الوصاية في رداء الحماية.. هكذا تقطع الحكومة أرزاق المصريات في الخارج

قبل 15 عامًا، فرت نادية* من تجربة عنف زوجي أعقبها طلاق لم تحصل فيه على أي مستحقات، لتترك طفلتها مع الجدة وتسافر إلى الكويت بحثًا عن النجاة ولقمة عيش تكفل لابنتها حياة كريمة.

عملت نادية في التمريض المنزلي مع حالات حرجة للمسنات في الكويت، وهي الوظيفة التي تستقر فيها حتى الآن، ولهذا السبب تنتقد قرار حظر وظائف بعينها على المصريات في الخليج، لتقول معبرة عن غضبها "كنت ممرضة في مصر باخد ملاليم وأبو بنتي رمانا مصرفش جنيه ولو مسافرتش والله ما كنا هنلاقي اللقمة". وتضيف مستنكرة، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن "وظيفة الممرضة ولا الكوافيرة أو أي شغل بسيط ممكن يبقى طوق نجاة لأرملة أو مطلقة أو حتى شابة بتعول أسرتها هنا، ليه تقفلوا أبواب الرزق في وشهم؟".

جاءت صدمة المغتربات المصريات إثر قرار صادر عن وزارة العدل بتاريخ 1 أبريل 2026، موجه إلى شعبة شركات إلحاق العمالة بالخارج، يقضي بحظر سفر السيدات المصريات للعمل في مجموعة من المهن المحددة، وهي العمل في الكافيهات والمقاهي كنادلة أو ساقية، والتمريض المنزلي، والعمل كخادمة أو مديرة منزل. وحسبما أوضحت الوزارة، فإن هذا التعميم جاء بعد متابعة دقيقة من مكتب التمثيل العمالي المصري بالعاصمة السعودية الرياض، التي أظهرت قيام بعض السيدات بممارسة أعمال محظور العمل بها، وهو ما يعد مخالفة صريحة للتعليمات الرسمية المنظمة لسفر وعمل المرأة المصرية في الخارج. وبررت وزارة العمل، في بيان، الهدف من هذا الإجراء، بـ"ضمان عدم تعرض العاملات للاستغلال أو العمل في بيئات غير مناسبة، بما يحفظ كرامتهن ويصون حقوقهن المهنية".

ويأتي هذا التوجه في وقت بلغت فيه تحويلات المصريين بالخارج مستويات تاريخية وصلت إلى 41.5 مليار دولار في عام 2025، مما يعكس الدور المحوري للمغتربين من النساء والرجال في رفد الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة في ظل الأزمات الراهنة.

الحاجة تسبق القوانين

في مواجهة هذه القرارات، تظن نادية* أن تلك التعليمات ستظل حبرًا على ورق، مبينة لـ"فكر تاني" رأيها الذي لخصته بقولها "من خلال خبرتي في الخليج فالأغلبية الساحقة بيجوا بيدوروا بنفسهم على شغل وفيه ستات مبتكونش معاها حتى الإعدادية، فطبيعي مش هتيجي تشتغل مهندسة، هتشتغل في الكافيهات والنوادي وغيره، حد يعرف عنها حاجة أساسا؟ طبعا لا، عشان كدة شايفاه مجرد شو".

قرار وزارة العمل

 

وتتفق معها ياسمين الشربيني، وهي سيدة مقيمة بدولة الإمارات، وتعمل، منذ ثلاث سنوات، شيف وباريستا في المطاعم وتنظيم الحفلات داخل المنازل أو بالأماكن العامة، حيث تقول إن "شركات التوظيف اللي في مصر ما بيطلعوش عقود عمل مكتوب فيها المهن دي، واللي عايزة تيجي تشتغل بتلاقي حل وبيكون العقود بوظايف تانية المهم شغل يقدروا يصرفوا على نفسهم و على أهاليهم في الزمن الغالي ده، القرار للأسف مش هو اللي هيصرف عليهم".

وتوضح ياسمين لـ"فكر تاني" أنها خريجة جامعية لم تجد وظيفة في قريتها التابعة لمدينة شبين الكوم، فكان عليها أن تختار بين الاغتراب داخل مصر في القاهرة أو خارجها، لتقرر السفر بـ"فيزا حرة" مدون بها وظيفة أخرى غير "باريستا"، وتضيف "أتمنى إن صناع القرار يفهموا إن هجرة الستات مبقتش كلها لم شمل أو مسافرة لجوزها، لأ الوضع الصعب والغلاء فرض علينا إحنا كمان نشوف فرص برا لأننا بنعول أهالينا".

وتتقاطع قصة ياسمين مع البيانات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في مارس 2026، التي تشير إلى فجوة كبيرة في سوق العمل المحلي، حيث بلغ معدل البطالة بين الإناث 15.3%، وهو ما يتجاوز أربعة أضعاف معدل البطالة بين الذكور البالغ 3.7%.

وتتساءل ياسمين بمرارة "لو واحده مش متعلمة ومش عندها أي مهارات خالص وظروفها المادية صعبة والشغل الوحيد اللي ينفعها عاملة منزلية دي تعمل إي في نفسها مثلا؟، أنت حر ما لم تضر يعني اللي قاعدين يقولوا حفظ كرامة الست المصرية حطوا نفسكم مكان الناس الأول اللي مش لاقيين بلاش شعارات، الناس بيتقطع عيشها بسبب قرارات تفرض عليهم يشتغلوا إيه وميشتغلش إيه".

