في جلسة لا تزيد عن 3 ساعات، داخل أحد مراكز الشباب بحي دار السلام، يلتقي مدرس اللغة العربية محمود عبد الحميد ابنه الوحيد، صاحب السنوات السبع مرة أسبوعيًا، تطبيقًا لحكم الرؤية الذي حصل عليه بعد حرمان طليقته له من استضافة ابنه بمنزله، يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع.
أنهت الخلافات العائلية زواجًا دام عشر سنوات، وبينما التزم الأب بتسديد النفقة الزوجية وتكفله برعاية مصروفات نجله رعاية كاملة، فوجئ بامتناعها عن إرسال الابن لقضاء الإجازة الأسبوعية كالمعتاد بسبب علمها برغبته في الزواج بأخرى، ليضطر إلى إقامة دعوى الرؤية لإلزامها بإحضاره أسبوعيًا.
الذهاب إلى نادٍ رياضي لقضاء وقت مستقطع مع الابن الوحيد تجربة قاسية تجرعها الأب، خصوصًا إذا كانت الوسيلة الوحيدة للحفاظ على العلاقة وتحصينها، بعد التوترات التي ضربت الأسرة جراء الانفصال.
"هناك اختلاف كبير بين الرؤية التي تقصر علاقتي بابني على وقت في نادي واستضافته أسبوعيا بمنزلي حيث أعد له الطعام الذي يحبه وأنظم فسحة أسبوعية للبقاء على الود"، يروي عبد الحميد لـ"فكر تاني"، جانبًا من معاناته مع قانون الرؤية الذي ينظم حقوق الطرف غير الحاضن في رؤية صغاره بعد الانفصال الزوجي، وفق قانون الأحوال الشخصية الذي يمثل محل نزاع ملايين من الأسر المصرية التي تقطعت بها السبل داخل ساحات المحاكم.
ومثلما حرمت الخلافات العائلية عبد الحميد وآباء كثرًا من بناء الحياة المثالية لأبنائهم، يظهر المشهد ذاته في الجهة المقابلة عند المحاسبة آية حسن، التي خاضت نزاعًا قضائيًا مع زوجها لإلزامه بتسديد نفقة المتعة والتكفل برعاية مصروفات طفليه، ثمرة تجربة زواج استمرت 6 سنوات. وكان الانفصال هو الحل الأمثل عند المرأة الثلاثينية بعد خلافات مستمرة، غير أنها واجهت أزمة أكبر بعد انتهاء العلاقة، حيث اكتفى زوجها بترك شقة الزوجية من دون أن يسدد النفقة المقررة قانونًا، وتوقف عن إرسال أي مصروفات للإنفاق على طفليه ليبدأ السجال القضائي.
وتروي آية قصة الخلاف الذي انتقل من منزل الأسرة إلى ساحة المحاكم، موضحة لـ"فكر تاني"، أن "الحلول الودية فشلت واضطررت لرفع دعاوى قضائية ضد طليقي الذي برر عدم دفع المصروفات لضيق حاله وتأثر دخله، ومقابل ذلك منعت عنه الأولاد إلى أن تحل الخلافات".
يترك الانفصال الزوجي جروحًا لا تندمل بسرعة، ويدفع الأبناء الفاتورة الأكبر خصوصًا في ظل تعقيدات قانونية تلقي بظلالها على الحياة الأسرية وفشل قانون الأحوال الشخصية في حلها على مدار العقود الماضية، ولهذا يعقد الآباء والأمهات الآمال باستمرار على تغيير هذا الواقع بقوة القانون.
"دراما" ولكن
بإلحاح درامي وتفاعل برلماني عاد قانون الأحوال الشخصية إلى دائرة الجدل من جديد في مصر، لا سيما بعد المشكلات والثغرات التي أثارها عدد من الأعمال الدرامية في موسم رمضان لعام 2026، التي ركزت بشكل أساسي على المنازعات الأسرية بين الآباء والأمهات على مدة الحضانة والرؤية بعد الانفصال، وهو ما يراه مراقبون دفعة درامية حركت المياه الراكدة تحت القبة أيضًا، حيث يشهد مجلسا الشيوخ والنواب حراكًا لدراسة الأثر التشريعي لتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.
