في قاعة اختلطت فيها مشاعر الفرح بالحزن، جلس عشرات السياسيين والنشطاء والمحامين، أمس الأربعاء، في ندوة استضافها مقر حزب الكرامة للتضامن مع محبوسي الرأي وعلى رأسهم أحمد دومة.
قبل أيام كان أولئك المتضامنون في قمة سعادتهم، بعد خروج العديد من المعتقلين، لكن وجوههم بدت محبطة في تلك الأمسية، وربما تبدو أكثر إحباطًا اليوم إثر قرار النيابة اليوم الخميس بتجديد حبس دومة خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، بعد حبسه أربعة أيام بالفعل على ذمة تحقيقات القضية رقم 2449 لسنة 2026 حصر أمن دولة، التي يواجه فيها اتهامات بنشر أخبار كاذبة.
أمام الحضور، اعتلت حائط القاعة لوحة تصدرها دومة، المحتجز على خلفية ما كتبه عن "سجون القاهرة" كما وصفها في مقاله محل الاتهام، وقد صاحبه في اللوحة عدد من معتقلي الرأي الذين قضوا سنوات طويلة خلف القضبان.
دوامة الاتهامات وتكدير السلم العام
بدأت هدى نصر الله، محامية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ووكيلة أحمد دومة، حديثها بالإشارة إلى الاستدعاءات المتكررة التي تعرض لها منذ خروجه بعفو رئاسي عام 2023، بعد أن قضى في السجن عشر سنوات.
وتوضح أن المرات الست التي تم التحقيق معه فيها بنيابة أمن الدولة كانت تدور حول التهمة نفسها المتمثلة في نشر أخبار كاذبة، ففي أقل من عامين، استقبل دومة سبعة استدعاءات من نيابة أمن الدولة العليا، انتهت ستة منها بإخلاء سبيله بكفالات بلغ مجموعها 230 ألف جنيه، بينما أسفر الاستدعاء السابع عن حبسه.
وتستنكر هدى هذه الاتهامات متسائلة "إيه اللي قاله علشان يوصفوه بإنه أخبار كاذبة"، وترى محامية المبادرة المصرية أن تهمة تكدير السلم العام تمثل مبالغة من النظام معقبة بقولها "إحنا ماشفناش ناس خرجت بمظاهرات علشان دومة كتب بوست".
وخلال الأمسية توالت الانتقادات الموجهة للاتهامات المعلبة التي يصدرها النظام بحق سجناء الرأي، حيث وقفت نجلاء سلامة، زوجة الخبير الاقتصادي المسجون عبد الخالق فاروق بملابس زرقاء وصفتها بأنها ملابس السجن للمحكومين. وقد أبدت استغرابها من سجن زوجها واصفة النظام بأنه "نظام مرعوب من راجل لا يمتلك إلا ورقة وقلم"، ومشبهة حاله بموقف دومة متسائلة "مفيش واحد بيكتب مقال يعتقل، ليه؟ ممسكش سلاح ومدعاش لتخريب".
والتقط الحقوقي شريف عازر أطراف الحديث، قائلًا إن الورقة والقلم لن يشكلا خطرًا، وكذلك أسعار البصل لا تعرف عن الخطر شيئًا، ورغم ذلك "واحدة كاتبة إن كيلو البصل بـ 40 جنيه تتحبس، واحد قال إن النور بيقطع يتحب. بلاش كده.. محامي يبلغ عن مخالفة أو جريمة لأحد المسؤولين فيحبسوه".
ويشير عازر بذلك إلى أن الحساب على الرأي والكتابة أصبح سلوكًا ممنهجًا وليس أمرًا طارئًا، ويتابع تعليقه على حبس عبد الخالق فاروق، قائلًا "بقالكم سنين طويلة بتجربوا الطريق اللي وصلنا لما نحن فيه، احسبوا قيمة الجنيه وصل لإيه؟ ولما تيجي تتكلم عن الكلام ده تتحبس".
