في إحدى شقق منطقة وسط القاهرة، تعرضت "مارجو" البالغة من العمر 12عامًا لانتهاكات جسدية من معلمها "رضا" الذي يمر في عقده الرابع، ووفقًا لشهادتها استغل المعلم غياب الفتيات عن الحصة الدراسية للتحرش بها، عبر قرصات متكررة بيده التي تسللت أسفل أكمام قميصها، تحت ستار العقاب التربوي.
وعندما عادت مارجو إلى منزلها محملة بارتباك وتعرق شديدين لم تفهم معناهما، لم تأخذ أمها القصة على محمل الجد، مبررة ذلك بقولها "مفيش مشكلة، هو في سن والدك، وراجل ملتزم دينيًا أكيد قصده يعاقبك ميقصدش أبدًا يلمس جسمك.. المرة الجاية بلاش تروحي لوحدك في الدرس".
لم تكن قصة مارجو، التي تحدثت لـ"فكر تاني"، حدثًا استثنائيًا معزولًا، ففي الأشهر الماضية الممتدة من نوفمبر حتى مارس الحالي، انكشفت قضايا تحرش واعتداءات جنسية كان ضحاياها أطفالًا من الجنسين. وقد تمثلت آخر حلقاتها في توارد شهادات عن استغلال الكاتب "م. ط" لقاصرات جنسيًا، وقبل ذلك تعرضت ثلاث فتيات للتحرش والاعتداء داخل مدرسة قايتباي الدولية، وسبق ذلك عدد من الجرائم المشابهة منها الاعتداء على ستة طلاب بمدرسة "سيدز" الدولية بالقاهرة التي مثلت كرة الثلج لقضايا التحرش بالأطفال في المدارس. وقد أدت تلك الموجة لإحالة أربعة متهمين للنيابة العسكرية، كما أُحيل واحد وثلاثون متهمًا في واقعتي مدرستي "سيدز" و"الإسكندرية الدولية" إلى المحاكمة، ليس فقط بتهم الاعتداء، وإنما بتهمة الخلل الجسيم في الرقابة لترك الأطفال في ساحات المدارس دون حماية. وجاءت إحالة الجناة سريعًا للمحاكمة والتحرك الرسمي كرد فعل على ضغط السوشيال ميديا والتريند، وليس كإجراء مؤسسي يضمن حماية الطفل، مما يطرح أسئلة ملحة عن فاعلية قنوات الرصد والحماية داخل تلك المؤسسات.
ما تزال شهادة القاصر تُصنف في كثير من الأحيان كرواية غير مكتملة أو غير موثوقة، ولا يتم التعامل معها بجدية إلا إذا تحولت إلى قضية رأي عام. وفي محاولة لتفسير هذه الانتقائية، يشرح المحامي والخبير القانوني عبد الفتاح يحيى لـ"فكر تاني"، أن القضايا التي تتحول إلى رأي عام هي وحدها التي تملك فرصة الحركة السريعة، مضيفًا "تُتخذ إجراءات عاجلة للقبض على المتهمين لامتصاص الغضب الرقمي، أما آلاف الاستغاثات لأطفال آخرين فلا تحظى بالجدية نفسها، مقارنة بما تحول إلى تريند".
فوضى الخطوط الأولى
ويتطلب اعتراف المجتمع بصوت الطفل ما هو أكثر من مجرد سماعه، حيث يؤكد المحامي بالنقض أننا نحتاج إلى منظومة حماية كاملة تضم لجان حماية وأخصائيين اجتماعيين وخطوطًا ساخنة لا تكتفي بالرنين، موضحًا أن الأصل في الأمور أن الطفل لا يكذب في هذه المساحة، ولذا يجب التعامل مع شهادته كبوصلة ومنطلق لتحريك التحقيق وليس مجرد سردية يتم حفظها لعدم كفاية الأدلة.
ورغم أن المادة 268 من قانون العقوبات تغلظ العقوبة، إذا كان الجاني من دائرة الثقة كالمدرس أو القريب، فإن تحديات الإثبات تظهر في نواحٍ عدة، أبرزها صعوبة توفير الشهود وتلاشي الأدلة المادية مع مرور الوقت. وتتضاعف الأزمة إذا كانت الضحية من ذوي الإعاقة، حيث تبرز الحاجة لوسطاء نفسيين وأطباء متخصصين يترجمون شهادتهم إلى لغة يفهمها القضاء، وهو ما يفتقر إليه البحث والاحترافية في واقعنا الحالي، مما يجعل الشهادة تبدو مضطربة في عيون المحققين.
