدوار بعدل وإحساس بمن حولها.
وتقول إيمان إحدى المشتركات في جمعية فوزية، في حديثها لـ"فكر تاني"، إنها "لو قعدت أحوش الـ500 جنيه كل شهر في البيت، كانت هتضيع، لكن الجمعية دين واقف على رقبتي، لازم أدفعه قبل ما أجيب حاجة في البيت، ولما قبضت الـ50 ألف جنيه الشهر اللي فات، روحت جري جبت ثلاجة وغسالة لجهاز بنتي قبل ما السعر يزيد، ولولا الجمعية دي مكنتش هعرف أتصرف".
ولا يقتصر دور الجمعية على تأمين السلع المعمرة وحدها، وإنما يمتد لضمان استمرار العملية التعليمية، فتقول نجاة المشتركة في جمعية مختلفة، في حديثها لـ"فكر تاني"، إنها تشترك في "جمعية مخصوص بتتقبض في شهر 9 عشان لبس المدارس والدروس، المدرسين دلوقت مبيعرفوش غير الكاش، والكتب الخارجية بقت بآلافات، وبفضل ألم الفكة من بيع الخضار طول الصيف، وأدفع سهمي، عشان لما يجي شهر 9 أبقى باشا وأدفع مصاريف العيال وأنا راسي مرفوعة. الجمعية هي اللي مخلية عيالي يكملوا تعليم ويقفوا على رجليهم".
صيدلية الشارع
وينهار حائط الصد الذي تبنيه النساء عبر الجمعيات المجدولة والتحايل على نيران البوتاجاز، فجأة، حين يطرق المرض الباب، وهنا تظهر صيدلية الشارع كملجأ أخير يتجاوز منطق الطب ليدخل في منطق المتاح.
فأمام فاترينة صيدلية بحي شعبي تقف أم إياد تقبض يديها على فكة قليلة لا لتطلب دواءً كاملًا، وإنما لتشتري حبتين للمغص وشريط مسكن، بعد أن صارت فيزيتا الكشف وحدها تعادل ثمن تموين أسبوع. وتصف أم إياد هذه المعادلة بقولها إن الذهاب للطبيب يعني دفع 800 جنيه بين كشف ودواء، بينما تمنحها مجموعة البرد ذات الأربعين جنيهًا حلًا سريعًا يوقف ابنها على قدميه ليلحق بمدرسته، معقبةً بمرارة "إحنا بنشتري الوقت مش الصحة".
وهي الحيرة ذاتها التي تعيشها أمل في المنيا، فبدلًا من أن يكون الطبيب هو أول ما يتبادر لذهنها حين يسخن جسد ابنها ليلًا، يكون السؤال الأول "معايا كام وهقدر أكشف له ولا لأ؟"، وهذا العجز يدفعها للجري نحو الصيدلي، الذي يعرف عيالها، بحثًا عن علاج يخفف الألم في ساعة لتتمكن من النزول لعملها، رغم إدراكها الكامل بأن ما تفعله ليس صحيحًا طبيًا.
ويحوّل هذا الواقع الصيدلي إلى طبيب اضطراري يروي بأسى كيف يضطر لقص شريط الدواء بالمقص لأربع قطع ليبيع للأم حبتين فقط، ويقول صيدلي رفض ذكر اسمه في حديثه لـ"فكر تاني"، إنه "زمان كان الزبون يدخل بالروشتة ويقول طلع لي الأصناف دي كلها، النهاردة، الست بتدخل تمسك الروشتة وتكشف على الأسعار صنف صنف.. تسألني ده بكام وده بكام؟ ولما تلاقي المجموع 600 جنيه وهي معاها 200 بس، تبدأ تقولي يا دكتور، إيه أهم واحد فيهم؟ طيب طلع لي ربع شريط من ده وحبتين من ده، أنا بقيت بقص الشريط بالمقص لـ4 حتت عشان أقدر أساعدها".
وتؤكد دراسة للباحث محمد عبد اللطيف صادرة عن جامعة القاهرة، بعنوان "وضع الصيدليات المجتمعية في مصر"، أن الصيدلي لا يقتصر دوره على صرف الدواء فقط، وإنما يمتد ليشمل القيام بدور شبه طبي في كثير من الحالات، حيث يقدم التشخيص الأولي ويقترح العلاج المناسب ويوجه النصائح الطبية للمرضى.
ويبرز هذا الدور بشكل أكبر في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يعتمد المواطنون بشكل متزايد على الصيدليات كخط أول للرعاية الصحية في ظل سهولة الوصول إليها مقارنة بالمؤسسات الطبية الأخرى.
ميزانية تحت ضغط التضخم
لم تعد هذه الدوائر الأربع المتمثلة في الطاقة والغذاء والتمويل والصحة تُدار بقرارات حكومية في بيوت هؤلاء النساء، وإنما بفقه الضرورة الذي يفرضه واقع اقتصادي معقد، فحسبما يرى الخبير الاقتصادي الدكتور هاني أبو الفتوح أن ما تفعله النساء هو استجابة طبيعية لفجوة واسعة بين أرقام التضخم الرسمية والقدرة الشرائية الفعلية، فـارتفاع أسعار اللحوم بنسبة 9% والخضروات بنسبة 3.8% في فبراير الماضي جعل ميزانية الأسر الشعبية تعيش حالة من الانكماش حيث الدخل الحقيقي لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.
وسجل معدل التضخم الأساسي 14.0% في مارس 2026، مقابل 12.7% في فبراير 2026 بحسب بيانات البنك المركزي. هذا الضغط هو ما يدفع الأسر لحماية نفسها من الاستدانة الرسمية عبر تلك البدائل غير الرسمية كالجمعيات أو القروض الصغيرة، وهي أدوات يراها أبو الفتوح سلاحًا ذا حدين، فرغم أنها تستر البيوت مؤقتًا، فإن تكلفتها قد تكون أعلى من البنوك، كما أن محدودية السيولة تزيد من خطر تراكم ديون قصيرة الأجل تلتهم أي زيادة في الدخل.