كذلك كشفت الدراما وجهًا آخر من الشكاوى المتكررة والقضايا العالقة في محاكم الأسرة بين آباء اعتادوا التهرب من سداد نفقة أبنائهم بعد الطلاق، وأمهات متهمات بقطع الأوصال ومنع الآباء من رؤية أبنائهم. ومن أمثلة ذلك مسلسل "أب ولكن" لبطله محمد فراج، الذي سلط الضوء على حرمان بعض الآباء من رؤية أبنائهم، بعد الانفصال ضمن قانون الرؤية، الذي يحصر تلك العملية في عدد ساعات معين أسبوعيًا بمكان عام، حال تعذر التوافق بين الطرفين.
وإن كان الموسم الدرامي الأخير قد ركز على زاوية الآباء وافتئات السيدات على حقوقهم، فإن الدراما في الأعوام الماضية جسدت معاناة المطلقات بشكل أكبر دون غيرها. ففي مسلسل "فاتن أمل حربي" من إنتاج الشركة المتحدة لعام 2022 جسدت بطلة العمل نيللي كريم معاناة الأم في إثبات الولاية التعليمية للأطفال في حالة الطلاق، وأحقية السيدات في استمرار حضانة الأم للأبناء في حال زواجها مرة أخرى، وهو موضوع عمل درامي آخر بعنوان "تحت الوصاية" من إنتاج عام 2023، الذي سلط الضوء على معاناة الأرامل لإثبات الولاية التعليمية والمالية.
ويشي هذا الإلحاح الدرامي من الدولة، ممثلة في جهات إنتاجها الإعلامية في طرح أزمات قانون الأحوال الشخصية، بوجود رغبة حقيقية في تمهيد الرأي العام لإجراء تعديلات قد تصب في صالح أحد الطرفين، من حيث سنوات الحضانة أو علاج تشوهات قانون الرؤية من ناحية، وكذلك الولاية التعليمية والمالية على الأطفال من ناحية ثانية.
اقرأ أيضًا:عقاب ممتد أم عدالة ناجزة؟ تفاصيل أزمة حرمان المدانين بقضايا النفقة من الخدمات الحكومية | فكر تانى

وقد شهدت السنوات الماضية طرح مسودات تعديل على قانون الأحوال الشخصية الحالي بين مقترحات برلمانية وأخرى من منظمات نسائية، وكان أبرزها مشروع مؤسسة قضايا المرأة الجديدة، الذي طالب باحتفاظ الأم بحضانة الأطفال في حالة الزواج من رجل آخر وتقسيم العائد المشترك بين الزوجين، إضافة إلى مشروع خاص بمشيخة الأزهر يعيد تنظيم بعض الإشكاليات المثارة.
وبينما تعبر الدولة عبر ذراعها الدرامي بطرح قضية قانون الأحوال الشخصية، فإنها لا تمنح المجتمع حرية الحركة ذاتها، فقد اتهم محمد الشامي، وهو أب لخمسة أبناء من زوجتين مختلفتين، ويعمل بمجال التجارة، بـ"الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة" بسبب تدوينات عن قانون الأحوال الشخصية وأوضاع الأزواج والآباء وما يواجهونه من عقبات في الرؤية، وتكررت مناشداته لرئيس الجمهورية ومجلس النواب للالتفات إلى قانون الأحوال الشخصية وتعديله.
ووفقًا للمبادرة المصرية أُلقي القبض على محمد الشامي يوم 8 من يناير من محل عمله، وخلال فترة حبسه التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر حُرم من رعاية كل أبنائه بعدما كان يطالب بتمكينه من رؤية بعضهم.
"دوشة" في غير محلها
ترى المحامية الحقوقية انتصار السعيد، رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أنه لا غنى عن تعديل القانون، القائم لأكثر من مائة سنة، لإعادة التوازن في حقوق ومسؤوليات الطرفين، معتبرة أنه في صيغته الحالية لا ينصف المرأة ويحرمها من الكثير من حقوقها. ومن بين هذه الحقوق المهدرة الطلاق الشفهي الذي سعت الدولة على مدار السنوات الماضية لتوثيقه، وكذلك النصوص الخاصة ببيت الطاعة، إلى جانب المعوقات التي تواجه النساء في تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقة.