اقرأ أيضًا: المتحرش التقدمي.. حينما تتحول الانتهاكات إلى مادة استهلاكية سريعة النسيان | فكر تانى

وتنص المادة المذكورة على أن يعاقب بالسجن المشدد كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو التهديد أو شرع في ذلك، وتكون العقوبة السجن المشدد من سبع إلى خمس عشرة سنة إذا كان عمر المجني عليه أقل من ثماني عشرة سنة كاملة، أو كان الجاني من أصول المجني عليه أو من المتولين تربيتهم أو ملاحظتهم أو ممن لهم سلطة عليهم أو كان خادمًا بالأجرة.
وتزداد معاناة الناجين في الأروقة القانونية، حيث يصف الخبير القانوني الأجواء الطاردة داخل أقسام الشرطة والنيابات بأن الضحية تُجبر على سرد تفاصيل محرجة أمام غرباء غير مؤهلين، كاشفًا عن غياب الكوادر النسائية في الخطوط الأولى لتلقي البلاغات، مما يحول عملية الاستماع إلى عبء نفسي يطارد الفتيات والفتيان الناجين. ويشير يحيى إلى أنه فوق ذلك يفتقر الواقع لضمانات حقيقية تعزل الضحية فورًا عن المعتدي، مما يجعل الصمت خيارًا آمنًا مقارنة بمخاطر الإبلاغ، وموضحًا أن الأهل والأطفال يتعرضون لضغوط نفسية تصل إلى حد تهديدات من ذوي الجناة، مما يجعل التراجع عن المسار القانوني الخيار الأسلم لآلاف الضحايا.
مناهج الحماية والتربية الجنسية
ومع كل واقعة انتهاك جنسي للأطفال، يتجدد الحديث عن ضرورة إدراج مناهج تربوية للتعليم الجنسي المناسب لكل مرحلة، ورغم الجدل بين مؤيد ومعارض، يغيب الطفل الذي يمثل الأساس والركيزة الأولى للموضوع.
وعلى الرغم من تكرار الحوادث التي تهز ثقة الأهالي في المدارس الخاصة والحكومية على حد سواء، لا يزال الطفل الطرف الأقل حضورًا في أي نقاش عام عن سلامته، ليبقى صاحب التجربة نفسه خارج الصورة بلا معرفة تحميه أو لغة تمكنه من التعبير عما يتعرض له.
وتروي نهى، وهي أم ثلاثينية، أن طفلتها "ميرنا" تعرضت في عامها الثالث تحرش جسدي من ابن إحدى قريباتها البالغ من العمر سبع سنوات، قائلة "مستحيل طفل في سنه يقصد التحرش إلا إذا كان هو نفسه اتعرض لحاجة مشابهة، حاولت تنبيه مامته لكن كان رد فعلها متحفظ، سكتت تمامًا ومحاولتش تتكلم معاه وتفهم عمل كده ليه".
وقد دفعت هذه الواقعة نهى لتوعية نساء محيطها بضرورة تصديق الأطفال، مضيفة "اكتشفت غياب تام للوعي بالتربية الجنسية في محيط المدرسة والكنيسة وكل أماكن التجمعات اللي بتردد عليها، بقيت حريصة أشارك الأمهات على جروبات واتساب فيديوهات بتشجع الأم تتحاور مع أولادها أو بناتها وتصدق روايتهم ومتعتبرش كلامهم سذاجة". وفي الوقت نفسه تتصاعد دعوات خبراء التربية والصحة النفسية لتطبيق مناهج للتربية الجنسية في سن مبكرة باعتبارها بنية أمان حقيقية، غير أن هذه الدعوات تصطدم برفض واسع تحكمه تصورات ثقافية، وربما دينية وقلق دائم من أن المعرفة تفسد البراءة.
وتشير الدراسات إلى أن التربية الجنسية المبكرة بأسلوب علمي يتناسب مع المراحل العمرية تساهم في تنمية وعي الطفل بجسمه، وتمكنه من التعرف على مفاهيم مثل اللمسة المقبولة وغير المقبولة، وهو ما يساعدهم على التفريق بين الحميمية الطبيعية وبين الإساءة أو التحرش.