ويرسم أبو الفتوح صورة لاقتصاد يظهر مؤشرات متناقضة، فبينما تبدو الاحتياطيات والتحويلات النقدية قوية وتوفر نوعًا من الأمان، تلتهم تكلفة خدمة الدين العام هذه المكاسب بالتوازي مع مشاكل الغاز، التي واجهت المصانع وأبطأت الإنتاج، مؤكدًا أن الطاقة والغذاء والتعليم تظل هي التحديات الكبرى التي تضغط على المواطن بشكل غير مباشر مع ارتفاع أسعار النفط وضعف الجنيه.
وفي ختام رؤيته يرى أبو الفتوح أن الحل يتوزع بين طرفين، فبينما يتوجب على الأسر ممارسة التخطيط الدقيق للميزانية وتنويع مصادر الدخل وتجنب الاستدانة غير الضرورية، يقع العبء الأكبر على الدولة في ضرورة تعزيز سياسات الحماية الاجتماعية وتحسين فعالية الدعم الغذائي والطاقة، لضمان ألا تتحول المكاسب الاقتصادية الكلية إلى مجرد أرقام على الورق لا تجد طريقها لجيوب الناس.
اقرأ أيضًا: الموازنة ترفع شعار «المواطن أولًا».. استعد لتمويل الحكومة من جيبك | فكر تانى

المرأة المصرية "غير"
وهذا الصمود اليومي وراء الجدران ليس مجرد صدفة، وإنما نتاج طبيعة يراها الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، متجذرة في الشخصية المصرية، فالزوجة المدبرة هي في الأساس أنثى متدبرة تشربت فنون الإدارة منذ نعومة أظفارها في بيت والدها.
ويرى هندي أن ما تفعله هؤلاء النساء انعكاس لعقل وحكمة وقدرة فطرية على التنظيم تجعل من التوفير سمة شخصية وسلوكًا اجتماعيًا يحمي الأسرة من الانهيار.
ويذهب استشاري الصحة النفسية، في تصريحاته إلى "فكر تاني"، إلى أبعد من ذلك واصفًا المرأة المصرية بأنها الجيش الداخلي وسند الدولة الحقيقي، خاصة في ظل أرقام تعكس واقعًا مذهلًا، حيث تعيل النساء 30% من الأسر المصرية بشكل كامل، بينما تسهم في إعانة 38% من الأسر الأخرى، وهذه القوة تظهر في كونها مختلفة عن جميع سيدات العالم بصبرها وجلدها وقدرتها على الاتكاء على أبسط المفردات المتاحة، فهي التي تملك الشجاعة لاستبدال البروتينات بالبقوليات بذكاء، فقط لكي تسد احتياجات أسرتها وتمر بمركبها إلى بر الأمان.
مقصلة من نوع آخر
غير أن هذا الذكاء اليائس في المطبخ والإدارة يضع الأسرة أمام مقصلة من نوع آخر، فما يتم توفيره في ميزانية الغذاء قد يُدفع أضعافًا في العيادات، وهنا يوضح الدكتور شريف حتة، استشاري الطب الوقائي والصحة العامة، أن البروتينات التي تحاول النساء الالتفاف على غلائها هي المحرك الأساسي لبناء العضلات وزيادة التركيز وحركة الجهاز الهضمي، والاعتدال فيها هو كلمة السر لتجنب أمراض النقرس ومشاكل الكبد والكلى الناتجة عن الإفراط، أو الوهن الناتج عن النقص.
ويوضح حتة أن المصادر الحيوانية من لحوم ودواجن وأسماك تتربع على قمة الهرم الغذائي كأفضل الأنواع لسهولة هضمها ودورها المباشر في تعزيز القدرات الذهنية، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى البدائل النباتية التي تقع في متناول الجميع مثل الفول والعدس والباذنجان الغني بالمعادن كحلول تعويضية ممكنة.
ومع ذلك يطرح استشاري الطب الوقائي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، رؤية تتجاوز الجانب الصحي لتصل إلى الجانب الاقتصادي للأسرة، قائلًا إن مخاطر نقص البروتين والاعتماد على صيدلية الشارع قد تكلف ميزانية البيت والقطاع الصحي أكثر بكثير من تكلفة توفيره، ففي حال تدهور صحة الشخص نتيجة سوء التغذية ستضطر الأسرة لدفع مبالغ طائلة في رحلة العلاج، فضلًا عن الآثار السلبية العميقة التي يتركها هذا النقص على مراحل نمو الأطفال وصحتهم الجسدية العامة.
رغم ذلك، تستمر الدورة اليومية داخل تلك البيوت دون توقف، فمع كل صبح يهل تعود أم عبير لمراقبة شعلة البوتاجاز بحذر، وتواصل بخيتة انتظار تروسيكل الأنابيب، بينما ترتب سعاد خطتها لاقتناص خضار آخر النهار، وتراجع فوزية دفتر الجمعية لضبط أدوار المحتاجين، في حين تقف أم إياد مجددًا أمام فاترينة الصيدلية تحسب ما تبقى معها من فكة. لتشكل هذه المشاهد اليومية المتكررة واقعًا تديره نساء لا يملكن رفاهية التفكير في خطط طويلة الأجل أو حسابات الخسارة الصحية المؤجلة، وإنما ينصب جهدهن الكامل على ابتكار حلول لحظية تبقي الأبواب مغلقة على أسرارها، وتضمن عبور أسرهن يومًا بيوم بأقل الخسائر الممكنة.