استيقظ أمجد على صوت مزعج لم يعتده في مكانٍ اختاره هربًا من الضجيج، هدير لودر وحفار، وطرق متواصل، وعمال يقتلعون البلاط ويفكون سورًا حديديًا أسفل شرفته. بدا المشهد أقرب إلى موقع إنشاءات منه إلى "كومباوند" سكني يُفترض أنه نموذج للهدوء والتنظيم.
حين سألهم عن السبب، جاءه الرد سريعًا "دا استكمال الإصلاحات.. علشان في هبوط وانهيارات حصلت في كذا مكان في الكومباوند".
وقف أمجد للحظة يتأمل المفارقة، فالمكان لم يمضِ على تسليمه سوى سنوات قليلة، كما أن نسبة الإشغال فيه لا تتجاوز 20% من طاقته المفترضة. كيف بدأت المرافق واللاندسكيب في التدهور بهذه السرعة؟
يعود أمجد بذاكرته إلى عام 2015، حين قرر أن يخوض تجربة التقديم في مشروع "دار مصر الأندلس" بالقاهرة الجديدة. في ذلك الوقت، كان المشروع أحد أبرز طروحات وزارة الإسكان، وتُنفذه هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بالتعاون مع الهيئة الهندسية. تابع وقتها أخبار اجتماع الدكتور مصطفى مدبولي، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة حينها، مع اللواء كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية، لمناقشة تفاصيل الأماكن المخصصة للمشروع. لم يكن الأمر مجرد شقة، فوجود تلك الجهات الحكومية كان يُعتبر "ضمانًا" لجودة التنفيذ والخامات.
"قلت لنفسي: دي مش عمارات أهالي ولا مشروع خاص.. دي جهة حكومية كبيرة، أكيد الجودة مختلفة عن شغل القطاع الخاص"، يتذكر أمجد.
كان المشروع موجّهًا -وفق الدعاية الرسمية- للشريحة فوق المتوسطة، ويُطرح بنظام القرعة العلنية في عدة محافظات. لم يكن أمجد يحلم برفاهية مبالغ فيها، لكنه كان يبحث عن حياة منظمة داخل أسوار، بعيدًا عن العشوائية، والباعة الجائلين، والتكاتك، والقمامة التي بدأت تزحف إلى مناطق كثيرة بمدينة القاهرة الجديدة.
"كنت شايفها نقلة اجتماعية.. مش رفاهية، ماكنتش عايز كومباوند فخم زي إعلانات رمضان، كنت بس عايز أمان ونظام لأولادي وأبعد عن الدوشة والعشوائيات".
يتذكر أمجد المشهد المهيب في استاد المقاولين العرب؛ آلاف المتقدمين، وشاشات ضخمة، وصناديق شفافة يسحب منها طفل صغير أسماء الفائزين. كانت القرعة تُقدَّم بوصفها تجسيدًا للعدالة والشفافية.
لكن وسط هذا المشهد، لاحظ أمجد تفاصيل مقلقة، فقد كانت مجموعات من الأشخاص تتحرك بين الحضور، يحملون أوراقًا وكشوفًا مدوَّنًا عليها عشرات الأسماء. سمع أحدهم يقول: "جالي 8 أسماء من 10 أسماء"، بينما يرد آخر: "إيه الحظ ده! دا أنا جالي لغاية دلوقتي 2 بس... بس الحاج ناجي جاله 6 لحد دلوقتي، ربنا يرزق".
عندما سأل أحد الواقفين بجواره، جاءه التفسير: "دول أصحاب مكاتب تسويق عقاري.. بيدخلوا القرعة بأكتر من اسم، وبعدين يبيعوا الإيصالات الفائزة بـ(أوفر برايس) من تاني يوم".
انتهى ذلك اليوم بخيبة أمل كبيرة لأمجد، فلم يسمع اسمه ضمن الفائزين، ولكن طمأنه بعض الموظفين بأن هناك قرعة تكميلية لمن لم يسحب مقدم الحجز.
لاحقًا، أعلنت الوزارة عن قرعة تكميلية للوحدات المتبقية، وغالبًا ما كانت في الأدوار الأرضية أو الأخيرة. لم يتردد أمجد طويلًا؛ اختار القبول، متمسكًا بفكرة "عصفور في اليد". حتى لو لم تكن الشقة مثالية، فشقة في الدور الأخير أو الأرضي أفضل من لا شيء.
في المقابل، رفض صديقه لطفي الفكرة. رأى أن نظام القرعة نفسه غير عادل، وقرر سحب مقدم الحجز لاحقًا والبحث عن فرصة أخرى خارج المشروعات الحكومية وتعقيداتها الروتينية.
أما شقيقة أمجد، "سناء"، فتحمست للتجربة عندما علمت بفوز شقيقها بشقة في الدور الأخير، وحولت جزءًا من مدخراتها من الخارج، وقدّمت في المرحلة الثانية، لكنها لم تُوفّق. ورغم ذلك، لم تقم باسترجاع مقدم الحجز، على أمل الاستفادة من قاعدة "الأولوية" لغير الفائزين في المراحل التالية.