وكما يذكر خبراء في الصحة، تشكل التربية الجنسية جزءًا لا ينفصل من بناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة الجسدية والإدراك النفسي، وتساعد الطفل أو المراهق على تطوير وعيه بالذات وبالآخر. وتشير منظمة اليونسكو في هذا السياق إلى أن مناهج التربية الجنسية الشاملة تُعد من أهم الأدوات في التصدي للعنف الجنسي ضد الفتيات، إذ تساعد على نشر ثقافة احترام الجسم والموافقة والمساواة بين الجنسين، وبالتالي ترسخ فكرة أن الجسد ليس ملكًا لأحد غير صاحبه وتُضعف من مناخ الصمت الذي يضاعف الانتهاكات. ووفقًا لليونسكو، تُعرف التربية الجنسية الشاملة بأنها عملية تعليمية قائمة على المناهج الدراسية تتناول الجوانب المعرفية والعاطفية والجسدية والاجتماعية للجنسانية، وتهدف إلى تزويد الأطفال والشباب بالمعارف والمهارات والمواقف والقيم التي تُمكّنهم من تحقيق صحتهم ورفاههم وكرامتهم، وبناء علاقات اجتماعية وجنسية قائمة على الاحترام، وفهم تأثير خياراتهم على رفاههم ورفاه الآخرين وإدراك حقوقهم وضمان حمايتها طوال حياتهم.
الأرقام وتوثيق المجتمع المدني
وعلى صعيد الإحصاءات الرسمية، تكشف الأرقام الصادرة عن المجلس القومي للطفولة والأمومة عن تحول جوهري في سلوك الأسر المصرية، حيث يوضح مدير عام خط نجدة الطفل صبري عثمان أن عام 2024 سجل قفزة في البلاغات بنسبة خمسة عشر ونصف بالمائة، بينما تشير بوصلة عام 2025 إلى تجاوز حاجز العشرين بالمائة.
ويرى عثمان أن هذا الارتفاع ليس بالضرورة انعكاسًا لزيادة الجريمة وإنما يمثل دليلًا على زيادة الوعي الجمعي الجديد، فالانتهاكات التي كانت تخفى سابقًا بسبب الخوف باتت تجد طريقها الآن إلى رقم خط نجدة الطفل. وجاء من بين 21 ألف بلاغ تلقاها الخط العام الماضي 88% منها كبلاغات خطر تتعلق بالعنف والاستغلال، مما يشير إلى أن ثقافة الإبلاغ بدأت تكسر حاجز الصمت حول العنف الأسري. ويشدد عثمان على أن التعامل مع جرائم الأطفال، سواء كانوا ضحايا أو متورطين، يتطلب منظومة تدمج بين الردع القانوني والتأهيل النفسي والاجتماعي لضمان ألا يتحول استنجاد الطفل في البلاغ إلى مجرد رقم إحصائي.
ومن زاوية أخرى، يشير المحامي يحيى عبد الفتاح الذي يعمل خبيرًا قانونيًا لعدد من المنظمات الحقوقية والنسوية، إلى أن الأرقام ليست سوى قمة جبل الجليد، ففي ظل غياب إحصاءات دقيقة وقانون لحرية تداول المعلومات يمنح التعتيم الجناة فرصة للاستمرار.
ويوضح أنه لسبب لا نعلمه تُستبعد مشروعات التوثيق والرصد التي يقدمها المجتمع المدني لأعضاء البرلمان، وتفشل محاولات التشبيك بين المجتمع المدني والجهات الرسمية، مما يعود بالسوء على الضحايا ويضاعف الفجوة بين الأرقام المعلنة وأعداد وقائع الانتهاكات الجنسية الحقيقية على الأرض.
وفي محاولة لملء هذا الفراغ المعرفي، تتمتع مؤسسات المجتمع المدني بحرية حركة أكبر من جمود الإجراءات الرسمية لتخوض المعركة من نقطة البداية مع الأطفال.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | لماذا نلوم ضحايا التحرش ونبرئ الجناة؟ | فكر تانى

ومن بين هذه المؤسسات مؤسسة "قضايا المرأة المصرية"، التي فتحت حوارًا داخل مؤسسات تعليمية عبر أكثر من 200 لقاء توعوي شملت 18 مدرسة ومجموعات من ذوي الإعاقة. وتتحدث ماجدة سليمان مديرة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بالمؤسسة لـ"فكر تاني"، قائلة "لم نذهب لنُلقي محاضرات وإنما لنسمع، ورصدنا أسئلة الطلاب التي كشفت عن تخبطهم في فهم أجسادهم وتصديقهم خرافات حول الدورة الشهرية لدى الفتيات وصولًا إلى غياب مفهوم المساحة الشخصية وحدود التلامس، وهذا الإنصات العميق أثمر عن إطلاق أول منهج تعليمي متكامل للتربية الجنسية في مصر وهو مشروع طموح يغطي الرحلة التعليمية من رياض الأطفال حتى الثانوية مدعومًا بأدلة إرشادية للمعلمين لضمان وصول المعلومة بشكل علمي".
