شهدت الشهور الماضية تطورًا لافتًا في ملف الحبس الاحتياطي لسجناء الرأي، إثر سلسلة من قرارات إخلاء السبيل التي أصدرتها نيابة أمن الدولة العليا، وشملت عشرات المتهمين على ذمة قضايا توصف عادة بأنها ذات طابع سياسي أو مرتبطة بالنشر والتعبير عن الرأي، وممن تخطوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي.
وبحسب رصد تقريبي لـ"فكر تاني"، استند إلى متابعة النيابة العامة ومحامين ومراكز حقوقية، من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومؤسسة الحق، فإن عدد الحاصلين على قرارات إخلاء سبيل مباشر من النيابة، أو من خلال دوائر المحاكم، منذ شهر فبراير الماضي وحتى الآن تجاوز 145 شخصًا.
ففي شهري فبراير ومارس صدرت قرارات إخلاء سبيل لنحو 90 متهمًا، بينهم دفعة قبل العيد مباشرة شملت 31 متهمًا، ودفعة أخرى في بداية شهر رمضان شملت 28 متهمًا في قضايا "نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أُسست على خلاف القانون"، وخلال الأسبوع الأول من شهر أبريل صدرت قرارات إخلاء سبيل 55 متهمًا في أربع دفعات، بينهم 23 متهمًا الأربعاء الماضي، وهذه الأرقام رغم كونها تقريبية، تعكس نمطًا متصاعدًا نسبيًا في قرارات إخلاء السبيل، مقارنة بفترات سابقة اتسمت بقدر أكبر من الجمود.
تنوع لافت يتجاوز النشطاء التقليديين
لا يقتصر الأمر على الإفراج عن أسماء معروفة في المجال العام، وإنما امتد ليشمل فئات متنوعة من المحبوسين احتياطيًا، مما يشير إلى اتساع نسبي في نطاق القرارات، فقد شهدت الفترة الأخيرة إخلاء سبيل نحو تسعة متهمين في قضايا تتعلق بــ"ازدراء الأديان"، أو التعبير عن "معتقدات لا دينية" عبر السوشيال ميديا، وهي قضايا تعود في بعضها إلى عامي 2025 و2026.
كما شملت القرارات إخلاء سبيل نحو 12 شابًا، كانوا محبوسين على ذمة قضايا، من بينها القضية رقم 952 لسنة 2024، وذلك على خلفية كتابة عبارات تضامنية أو المشاركة في وقفات احتجاجية، فضلًا عن إخلاء سبيل 5 أشخاص على الأقل من المرتبطين بحملة المرشح الرئاسي السابق أحمد الطنطاوي، في قضايا تعود إلى فترة الانتخابات.
وإلى جانب ذلك رُصدت حالات لمحبوسين أخلي سبيلهم لتجاوزهم مدة السنتين، المنصوص عليها قانونًا كحد أقصى للحبس الاحتياطي، ومن أبرزهم المدون محمد أكسجين. وهذا التنوع في طبيعة القضايا يعكس أن قرارات إخلاء السبيل لم تقتصر على مسار واحد، وامتدت لتشمل ملفات مختلفة، وإن ظلت جميعها تدور في إطار قضايا الرأي والتعبير.
ويكشف مصدر قضائي، قريب من دوائر مراجعة قوائم المخلى سبيلهم، كواليس وآلية اتخاذ القرارات لـ"فكر تاني"، موضحًا أن العملية تتم وفق مراجعات دورية ومنظمة داخل الجهات المختصة، وليست قرارات فردية أو عشوائية.
ويضيف المصدر، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويته، أن "هناك بالفعل أسماء تُعرض بشكل مستمر على الجهات المعنية، وأن عملية المراجعة لم تتوقف، وتتضمن دراسة كل حالة على حدة لضمان اتخاذ القرارات في إطار قانوني منضبط"، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار توجيهات مباشرة من النائب العام، بما يعكس وجود مسار مؤسسي واضح للتعامل مع هذا الملف.
وكشف المصدر ذاته أن هناك قوائم جديدة قيد العرض والفحص في الوقت الراهن، لافتًا إلى أنه من المتوقع صدور قرارات بإخلاء سبيل عدد جديد من الحالات، خلال فترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين، وذلك عقب الانتهاء من استكمال عمليات المراجعة والتدقيق، لافتًا إلى أن وتيرة العمل في هذا الملف تشهد نشاطًا ملحوظًا داخل الدوائر القضائية، مما قد يفتح الباب أمام دفعات جديدة من قرارات الإفراج خلال الفترة المقبلة.