لكن الأمور لم تَسِر كما توقعت.
في تلك الفترة، قررت الحكومة تحرير سعر الصرف، فقفز سعر الدولار من نحو 7 جنيهات إلى 17 جنيهًا. فجأة، فقدت مدخرات سناء جزءًا كبيرًا من قيمتها، فالأربعون ألف جنيه التي دفعتها كمقدم -التي كانت تعادل أكثر من 5000 دولار- أصبحت تساوي أقل من 2300 دولار.
ثم جاء القرار الأكثر إرباكًا، حين قررت وزارة الإسكان إلغاء (الوعد الشفوي) بأولوية غير الفائزين، وطلبت منهم سحب مقدماتهم دون فوائد عن تلك المدة أو تعويض عن تغير سعر الصرف وانخفاض قيمة الجنيه. وبات عليها الآن التقديم من جديد وسط عشرات الآلاف، بلا أي ميزة تفضيلية، رغم خسارتها في القرعة السابقة ورغم انخفاض قيمة ما دفعته لأقل من النصف.
"مش بس خسرت فرصة.. خسرت قيمة الفلوس كمان"، تقول سناء، التي لا تزال تتذكر ذلك الشخص المريب الذي اقترب منها في طابور التقديم، عارضًا "تسهيل الفوز" مقابل مبلغ إضافي، لكنها رفضت واعتبرته نصابًا.
المفارقة أن لطفي، صديق أمجد، وجد نفسه داخلها مرة أخرى -لكن من باب غير متوقع- رغم أنه كان ناقمًا على نظام القرعة عندما خسر في الجولة الأولى، وكان ينوي سحب مقدم الحجز ولكنه استبعد المشوار وتأخر في تنفيذ ذلك.
فحين توجّه لسحب مقدم الحجز، كانت المفاجأة العظيمة بأن اسمه أُدرج تلقائيًا في قرعة تكميلية، وأنه فاز بالفعل بوحدة متميزة في المرحلة الثانية، وقد حدث ذلك قبل صدور قرار إلغاء هذه الميزة.
هكذا، أصبح "الحظ" ليس فقط عاملًا في الفوز، بل في جودة الوحدة وموقعها أيضًا، فقد فاز لطفي بشقة بموقع متميز على شارع التسعين مباشرة، وعلم بذلك عن طريق الصدفة أثناء توجهه لاستعادة المقدم.
اليوم، يعيش أمجد في شقته، لكنه يستيقظ يوميًا على أصوات الحفارات وأعمال الترميم، ويسير في الكومباوند وسط تلال الأتربة والركام، بعد ظهور مشكلات في التربة أدت إلى هبوط الأرضيات، وانهيار أجزاء من السلالم والمماشي في عدة مناطق/ فمع تعرض التربة للمياه، تتمدد وتضغط على المنشآت، فتتفاقم الأضرار.
"المشكلة مش بس في العيوب.. المشكلة في طريقة الإصلاح، بطيئة جدًا وعشوائية جدًا"، يقول أمجد.
يتساءل أيضًا عن مصير وديعة الصيانة التي دفعها السكان، التي يُفترض أن تُستخدم في الحفاظ على المرافق، بينما تبدو بعض المناطق متدهورة رغم مرور أقل من خمس سنوات على التسليم.
وعندما يزور صديقه حسين في المرحلة الثانية، يلاحظ فارقًا واضحًا، لا هبوط، أو تكسير، ولا توجد تلال الركام الموجودة في المرحلة الأولى بدار مصر الأندلس.
"نفس المشروع، نفس الجهة المنفذة، نفس الشروط... بس النتيجة مختلفة تمامًا".
بين صوت اللودر وذكريات يوم القرعة، لم يتوقع أمجد حياة فاخرة، لكنه كان ينتظر حدًا أدنى من الاستقرار والأمان والابتعاد عن العشوائية. تتحول تجربة أمجد، وغيره من الآلاف، إلى مدخل لأسئلة أكبر، فهل من العدل أن يعتمد حصول الإنسان على سكن -وربما جودة حياته لسنوات طويلة- على (القرعة) و(الحظ)؟ وهل يكفي هذا النظام لضمان تكافؤ الفرص، في ظل تفاوت واضح في جودة المواقع والتنفيذ؟
ولماذا يتمكن بعض أصحاب المكاتب العقارية من دخول القرعة بعدة أسماء، بينما يُقصى آخرون يبحثون عن سكن حقيقي؟ وكيف تحصل هذه المكاتب على بيانات الفائزين بعد ذلك، لتبدأ فورًا في الاتصال بهم وعرض شراء وحداتهم؟ وهل هذه المشروعات وُجدت فعلًا لخدمة من يبحثون عن سكن؟ أم أنها أصبحت مساحة مفتوحة للمضاربة، والعلاقات، ومن يجيدون اللعب واستغلال الفرص من داخل القواعد واللوائح التي قد تبدو صارمة؟