وتضيف ماجدة "أجرينا استطلاعات رأي لأولياء الأمور وللأطفال أنفسهم وللمعلمين بعد التدريب للكشف عن مواطن القوة والضعف، وجاءت التوصيات عن تأثير المنهج على حياتهم وفهمهم لأنفسهم ولأجسادهم وللآخرين"، ناقلة بعض ما قاله أطفال في أعمار تتراوح بين 12 و16 سنة، حيث قال أحدهم "تعلمت كيف أتعامل مع زميلتي الفتاة وتعلمت أن أتفهم التغيرات الهرمونية أوقات الدورة الشهرية"، بينما قال طفل آخر "تعلمت أهمية النظافة الشخصية والاهتمام بجسدي وعدم الخجل من الحديث مع أسرتي في حال لاحظت علامات مرضية في أعضائي الخاصة".
الصمت المجتمعي والتعبير الفني
وتسلط آية منير مؤسسة مبادرة "سوبر وومن" الضوء على الجوانب الخفية التي تخنق صوت الضحايا، لافتة إلى أن المجتمع وليس الجاني فقط هو المتهم الأول في إقصاء هذه الأصوات. وترى آية أن الشعور بالخجل والخشية من نظرة المجتمع هو ما يدفع الفتيات للخوف من الحديث عن كثير مما يتعرضن له، ففي الوقت الذي قد تنجو فيه الفتاة من لوم الدائرة القريبة المتمثلة في الأهل، تجد نفسها في مواجهة لوم مجتمعي يستحيل معه تصديق الضحية أو إنصافها. وقد شاركت آية مع "فكر تاني" نماذج حية تعكس عمق المأساة وتأثيرها النفسي الممتد، ناقلة شهادات عن فتيات اقتربت منهن بحكم عملها في دعم النساء. وتروي قصة فتاة تعرضت لانتهاك رقمي أثناء المرحلة الإعدادية بعدما قام زميلها بتوزيع رقم هاتفها على الشباب مما عرضها لسيل من الصور الجنسية والتهديدات، وعلى إثر الموقف أصيبت الفتاة بأعراض ذهان وتشتت ذهني حاد.
وتوضح آية أنه رغم دعم والدتها بعد ملاحظة أعراض الأزمة على ابنتها، لا تزال الفتاة تعاني من نوبات خوف وبكاء، ليس بسبب الحادثة فقط وإنما بسبب رعب الوصم الذي يطاردها في مجتمعها الريفي وعدم تصديق أحد أنها لم تفعل أي شيء، وذلك على الرغم من حل المشكلة بشكل علني في جلسة صلح عرفية عوقب فيها الشاب بدنيًا من قبل أعمامه بحضور عائلة الفتاة. وفي نموذج آخر استغل رجل فتاة تصغره بأكثر من خمسة عشر عامًا ليوقعها في الابتزاز والعلاقة الجسدية القسرية، حيث تقول آية "استغل خوفها من الفضيحة المجتمعية بعد علاقة حب بينهما ليطلب منها علاقة جسدية ويخضعها له تمامًا". وتؤكد آية أن الرعب من التمييز المجتمعي يوحد بين فتيات الريف والحضر، فبينما قد ترتعب فتاة الريف من مجرد التحرش، تخشى ابنة المدينة مستويات أعقد من الاستغلال، غير أن النتيجة واحدة وهي الصمت المطبق، مشددة على أن هذه القضايا تمتلك القدرة على زلزلة المجتمع وتغيير القوانين وتغليظ العقوبات غير أنها تظل حبيسة الصدور.
وتفكك الدكتورة سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، آليات الصمت التي يفرضها المعتدي، موضحة أن الجاني يحيط ضحيته بحالة من الترهيب تبدأ بتهديدات صريحة ولا تنتهي عند الابتزاز العاطفي، وتقول لـ"فكر تاني"، إن "المتحرش يمارس ذكاءً خبيثًا بوعود المكافأة أو يخلق حالة من الخوف المركب تجعل الطفل يصمت خوفًا من التعرض للأذى". وتنتقد الدكتورة قدري سمة العصر المتمثلة في التربية الصامتة حيث يغيب الأب في دوامة العمل وتنشغل الأم أيضًا عن سماع أطفالها، مضيفة أن "الأطفال يتحدثون بأشكال مختلفة منها الانزواء والضعف المفاجئ أو بظهور علامات غريبة على أجسادهم، وكلها لغات يجب على الأهل فك شفراتها".
وتحذر أستاذة علم الاجتماع من خيط رفيع يفصل بين المتابعة الواعية والحماية الخانقة التي قد تؤذي شخصية الطفل، فالحل في رأيها يكمن في حوار هادئ ومتراكم، وتستطرد قائلة "علينا أن نزرع في أطفالنا قدسية حدود أجسادهم منذ الصغر وأن نعتاد ممارسة الاستماع اليومي بالدردشة والأسئلة عن يوم الطفل، ماذا فعلت؟ مع مَن لعبت؟ وكيف كان يومك؟ وهذا الحوار هو العلاج الناجح والاكتشاف المبكر لأي خلل وهو ما ينمي لدى الطفل وعيًا وقائيًا يحميه من زمن الشر والمواد العنيفة التي قد تصادفه حتى في فضاء السوشيال ميديا".
وعلى خشبة المسرح حيث لا توجد أحكام مسبقة، يجد الطفل مساحة آمنة لكسر القيود، إذ يرى مدرب التنمية بالفن أحمد محمد عبد العال أن الفن لغة بديلة للناجين، ويشرح ذلك "فكر تاني"، بقوله "نساعد الأطفال على طرح مشكلاتهم بعدم الحديث عن أزمة خاصة وإنما نطرحها خلال التدريب كقضية عامة تخص أطفالًا آخرين، ثم نحول هذه الحكايات إلى عروض مسرحية نعلمهم من خلالها كيف يواجهون العنف الجنسي دون أن نقول لهم إحنا بنعالجكم من مشكلة وإنما نترك الحلول تنبع منهم هم".
وينتقد أحمد النظرة النمطية التي تحصر الأطفال في عدم الإدراك وهو ما يبرر للمجتمع تجاهل تعبيراتهم، مضيفًا أن "الأزمة الأكبر هي صمت أولياء الأمور خوفًا من الوصمة أو الفضيحة مما يعطي الضوء الأخضر للمعتدي لتكرار فعلته".
ويفكك مدرب التنمية بالفن أسباب هروب أطفال كثر من البوح لوالديهم مرجعًا ذلك إلى ثلاثة أسباب جوهرية، أولها رعب الطفل من ردة فعل الأهل والعقاب الذي ينتظره، وثانيها انشغال الوالدين وغياب الإنصات الحقيقي، وأخيرًا الخجل من الحديث عن الانتهاك نتيجة التربية على ثقافة العيب التي تحيط بيوم الطفل وتقطع جسور التواصل مع ذويه.
الاستماع كضمانة للعدالة
ويمثل الانتقال من التغييب إلى المشاركة الضمانة الوحيدة لفعالية القوانين ومبادرات التوعية، فإن لم يتحول صوت الطفل إلى ركن أساسي في منظومة العدالة والحوار المجتمعي، سيظل نموذج مارجو يتكرر ولا يُصدق، وكذا حال الطفل المتحرش في السابعة من عمره، أو يُركنون في انتظار تريند جديد لتحريك الرأي العام، وهذا ما أجمع عليه كل من مديرة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية وأستاذة علم الاجتماع ومدرب التنمية بالفن.
وفي ختام المشهد، يقترح المحامي بالنقض والخبير الحقوقي عبد الفتاح يحيى حلولًا هيكلية لتجاوز هذه الأزمة تتمثل في إنشاء وحدات متخصصة للبلاغات تضم مختصين نفسيين وعناصر شرطة نسائية لتسجيل الشهادة الأولى باحترافية وتعاطف، إلى جانب خلق آليات حماية فورية تضمن إبعاد المعتدي عن الضحية كإجراء احترازي ملزم. ويدعو أخيرًا إلى ترسيخ فلسفة عقابية جديدة تتجاوز العقوبات التقليدية نحو عدالة متعددة المسارات تجمع بين العقاب والتأهيل النفسي للجاني في حالات محددة، مع توجيه الغرامات لصالح صناديق دعم الضحايا نفسيًا لضمان عدم تكرار الجريمة بوجوه جديدة.