حرية مقيدة وحياة موقوفة
لا يقتصر الأمر على السجن فحسب، فقد يجد الإنسان نفسه بعد العفو في ملاحقة مستمرة تجعل من البراح سجنًا آخر. ويصف أحمد ماهر ريجو، صديق أحمد دومة، هذا الوضع قائلًا "أنا كنت مع دومة في المصيف وكانت الملاحقة وراه طول الوقت، المتابعة وراه طول الوقت، مفيش أي لحظة في حياته قادر يعيشها بأي شكل طبيعي".
ويتفق سيد الطوخي، رئيس حزب الكرامة، مع هذا الوصف معبرًا عن تفاجئهم قائلًا "فوجئنا بالجريمة المتحركة عبر سنوات طويلة بأخونا العزيز أحمد دومة". ويصف الوضع الأمني تجاه أبناء المعارضة حاليًا بأنه يتسم بقسوة وغل غير مسبوقين، مضيفًا "فيه غل مقصود للحالة بشكل عام وللأفراد بشكل خاص". ويستنكر الطوخي أسلوب السلطة مبينًا أن هؤلاء الأشخاص دخلوا السجن لأن "كل واحد في الناس دي دخل السجن لأنه قلبه موجوع ع البلد دي.. وشايف إنها البلد ممكن تبقى أحسن".
ويرى الطوخي أن هذا الدافع هو ما قاد دومة للتعبير عن رأيه فور خروجه من السجن، وهو ما تشرحه هدى نصر الله بكونه خرج حاملًا تجربة عشر سنوات من السجن، مما جعله يسعى دائمًا لإيصال المشاعر والانتهاكات التي كانت تحدث، وتشرح موقفه، قائلة "هو خرج من السجن ومعاه تجربة السجن 10 سنين، فطول الوقت بيسعى لإيصال المشاعر والانتهاكات اللي كانت بتحصل.. كمواطن كان حابب إنه يعيش كأي مواطن عادي، لكن للأسف، هو اسمياً خرج من السجن، لكنه خارج السجن لا زال في سجن".
وتتطرق هدى إلى معاناة العديد من المعتقلين السابقين من التضييق وسلب وسائل الحياة، ضاربة المثل بتجربة دومة الذي لا يزال عاجزًا عن القيد في نقابة المحامين ليمارس عمله، وممنوعًا من القيد الرسمي كصحفي أو كاتب، فضلًا عن منعه من استخراج كافة الأوراق الثبوتية لمهنته، مما يدفعها للتساؤل "هو لغاية دلوقتي مش عارف يُقيد في نقابة المحامين علشان يقدر يشتغل، مش عارف يبقى مقيد بشكل رسمي كصحفي أو ككاتب.. كل الأوراق الثبوتية اللي تثبت مهنته ممنوع من استخراجها، فإزاي هيعيش وإزاي هيكون حر وهو في 100 ألف قيد حواليه؟".
وفي سياق متصل، ترى إلهام عيداروس وكيلة مؤسسي حزب العيش والحرية، أن السجن تحول من أداة للعقاب المؤقت إلى دمار شامل لحياة المعارض.
وتقارن بين الماضي والحاضر مشيرة إلى أن والدها كان يمارس نشاطًا سياسيًا ويتعرض للحبس، لكنه كان يعود لوظيفته ويسترد راتبه المتجمد ويتمكن من الزواج وتربية الأطفال، مضيفة "لكن القسوة والتنكيل اللي بيحصل دلوقتي في حياتك الاجتماعية والاقتصادية والمهنية مكنش بالمستوى ده". وتؤكد أن السجون أصبحت أداة يأس وتكدير للمسجون وأسرته، ورغم التوقعات بالاستسلام، ترفض التكيف مع هذا الوضع "لأنها حالة غير إنسانية".