وتتلخص مطالبات الرجال من وجهة نظرها في تخفيض فترة الحضانة وتعديل شكل رؤية الأبناء، خاصة أن قانون الأحوال الشخصية الحالي لا يقر حق الاستضافة للطرف غير الحاضن للصغار، وهو ما تعتبره السعيد في حديثها لـ "فكر تاني" ظلمًا للآباء، وتسبب قصر رؤيتهم لأبنائهم على 3 ساعات أسبوعيًا في عزلهم عن الأسرة. وتشير إلى أن الاستضافة بمنزل معروف تابع للأب بشكل دوري في الإجازات الأسبوعية والأعياد تنهي حالة التوتر، وتساعد الأطفال في الوقت ذاته على النمو بين أحضان الأب وأسرته.
في المقابل تشير رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون إلى أن أزمة النفقة تسببت في اتساع الفجوة بين الأب والأم، وتتسبب أحيانًا في تعنت السيدات بإرسال الأطفال إلى الأب، موضحة ذلك بقولها "الرجال لا يدفعون النفقة ويتهربون من سدادها، والبعض منهم يفضل الحبس عن دفع النفقة المتجمدة، وقرار وزير العدل بحجب الخدمات الحكومية عن الممتنعين مفصلي، ويحتاج ضمانات لتطبيقه حتى لا يتحول لعبء على الأسرة".
وتعرج السعيد إلى نقطة غائبة عن النقاش وهي حق الكد والسعاية، الذي أقرته مؤسسة الأزهر، بأحقية الزوجة في تقاسم الثروة المشتركة خلال فترة الزواج، معتبرة أنها من البنود الخلافية التي ستفجر جدلًا حين خضوع القانون للنقاش بالبرلمان.
ولا تبدو الصورة قاتمة تمامًا عند الخبيرة في قضايا الأسرة نعمة مصطفى، التي ترى القانون متوافقًا مع الشريعة الإسلامية، ويحتاج فقط إلى معالجة المشكلات التي استحدثت دون أن يواكبها التشريع، كتنظيم استضافة الصغار وتجهيز أماكن معينة للاستضافة وحماية الأطفال من تعرضهم للخطف من قبل الطرف غير الحاضن.
وتتفق المحامية الخبيرة بقضايا الأسرة مع انتصار السعيد في ضرورة وضع آليات مستحدثة تضمن تنفيذ أحكام النفقات، مبينة أن أغلبية الأحكام لا تنفذ بسبب أن أغلب الأزواج يعملون في جهات غير حكومية يصعب إثبات أجورهم.
وترى مصطفى أن الجلبة التي أثارتها الدراما هذا العام بسبب أزمات قانون الرؤية ليست في محلها، ففي حالة امتناع الأم عن تنفيذ حكم الرؤية، يوصى قانونيًا باستخراج صورة من دفتر سجلات المكان الحكومي المعد للرؤية، لإثبات عدم تنفيذ الزوجة للحكم، كما يحق للزوج رفع دعوى تعويض عن عدم التنفيذ، بخلاف استطاعته رفع دعوى إسقاط حضانة عن الأم.
وتعارض مصطفى التطبيع الحقوقي مع فكرة الاستضافة، حيث تعتبر المشكلة الأكبر في الاستضافة وكيفية تنفيذها وليست في تنفيذ حكم الرؤية، محذرة من أن الاستضافة تشكل خطرًا لاحتمالية تعرض الطفل للخطف، وفي الوقت ذاته هي حق من حقوق الطفل أن ينشأ في بيئة سوية بين أبويه.
تشريع "الولي الطبيعي"
ويخرج المحامي المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية محمد حسن عن إطار تذكير وتأنيث الحقوق والاتهامات المتبادلة بين المعسكرين، مشيرًا إلى أن التعامل مع قانون الأحوال الشخصية من هذه الزاوية سيجعلنا أسرى في دائرة مفرغة لا نهاية لها. ويطالب حسن بضمانات لحماية حقوق الطفل نفسه، سواء من قبل أم حاضنة تسمح له برؤية الأب المطلق بلا حواجز نفسية، أو عبر تحقيق الاستفادة من النفقة وصرفها في رعاية الطفل.
ويؤيد حسن قرار وزارة العدل الخاص بحجب تقديم الخدمات الحكومية للأب المتخلف عن سداد أحكام النفقة إلى طليقته وأبنائه لردع جميع المتقاعسين، كما يطالب في الوقت ذاته بإجراءات مماثلة من النوع نفسه لردع الحاضنين المتلاعبين بتطبيق قانون الرؤية.
وتتطابق طروحات المتخصصين مع مقترحات التعديل داخل غرفتي التشريع في البرلمان ومجلس الشيوخ، إذ تقدم النائب أحمد الحمامصي عضو مجلس الشيوخ عن حزب الجبهة الوطنية باقتراح برغبة بشأن دراسة الأثر التشريعي لتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.
