"عيدٌ بأي حال عُدت يا عيدُ".. كلمات كتبها المتنبي، واصفًا يأسه من وضعه في مصر، بينما يختبر حالة من الحزن والشعور بالوحشة والغربة، ثم تمر ألف سنة أو تزيد، ولسان حال المصريين ما زال يردد هذا البيت، تعبيرًا عن أوضاعهم مع دخول الأعياد والمناسبات، ولكن الظروف الحالية أصبحت أشد وطأة من سابقاتها مع استمرار التحديات الاقتصادية التي تزيد من هموم المواطن، والتي غيرت ملامح الاحتفال.
وفي حين ترتبط الأعياد في مصر -دائمًا- بعدد من الطقوس المتوارثة في المأكل والملبس، يهل عيد هذا العام بالتزامن مع ارتفاعات متتالية في أسعار السلع منذ بداية 2026، خاصة أسعار المواد الغذائية، واللحوم، والدواجن، ناهيك عن قرار رفع أسعار المواد البترولية، الذي ضاعف من وطأة الزيادة على المواطنين.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين بلغ 268.1 نقطة لشهر يناير 2026، وسجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 10.1% لشهر يناير 2026 مقابل 10.3% لشهر ديسمبر 2025، مشيرًا إلى أن قسم الطعام والمشروبات سجل ارتفاعًا قدره 2.7% بسبب ارتفاع الأسعار في مجموعة الحبوب والخبز بنسبة 0.1%، ومجموعة اللحوم والدواجن بنسبة 5.1%، ومجموعة الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 1.7%، ومجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة 0.5%، ومجموعة الزيوت والدهون بنسبة 0.2%، ومجموعة الخضروات بنسبة 8.5%.
أما الملابس الجاهزة فشهدت ارتفاعًا بنسبة 1.1%، ومجموعة الملابس ومستلزماتها بنسبة 1.4%، كما ارتفعت مجموعة الأقمشة بنسبة 0.8%، ومجموعة الأحذية بنسبة 0.4%.
محاولات المواجهة والتعايش
لم تُقاطع الأسر شراء الملابس والحلوى رغم ذلك، ولكن كلًا منها تعامل مع الموقف بحسب دخل عائلها، فهناك من قلّص مشترياته تزامنًا مع ارتفاع الأسعار، فيما تخلت أسر أخرى عن الكثير من مستلزماتها في محاولة لضبط ميزان احتياجاتها.
عفاف إبراهيم، جدة في العقد الخامس من عمرها، وربة منزل، تقطن إحدى القرى التابعة لمحافظة بني سويف (التي تقع جنوب القاهرة مباشرة ضمن إقليم شمال الصعيد)، اعتادت جمع أبنائها وأحفادها قبل العيد بأيام قليلة، لإعداد الكعك والبسكويت كأحد الطقوس الأساسية لاستقبال عيد الفطر المبارك. تقول عفاف: "نحن عائلة كبيرة بها العديد من الأسر، وكل أسرة لا يقل عدد أفرادها عن 5، أغلبهم أطفال ينتظرون العيد كل عام من أجل الكعك والبسكويت، لذلك يجب أن نوفره كل عام بكمية مناسبة لكل أسرة، كما أن دخل كل أسرة لا يُمكّنها من توفيره جاهزًا بنفس الكمية التي نعدها في المنزل".
تحت ضغوط التكلفة، عادت كثير من الأسر إلى تصنيع احتياجاتها من البسكويت والكعك في المنازل، مع تسوية المأكولات في المخابز الشعبية أو في أفران الغاز المنزلية، بحثًا عن تكلفة أقل وجودة أفضل ومضمونة.
تؤكد عفاف أنها وظفت خبراتها في صناعة كمية من الكعك وحلوى العيد تكفيها هي وأبناءها وأحفادها. وتوضح أن التكلفة لم تقل عن تلك المعلنة بالأفران، ولكنها أفضل في الجودة، وساهمت في إدخال الفرحة على أفراد الأسرة الذين شاركوا جميعًا في عمل الحلوى لمدة يومين.
ولكنها تشتكي من ارتفاع أسعار الخامات التي تحتاجها هي وعائلتها لإعداد الكميات نفسها، التي كانت توفرها في السابق، وتقول خلال حديثها لـ"فكر تاني"، إن مستلزمات كل أسرة تُوفر على حدة وفق الكمية التي تُعد، حيث بلغ متوسط استهلاك كل أسرة خلال العام الماضي 5 كيلوجرامات من الكعك و3 كيلوجرامات من البسكويت، بتكلفة تبلغ 2000 جنيه تقريبًا، في حين أن نفس المبلغ حاليًا لا يوفر سوى مستلزمات 3 كيلوجرامات من الكعك و2 كيلوجرام من البسكويت.
مشيرة إلى أن كافة الطقوس الأخرى التي تتبعها هي وأبناؤها، سواء من شراء ملابس لأطفالهم أو اقتناء الحلوى، طالتها التغيرات ذاتها، من تقليل كميات بعضها والاستغناء عن البعض الآخر لمواجهة الغلاء وتوفيرًا للنفقات.