تهم التضامن وتماسك الجبهة الداخلية
يضع شريف عازر الحضور أمام حقيقة قاسية تتعلق بوجود معتقلين مجهولين حتى الآن في السجون بتهمة التضامن مع فلسطين. ويقول منفعلًا "أوعوا تفتكروا بتوع فلسطين اللي أعلنوا عنهم النهارده بس، في أكتر من 10 قضايا أخرى، شباب صغير، دخلت على الفيس وكتبوا حاجة ضد إسرائيل وتضامناً مع غزة، هاتوهم". ويختصر المشهد بجملة قاطعة مفادها "من يحبس متضامناً مع فلسطين، تفسيره إنه إعلان بالتضامن مع إسرائيل".
ومن جهة أخرى، يستنكر وليد العماري، المتحدث الرسمي باسم الحركة المدنية طريقة تعامل السلطة، مع المعارضة في ظل الخطر الإقليمي، مبينًا أن الدول المعرضة للخطر يجب أن تعزز انتماء مواطنيها ليدافعوا عنها، قائلًا "الدول اللي متعرضة لخطر لازم تكون محسسة الناس إن دي بلدهم وإنهم منتمين ليها عشان يموتوا عشان خاطرها". ويؤكد أن تماسك الجبهة الداخلية يجب أن يتصدر أولويات السلطة التي ينبغي لها أن تتجنب هذه الممارسات في أوقات الحروب، مضيفًا "المفروض والأولى إن السلطة هي اللي تفكر معملش كده عشان في حرب".
وتتفق وفاء صبري رئيسة حزب الدستور مع هذا الطرح، مؤكدة إدراك المعارضة لخطورة اللحظة وحاجة الجميع للاستقرار، وموضحة "الناس كلها دلوقتي عايزة استقرار، وإحنا كمعارضة فاهمين كده كويس. الدولة مش هتستحمل ثورة ولا صدام في الشارع".
وتضيف أن إبداء الرأي ليس جريمة وإنما ينبع من الحب والخوف على البلد، محذرة في ختام حديثها "الغضب الداخلي هو أكبر خطر على استقرار أي دولة".
استراتيجية الصداع السلمي
وفي مواجهة هذه المتاهة الأمنية، تزيد الدكتورة ليلى سويف، المناضلة وأستاذة الرياضيات بجامعة القاهرة من حدة النقاش، "بأن القبض على أحمد هذه المرة يمثل رسالة مفادها "القبض على أحمد المرة دي رسالة إن إللى نطلعه مش عايزينه يعمل لنا صداع". وترى أن الحل يكمن في إيصال رسالة عكسية تؤكد "إذا كان أحمد عامل لكم صداع، فحبسه هيزود الصداع". وتختتم حديثها بالاعتراف بضعفهم الفعلي، مع التأكيد على احتفاظهم بقوتهم المتمثلة في القدرة على إثارة هذا الصداع، "إحنا ما بنقولش إحنا أقوياء، إحنا فعلاً ضعفاء، بس إحنا لسه نعرف نعمل صداع، دي قوتنا ما فقدناهاش".
والتقط الشاعر زين العابدين فؤاد هذه الفكرة ليختتم بها المشهد راسمًا خريطة عملية لهذا الصداع، حيث يوضح مسارات التحرك، قائلًا "أحمد دومة شاعر، يبقى الاتصال بكل الكتاب والأدباء. عبد الخالق فاروق اقتصادي، إذن النقابات والصحفيين"، مؤكدًاضرورة إثارة الحديث في كل مكان إذا لم يتم الإفراج عنهم، مشددًا على أن استخدام كافة الأدوات الضعيفة المتاحة مجتمعة سيخلق قوة حقيقية ومؤثرة، ومختتمًا حديثه بقوله "لازم في كل حتة يبقى فيه كلام. نستخدم كل الأدوات الضعيفة اللي موجودة، لو استخدمنا كل الأدوات الضعيفة دي مع بعضها هتبقى حاجة قوية".