ويهدف الاقتراح إلى إعادة التوازن داخل الأسرة بعد الانفصال من خلال تعديل ترتيب الحضانة بحيث يأتي الأب مباشرة بعد الأم، باعتباره الولي الطبيعي والمسؤول قانونًا وماليًا عن رعاية الطفل. واقترح الحمامصي إدخال نظام الرؤية الإلكترونية على التعديلات، بما يسمح باستمرار التواصل اليومي بين الطفل ووالديه، إلى جانب تنظيم نظام الاستضافة كآلية مكملة للرؤية، مشيرًا إلى أن الاقتصار على بضع ساعات أسبوعيًا للرؤية لا يحقق التواصل الإنساني الكافي بين الطفل والطرف غير الحاضن.
وقد اتخذ الملف مسارًا قضائيًا، حيث تقدم عدد من الآباء المتضررين من القانون بدعوى قضائية أمام مجلس الدولة، تطالب بإلزام الحكومة بتقديم مشروع قانون متوازن للأحوال الشخصية، ومن المقرر البت فيها بجلسة 18 من أبريل الجاري.
وتستند الدعوى إلى توجيهات رئيس الجمهورية في العام 2022، بإعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى صياغة تشريع متكامل ومفصل مع إلغاء تعدد القوانين الحالية.
ويشير مقدم الدعوى المحامي محمد العشاوي، وهو أب أرمل، إلى أن تبني الدراما لأزمات قانون الرؤية وفترة الحضانة، إلى جانب طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية بشأن إعداد قانون جديد، قد حرك المياه الراكدة وأعاد تسليط الضوء على النزاعات الأسرية التي تسببت فيها ثغرات القانون.
ويطالب العشاوي بقصر فترة الحضانة للابن على سبع سنوات والابنة على تسع سنوات عوضًا عن الـ15 سنة المقررة في الوضع الحالي، مع تفعيل فترة الاستضافة بدلًا من جلسة الثلاث ساعات أسبوعيًا، التي تحرم الأب من التئام شمله مع أبنائه، فضلًا عن إعادة ترتيب دور الأب في قائمة المستحقين للحضانة.
ويضيف العشاوي لـ"فكر تاني" واصفًا معاناته "نظام الرؤية الحالي عقيم وحكم بالإعدام على الأب فكيف يستطيع الأب إقامة تواصل حقيقي مع أبنائه في 3 ساعات أسبوعيا بمراكز الشباب غير مؤهلة للرؤية ونواجه تعنتا من السيدات ويتخلفن عن مواعيد الرؤية بشكل متكرر".
ويعرج العشاوي إلى وضعية الأب المتراجعة في قائمة المستحقين للحضانة التي تسبقه فيها الجدات والخالات، معتبرًا أن هذا الترتيب يجعل من الأب زائرًا في حياة أبنائه، رغم أنه الشخص الأكثر قدرة على توفير الاستقرار النفسي والمادي لهم.
وقد انتهت اللجنة المكلفة بإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد برئاسة المستشار عبد الرحمن محمد، إلى إعادة ترتيب دور الأب في الحضانة ليحل مباشرة بعد الأم، بعد أن كان يقع في المرتبة السادسة عشرة.
ويعتبر العشاوي نفسه واحدًا من المتضررين من هذا الترتيب، ويروي أنه عانى كثيرًا بسبب عدم قدرته على رؤية ابنه منذ انتقال الحضانة إلى الخالة، عقب وفاة زوجته، فقد تسممت علاقة الأب بأسرة أرملته وحملوه وزر موتها، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقة مع ابنه، وعن ذلك يقول "الساعات الثلاث كانت تحت حصار نفسي من أسرة أرملتي في حضورهم جعلوني أتوقف عن المطالبة برؤيته وأملي أن يتم تعديل القانون وتخفيض فترة الحضانة".
ختامًا، حاولت الدراما رسم الصورة القاتمة لعالم محكمة الأسرة والقوانين التي تعصف بمستقبل الأسر، غير أن الواقع يحتاج إلى جهود مضاعفة لإقرار قانون متوازن، خصوصًا أن هذا القانون تحديدًا لن يرضي أحدًا لأنه يمس جميع أفراد الأسرة بدءًا من الأب والأم وصولًا إلى الأجداد.