أين المظلة؟

من زاوية أخرى، يقول أحمد سيد، مدير أحد مكاتب الخدمات العمالية بالسعودية، إن مهنة العاملة المنزلية كانت محظورة منذ فترة، في حين لم تكن باقي المهن مرفوضة سابقًا.

ويوضح لـ"فكر تاني" أن بعض الفتيات كن يبحثن عن العمل بأي وسيلة، مما عرض كثيرات منهن للاستغلال، مشيرًا إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على النساء فقط، وإنما يتعرض لها الشباب أيضًا من إهانات وظروف عمل غير مناسبة. ويرى أن الحل يكمن في تفعيل دور السفارات المصرية بالخارج، عبر التدخل الفعال وفتح قنوات لتلقي شكاوى العمالة بغض النظر عن النوع، باعتبارها الجهة المسؤولة عن حماية المواطنين في الخارج.

ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الاستجابة، مما يترك العامل المصري عرضة للإهانة دون استرداد حقوقه، مؤكدًا أنه لا توجد ضمانات حقيقية قبل سفر العمالة، إذ تتضح أوضاع العمل فقط بعد الوصول إلى بلد المقصد. كما يشير إلى صعوبة تطبيق القرار بشكل كامل في ظل وجود تأشيرات متعددة، سواء كانت فردية أو عبر مؤسسات، إضافة إلى حالات التحايل وتباين القوانين بين مصر ودول العمل. ويضرب مثالًا بتجربة السفارة الفلبينية التي تتدخل فور تلقي أية شكوى من مواطنيها، مما يضمن الحفاظ على كرامتهم، وقد يصل الأمر إلى وقف التعامل مع الكفيل أو مكتب التوظيف المخالف، بينما يتطلب حل مشكلات العمالة المصرية في الغالب تصعيدًا وتحولها إلى قضية رأي عام حتى يتم التعامل معها.

فروض الوصاية

على الصعيد الحقوقي والقانوني، يقول المحامي عمرو محمد، مؤسس مبادرة "حقي"، إن القرار يعد إجراءً إداريًا وليس قانونًا، مما يجعله محل جدل من الناحية الدستورية، خاصة فيما يتعلق بحق المواطنين في السفر والعمل دون تمييز.

ويضيف لـ"فكر تاني" أن القرار يعكس نهجًا قائمًا على الوصاية على اختيارات النساء، عوضًا عن تبني سياسات تضمن حمايتهن. ويتابع موضحًا أن اللجوء إلى المنع لا يعالج جذور المشكلة، وإنما يدفعها إلى مسارات غير رسمية، إذ من المتوقع أن يفتح القرار الباب أمام سفر النساء عبر السوق السوداء وخارج الأطر القانونية، وهو ما يزيد من المخاطر التي قد يتعرضن لها. مبينًا أن القرار موجه إلى شركات إلحاق العمالة بالخارج ويُنفذ تحت إشراف وزارة العمل، وكان من الأولى تشديد الرقابة على هذه الشركات ومراجعة عقود العمل وظروفه للتأكد من ملاءمتها وضمان حقوق العاملات، بدلًا من حظر هذه المهن بشكل كامل.

في السياق ذاته، تصف أميمة عماد، الباحثة في برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية لمؤسسة المرأة الجديدة، القرار بأنه يتعارض مع الدستور الذي يمنح النساء كامل الأهلية القانونية، رغم أن الواقع يظهر خلاف ذلك في بعض القرارات الإدارية والأحكام القضائية. وتشير إلى أن هناك فرضًا للوصاية على النساء، وقرارًا يصف بعض المهن وطوائف النساء بأنها سيئة السمعة، وهي مهن يعمل بها الرجال بشكل طبيعي، لكن الحظر لم يطبق إلا على النساء.

وتضيف، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أنه بدلًا من معالجة أسباب الهشاشة في المجتمع والاقتصاد المصري، اختار صناع القرار طريق المنع، بينما كان الأولى توفير حماية قانونية للنساء من خلال الاتفاقيات بين الدول، وتفعيل دور وزارات العمل والهجرة والخارجية.

وترى الباحثة أن اتجاه فرض الوصاية الذي يظهره القائمون على القرار على أنه حماية، يتحول عمليًا إلى مصادرة لحق المرأة في التنقل والكسب. وتوضح أن الوظائف المحظورة مثل العمل كعاملة منزلية أو في الكافيهات هي وظائف تعمل فيها النساء في مصر بشكل طبيعي، لكنها تفتقد أية حقوق قانونية أو آليات لحماية العاملات مثل الشكاوى أو الإجازات أو التأمينات. لافتة إلى أن المنع لن يحل الانتهاكات، وسيجعلها أكثر انتشارًا وغير رسمية، مما يزيد الخطر على النساء اللاتي يعتمدن على هذه الوظائف لإعالة أنفسهن وأسرهن، خصوصًا في ظل غياب أية بدائل حقيقية أمامهن.

وبين مساعي الدولة لفرض الحماية عبر المنع، واضطرار النساء لانتزاع "الحياة" عبر الاغتراب، يبقى القرار بابًا جديدًا للمخاطر عوضًا عن كونه طوقًا للنجاة، ليتجدد التساؤل حول مدى إمكانية أن تراجع السلطات فلسفة "الوصاية" لتستبدل بها سياسات تضمن حقوق العاملات، أم أنها ستتركهن لمواجهة مصيرهن في المسارات غير الرسمية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة