رغم المكاسب القياسية التي تحققها شركات المحمول في مصر، فإنها تحاول بشتى الطرق رفع أسعار خدماتها بحجة زيادة تكاليف التشغيل، وتغيرات سعر الصرف وتمويل التزامات شبكة الجيل الخامس التي حصلت عليها أخيرًا، ومع رفع أسعار الوقود في مارس الماضي لم تصبر هذه الشركات كثيرًا، حيث أبدت رغبتها وقدمت طلبًا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لرفع قيمة الخدمات، على الرغم من وجود طلب مُعلق، سبق أن قدم في نهاية العام الماضي لزيادة أسعار كروت الشحن.
الغريب في الأمر أن طلبات الشركات دائمًا ما تتضمن عبارات على نحو "تمويل للاستثمار بالبنية التحتية"، التي تشمل زيادة أعداد الأبراج وتطبيق خدمات الجيل الخامس، وهي تكاليف لا ترتبط بالمواطن من قريب أو بعيد، وتُشبه إلى حد كبير قيام شركة مقرمشات برفع أسعار بيع أكياسها لحاجتها إلى ماكينة إنتاج جديدة.
تأتي هذه المطالبات في وقت لم يعد فيه الإنترنت مجرد رفاهية أو ترفيهًا، وإنما ركيزة أساسية للعمل والدراسة، مما يجعل أي أعباء إضافية تفرضها شركات المحمول تمس جيوب المصريين مباشرة، وهو ما ينعكس في لغة الأرقام، حيث ارتفع عدد خطوط الهاتف المحمول إلى 113.2 مليـون خط خلال شهر ديسمبر من عام 2024، وتزامن ذلك مع زيادة عــدد مشتركــــي إنترنــــــت النطاق العـــريض الثـابت ليبلغ 11.6 مليــون مشترك في ذات الفترة. وفي السياق نفسه بلغ عـدد الاشتراكات النشطة لخدمة إنترنت الهاتــف المحمول التي تشمل الصوت والبيانات نحو 84.2 مليون اشتراك في ديسمبر 2024، بينما سجلت الاشتراكات النشطة لخدمـة إنترنت المحمـول لغير الأجهــزة الهاتفية المقتصرة على البيانات فقط، حوالي 3.2 مليون اشتراك.
الأموال التي تُنفق على الإعلانات تمثل في جوهرها أموال المواطنين والدولة معًا
ويعتمد طلب رفع الأسعار الذي تُصر عليه شركات المحمول على مبررات متعددة، من أبرزها ارتفاع سعر صرف الدولار لأعلى مستوى في تاريخه بعد تخطيه عتبة 54 جنيهًا مما يزيد من تكاليف المواد المستوردة من الخارج. وتتطرق الشركات أيضًا إلى ارتفاع سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر الواحد، فضلًا عن الادعاء بضرورة تطوير جودة الخدمات المقدمة للمستخدمين والاستثمار في رفع كفاءة الشبكة خاصة مع تطبيق الجيل الخامس وزيادة رواتب العاملين لمواجهة التضخم. ورغم أن جميع الشركات في مصر تعاني من المشكلات الاقتصادية ذاتها، فإن قطاع الاتصالات يتميز بقدرته الفائقة على امتصاص التكاليف ببساطة، مع تحقيق بعض شركاته أرباحًا إجمالية غير صافية تصل في بعض الأحيان إلى 282% في مقابل معدلات عالمية للقطاع ذاته لا تتجاوز حاجز 80%.
وتتجلى هذه الربحية العالية في النتائج المالية المُعلنة، حيث حققت شركة فودافون مصر المملوكة لشركة فوداكوم الجنوب إفريقية، خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، إيرادات بقيمة 55 مليار جنيه بزيادة قدرها 46.1% عن الفترة ذاتها من العام السابق.
وفي موازاة ذلك ارتفعت إيرادات شركة اتصالات مصر، التابعة لمجموعة إي أند الإماراتية، بنسبة 14% خلال النصف الأول من عام 2025، لتسجل 2.12 مليار درهم مقابل 1.8 مليار درهم في الفترة المقارنة. كما ارتفعت أرباح أورانج مصر بنسبة 46% لتبلغ 46 مليار جنيه في 2024/2025 مقابل 45.7 مليار جنيه في العام المالي السابق، بينما حققت الشركة المصرية للاتصالات إيرادات بلغت 78.1 مليار جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2025، مقارنة بنحو 82 مليار جنيه خلال عام 2024 بالكامل.
وتؤكد الأرقام تفوق فودافون مصر مجددًا حيث جمعت إيرادات خدمات بقيمة 67.7 مليار جنيه خلال عام 2024، مقابل 47.22 مليار جنيه، خلال عام 2023 بزيادة 43.3%، وبلغ صافي أرباحها 16.65 مليار جنيه خلال عام 2024 مقابل 11.38 مليار جنيه خلال عام 2023 بزيادة 46.3%، مما يعني أن صافي ربح الخدمات يقل عن 25% من إجمالي الربح.
حقيقة الأعباء التشغيلية
أمام هذه الأرقام الضخمة، يرى الدكتور حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة بجامعة القاهرة، أن شركات الاتصالات تحقق أرباحًا يصفها بأنها «مُرعبة»، لافتًا إلى أنها تنفق ببذخ ملحوظ على الحملات الدعائية. فالإنفاق على إعلان واحد خلال شهر رمضان قد يصل إلى مليارات الجنيهات، حيث يجمع كبار المؤثرين والفنانين العرب والمصريين وتُدفع الأجور بالدولار، حسب قوله.
وتصدر قطاع الاتصالات الإنفاق الإعلاني خلال شهر رمضان باستحواذ شركات المحمول على نحو 30% من إجمالي هذا الإنفاق، مستثمرةً حوالي نصف ميزانيتها الإعلانية السنوية في هذا الشهر وحده. وتبرز في هذا الصدد حملة إحدى شركات الاتصالات التي استعانت بالنجم عمرو دياب وأفراد أسرته بميزانية قُدرت بنحو 78 مليون جنيه، توزعت بواقع 60 مليون جنيه كأجر للنجم، و20 مليونًا لشراء مساحات البث، و5 ملايين للإنتاج و3 ملايين للألحان والكلمات.
ويضيف الصادي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الأموال التي تُنفق على الإعلانات تمثل في جوهرها أموال المواطنين والدولة معًا، لأن تكلفة هذه الحملات تُحمل على بند تكاليف الشركة مما يقلل الربح الخاضع للضريبة ويخفض بالتالي حصيلة الدولة، كما تمرر هذه التكلفة للمواطن من خلال أسعار الباقات وتكلفة الدقائق.
تتسع الفجوة بين أرباح الشركات المليارية وإنفاقها الإعلاني الباهظ، ومواطن يتحمل فاتورة غياب الشفافية وتراجع جودة الخدمة.
ويتفق الخبراء على أن شكاوى شركات المحمول المتعلقة بزيادة الأعباء ليست في محلها تمامًا، وخاصة فيما يتعلق بأسعار السولار، الذي تعتبره الشركات سببًا يستدعي رفع الأسعار. وتوضح الإحصائيات أن 90% من أبراج الاتصالات تعمل حاليًا بالكهرباء، بينما تعتمد نسبة 10% فقط على السولار أو مولدات الديزل أو ألواح الطاقة الشمسية. وفي ظل ارتفاع عدد أبراج المحمول إلى نحو 37 ألف برج بنهاية عام 2025، مقارنة بسبعة آلاف برج فقط عام 2014، يتضح أن الأبراج التي تعمل بالسولار لا تتجاوز 3700 برج، في حين يعمل الباقي بالكهرباء التي لم تشهد أسعارها تحركًا.
وعلى الرغم من ذلك وافق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لشركات المحمول الأربع العاملة في السوق على زيادة أسعار جميع خدماتها بداية عام 2025، بنسبة تتراوح بين 15 إلى 17%، وهي الزيادة التي جاءت بعد أربع سنوات كاملة من تثبيت الأسعار، في ظل سياسة غير معلنة من الجهاز كانت ترفض الزيادات السنوية.
خدمة "أونطة"
وعلى النقيض من الربحية العالية والمصروفات الإعلانية الباهظة، لا يحظى مستوى الخدمات بقبول كامل من العملاء الذين قدموا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات 139.4 ألف شكوى خلال النصف الثاني من عام 2025، وهو ما يعادل 775 شكوى يوميًا.
وقد استحوذت الشكاوى من خدمات الهاتف المحمول على 46% من إجمالي الشكاوى، بواقع 64 ألف شكوى، بينما سجلت خدمات الإنترنت الثابت 45.1 ألف شكوى بحصة، بلغت 32% من إجمالي الشكاوى خلال الربع الثاني من عام 2025، وبلغت عدد الشكاوى الخاصة بالمحمول نحو 2.9 ألف شكوى.
ودفعت هذه التحديات النائب أحمد سرحان، عضو لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، إلى المطالبة بضرورة التزام شركات المحمول العاملة في السوق المصرية بعرض فاتورة تفصيلية وواضحة للمستهلكين لتمكينهم من التعرف بدقة على حجم استهلاكهم الفعلي للخدمات.
وجاءت هذه المطالبات في خضم شكاوى متكررة من عملاء الإنترنت بشأن سرعة نفاد باقاتهم الشهرية، حيث استنكر نواب البرلمان استمرار سياسة المحدودية ونفاد الباقات، في وقت يتجه فيه العالم أجمع نحو الشبكات غير المحدودة والمفتوحة لدعم التحول الرقمي.
وطالب النواب بضرورة توضيح الآلية المستخدمة لاحتساب الجيجابايت بالتفصيل، ومدى خضوعها لمراجعة دورية من جهة تقنية مستقلة لضمان دقتها، مشددين على أن حماية المستهلك من تغول الشركات هو دور أصيل للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
وقال سرحان، في طلب الإحاطة الذي قدمه إلى مجلس النواب، إن إتاحة فاتورة دقيقة تتضمن تفاصيل الاستخدام للمكالمات والإنترنت والرسائل تمثل خطوة مهمة لتعزيز الشفافية بين الشركات والعملاء، وتدعم حقوق المستهلك في معرفة كيفية احتساب التكاليف وفهم أنماط استهلاكه الحقيقي وتحديد أسباب انتهاء الباقات مما يعزز وضوح العلاقة بين مقدم الخدمة والمستخدم.
وفي المقابل أرجع الجهاز القومي للاتصالات زيادة الاستهلاك إلى تحسين الشبكات والبنية التحتية والاعتماد على الألياف الضوئية وتقنيات الجيل الخامس وهو ما أدى لارتفاع استخدام الإنترنت، بينما اختتم سرحان مطالباته بالتشديد على أهمية قيام الجهات المعنية وفي مقدمتها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمتابعة التزام الشركات بتطبيق معايير الشفافية والإفصاح بما يضمن حماية حقوق المستخدمين وتعزيز كفاءة سوق الاتصالات في مصر، فضلًا عن تطوير البنية التحتية الرقمية التي تعد إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي.
ومع هذا التحول المتسارع، تستمر الفجوة في الاتساع بين أرباح مليارية تجنيها الشركات وإنفاق إعلاني باهظ من جهة، ومواطن يتحمل فاتورة غياب الشفافية وتراجع جودة الخدمة من جهة أخرى، لتبقى الكلمة الفصل رهنًا بتفعيل دور الجهات الرقابية لضبط الأسواق، وإلزام تلك الشركات بتقديم خدمات توازي ما تحصله من أموال.