بين الإفراجات الصامتة والغياب الإعلامي
صدور قرارات إخلاء السبيل المتلاحقة الذي رصدته "فكر تاني"، اعتبره كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة السابق وعضو لجنة العفو الرئاسي، جزءًا من تحرك مستمر، حيث يرى إن ملف سجناء الرأي في مصر لا يمكن النظر إليه باعتباره ملفًا ثابتًا أو مغلقًا، وإنما "ملف يتحرك باستمرار، لكن المشكلة أن هذه التحركات لا تظهر دائمًا بالشكل الكافي للرأي العام".
ويضيف عضو لجنة العفو الرئاسي لـ"فكر تاني"، أن ما يحدث على الأرض يمكن وصفه بأنه "شوية حاجات بتتعمل"، لكنه يستدرك قائلًا إن هذه التحركات "لا تزال جزئية، ومش بالشكل اللي يخلي الناس حاسة إن في تغيير جذري أو رؤية واضحة ومتكاملة"، في إشارة إلى وجود إفراجات قادمة، مؤكدًا وجود قوائم وأسماء يتم تداولها في سياق الإفراجات المحتملة، لكنه يتحفظ على ذكرها بشكل قاطع، ويوضح "في كلام حوالين شوية أسماء، لكن مفيش حاجة مؤكدة بنسبة 100%.. لكن لازم نكون حذرين"، ملمحًا إلى أن من بين الأسماء المتداولة بشكل كبير في القوائم الأخيرة ناشطين تتحفظ "فكر تاني" على نشر اسميهما وهما (م. ع) و(أ. ج)، دون تأكيد حاسم بشأن موقفهما.
ويستعيد أبو عيطة تجارب سابقة لتفسير تحفظه على الإعلان المبكر عن أي قوائم أو أسماء، قائلًا "أنا بطبيعتي ما بحبش أسبق الأحداث، لأن ده حصل قبل كده، واتعلن عن أسماء وما خرجتش في الوقت المتوقع، وده سبب إحباط كبير، وخلى في حالة من البلبلة.. لازم نكون حذرين جدًا في التعامل مع المعلومات، خصوصًا لما تكون لسه في طور التداول".
ويشير القيادي العمالي إلى واقعة سابقة "تداول فيها إن السياسي خالد داود خرج وبقى على الأسفلت، لكن ده تسبب في تعطيل خروجه لمدة 6 شهور... النوع ده من الأخطاء بيخلي الواحد يتريث جدًا قبل ما يتكلم عن الإفراجات". وقد اعترض أبو عيطة على عدم الإعلان عن الإفراجات المتلاحقة معبرًا عن استغرابه "في ناس كتير خرجت فعلًا، لكن محدش عرف غير بالصدفة.. واحد يكلم أهله يقولهم خدنا إخلاء سبيل، أو حد يخرج واسمه ما يكونش موجود في أي قوائم.. ده بيخلي السؤال مشروع، ليه الموضوع ده بيتعمل في صمت؟"، ويتابع متسائلًا "ليه ما يكونش في إعلان واضح ومنظم؟ ده ملف مهم جدًا، وبيخص قطاع كبير من المجتمع، ومش حاجة صغيرة". مشيرًا إلى أن الإعلان عن هذه القرارات بشكل شفاف يمكن أن يكون له أثر إيجابي واسع، مبررًا ذلك بأن "الناس بطبيعتها بتفرح لما تشوف حد بيخرج، وده بيدي أمل، وبيخفف الاحتقان.. لكن لما كل حاجة تتم في هدوء شديد، التأثير الإيجابي بيبقى أقل بكتير".
ويرى أبو عيطة أن استمرار حبس أشخاص بسبب آرائهم يطرح إشكاليات متعددة، متسائلًا "في ناس اتحبست لأنها قالت إن الأسعار غالية، أو إن في مشاكل في الخدمات زي الكهرباء. دي حاجات موجودة والكل شايفها، فليه يتحول الكلام عنها لمشكلة أكبر؟"، ويضيف "أنا سألت قبل كده، هل الكلام عن سعر سلعة أو خدمة يستدعي الحبس؟ المفروض ده يكون مدخل لحل المشكلة، مش لمعاقبة اللي بيتكلم عنها". ولا يكتفي أبو عيطة بالطرح الحقوقي لحرية الرأي، متجاوزًا إياه إلى اعتبار أن الإفراج عن سجناء الرأي يصب في مصلحة الدولة نفسها، قائلًا "أنا شايف إن إخلاء سبيل الناس دي مش بس مطلب إنساني أو حقوقي، لكنه كمان في مصلحة النظام والحكومة. لأنه بيخفف ضغط كبير جدًا، وبيقلل من حالة التوتر"، ومختتمًا حديثه بأن استمرار الحبس في مثل هذه القضايا يفتح الباب لانتقادات داخلية وخارجية، وقد يخلق حالة من التعاطف مع المحبوسين.
هذا التعاطف هو ما حدث مع الناشط أحمد دومة الذي جدد حبسه 15 يومًا في قضية جديدة، حيث يقول المحامي الحقوقي ووكيل أحمد دومة خالد علي إنه "كان فيه أمل حقيقي إن يتم إخلاء سبيل دومة في الجلسة دي، خصوصًا في ظل المناخ اللي شهد عدد من الإفراجات، لكن اللي حصل هو تجديد الحبس لمدة 15 يوم". ويضيف علي في تصريحاته لـ"فكر تاني" أن فريق الدفاع لم يلجأ خلال الفترة الأخيرة إلى المسارات التقليدية مثل لجان العفو أو التحركات الحقوقية الموسعة، لسبب رئيسي يتعلق بتوقيت جلسات تجديد الحبس، شارحًا الوضع بقوله "إحنا كنا أمام وضع قانوني محدد جدًا، قرار الحبس الأول كان لسه صادر، وكان فيه جلسة قريبة جدًا للنظر في التجديد، بعد أربعة أيام فقط.. في الحالة دي، بيكون في أمل قانوني قائم إن النيابة ممكن تقرر إخلاء السبيل، فبالتالي بنركز على المسار القضائي المباشر بدل ما نشتت الجهود". ورغم ذلك، لا يرى علي أن هذا التطور يغلق الباب أمام إخلاء سبيل دومة، مؤكدًا أن الخيارات لا تزال قائمة ومطروحة.
وفي إطار حالة التفاؤل بالتحرك نحو إنهاء ملف المحبوسين في قضايا الرأي والسياسيين، اعتبر المحامي أسامة الجوهري وكيل سيد مشاغب أن قرارات إخلاء السبيل تمثل خطوة إيجابية نحو الاصطفاف الوطني، قائلًا "إخلاءات السبيل تمثل خطوة مهمة نحو الاصطفاف الوطني، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الدولة".
ويضيف في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن التوسع في هذه الإجراءات يحقق مصلحة عامة، مصرحًا "نحن في حاجة إلى كل طاقة بشرية خلال المرحلة المقبلة، ومن المهم إعادة دمج كل من لم يتورط في أعمال عنف وإراقة للدماء داخل المجتمع مرة أخرى"، متابعًا "من وجهة نظري، كل من لم تتلطخ يداه بدماء يجب أن يحصل على فرصة جديدة، خاصة في ظل تغير الظروف وتراجع الكثير من أشكال الاحتقان".
ويكشف الجوهري عن أسباب تأخر الإفراج عن موكله، قائلًا إن إجراءات الإفراج عنه "جارية بالفعل وبشكل إيجابي"، لكنها لا تزال في إطار الإجراءات القانونية والإدارية المرتبطة بتعدد القضايا. ويوضح أن وضع سيد مشاغب "مستقر قانونيًا"، وأنه أنهى فعليًا كافة القضايا المنظورة ضده، لكن الإفراج النهائي يتطلب استكمال عدد من الإجراءات المرتبطة بما يمكن وصفه بأنه "مراجعة الموقف القانوني لكل قضية على حدة"، في ضوء تعدد القضايا التي واجهها خلال السنوات الماضية. ويشير إلى أن موكله يواجه عددًا كبيرًا من القضايا التي توزعت على جهات قضائية مختلفة، موضحًا "نحن نتعامل مع ما يقارب 14 قضية، تم الانتهاء منها جميعًا من حيث الجوهر، لكن تبقى الإجراءات الشكلية المرتبطة بإثبات انتهاء كل قضية أمام الجهة المختصة"، مضيفًا "نحن أمام إجراءات روتينية بحتة، هدفها التأكد من توثيق انتهاء القضايا بشكل كامل، حتى يتم الإفراج النهائي بصورة قانونية سليمة"، مع رفضه في الوقت ذاته تحديد موعد نهائي لخروج سيد مشاغب.
ورغم هذه الأرقام اللافتة نسبيًا والتصريحات التي تشير إلى وجود تحرك، فإن السؤال الأساسي يظل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الإفراجات تمثل بداية لتغيير أوسع، أم أنها ستظل في إطار التحركات المحدودة. ويرى مراقبون أن غياب إطار واضح أو إعلان رسمي عن سياسة متكاملة للتعامل مع ملف الحبس الاحتياطي يجعل من الصعب تقييم هذه الخطوات بشكل نهائي. فمن ناحية تعكس الأرقام انفراجة نسبية خاصة مع شمولها فئات متنوعة من القضايا، ومن ناحية أخرى يظل غياب الشفافية والإعلان المنظم عاملًا يحد من تأثير هذه الخطوات، ويجعلها تبدو وكأنها استثناءات أكثر منها نمط يكشف عن انفراجة حقيقية في ملف الحبس في قضايا الرأي.