اقرأ أيضًا: من 7 إلى 10 آلاف جنيه.. سيناريوهات رفع الحد الأدنى للأجور وماذا تشتري لك اليوم؟ | فكر تانى

تختلف عائلة مصطفى محمد، المكونة من خمسة أفراد، في طقوس الاستعداد للعيد سواء بشراء الحلوى أو الملابس. يقترب مصطفى من نهاية العقد الأربعيني، ويمتلك مكتبة في منطقة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، ويقول: "كل عام نبدأ بتجهيزات العيد من الأسبوع الثالث في رمضان، حيث اعتاد أولادي على شراء كسوة كاملة جديدة من الملابس والأحذية، سواء داخل المنزل أو خارجه وأحيانًا للصلاة أيضًا، ولكن مع الزيادة المستمرة في الأسعار بدأنا نقلل مشترياتنا بالتدريج، وفي الغالب سوف نستقر هذا العام على شراء قطعتين فقط من الملابس لكل طفل، فالأسعار ارتفعت بشكل تخطى إمكانياتي، حتى أن ظروف عملي نفسها لم تعد كما كانت".
وأوضح مصطفى أنه سيعتمد الطريقة ذاتها في توفير حلوى العيد لأسرته، من خلال تقليل الكميات لكل صنف والتخلي عن أصناف أخرى، حتى يتمكن من توفير كافة الأصناف لهم، خاصة أن بعض الأصناف ارتفعت بنسب وصلت إلى 40%.
أما أسرة ابتسام رضا، التي تقطن إحدى قرى محافظة الأقصر، والمكونة من 6 أفراد، فجاء تأثير ارتفاع الأسعار أشد وطأة عليهم. تقول لـ"فكر تاني": "أنا ربة منزل وزوجي يعمل باليومية، وهو ما يضعنا دائمًا تحت طائلة الضائقات المالية، فإذا تعرض لوعكة صحية أو إن لم يحتج إليه صاحب العمل، لن نجد ما يسد نفقاتنا الأساسية، ناهيك عن المناسبات والأعياد التي لم نعد نتحمل متطلباتها لأطفالي سواء لاقتناء الملابس أو الحلويات".
مشيرة إلى أنها تعمد منذ عدة أشهر إلى تدبير جزء بسيط من المال كل فترة، حتى تتمكن من توفير قطعة واحدة جديدة من الملابس لكل واحد من أطفالها وعينات بسيطة من الكعك والبسكويت، حتى لا يشعروا بالضيق أو الحرمان، على عكس الأوضاع السابقة. وتختم ابتسام حديثها لـ"فكر تاني" قائلة: "كنت أتمكن منذ سنوات من شراء طقم كامل لكل طفل وشراء كمية جيدة من حلويات العيد، ولكن الأوضاع الحالية اختلفت تمامًا وأصبح توفير الأساسيات شيئًا صعبًا، نسأل الله العون في تربية الأطفال".
أعلن خالد سليمان فايد، رئيس شعبة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة التجارية، بداية الشهر الماضي، انطلاق الأوكازيون الشتوي لعام 2026 في مختلف محافظات الجمهورية، قائلًا إن الهدف الأساسي هو تقديم تخفيضات حقيقية على الملابس لدعم الأسر المصرية وتحريك السوق المحلي في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.
وأشار سليمان، في تصريحات تلفزيونية، إلى أن التخفيضات تتراوح بين 10% و50%، وأن هناك رقابة تموينية لضمان مصداقية العروض. وأوضح أن الأوكازيون لا يقتصر على فرصة شراء بأسعار أقل، بل يسهم أيضًا في دعم السوق وزيادة حركة المصانع المحلية، مشيرًا إلى أن السلع المعروضة جديدة ومطابقة للمواصفات، مع الحفاظ على الجودة والألوان الثابتة.
وفي هذا السياق، قال محمود الداعور، عضو مجلس إدارة شعبة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة ورئيس الشعبة السابق، إن البضائع الموجودة حاليًا بالأسواق من المقرر ألا تشهد أي زيادة في أسعارها، ولكن من المتوقع ارتفاع أسعار منتجات الملابس الجاهزة خلال الفترة المقبلة مع الموسم الجديد، ونسب الزيادة تُحدد وفقًا للأعباء الجديدة التي تتحملها المصانع.
وأشار خلال حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن موسم العيد الحالي لم يشهد الإقبال المتعارف عليه خلال كل موسم، مُرجعًا ذلك إلى تداخل الفصول الذي تسبب في تراجع حجم المبيعات. وبالرغم من تزامن موسم العيد مع تخفيضات الأوكازيون التي يتجاوز بعضها نسبة 70%، فإن ذلك لم يساهم في رفع حركة البيع، لا سيما أن هذه الملابس تُعتبر "بضاعة بائتة" –على حد وصفه– وهو ما لم يستحسنه المستهلكون خاصة في المواسم والأعياد.
وعقب على تزايد توجه كثير من المستهلكين نحو شراء الملابس المستعملة، أو اعتماد تفصيل الملابس عوضًا عن الملابس الجاهزة، بأن هذا السلوك يترسخ لدى الشعب المصري منذ فترات طويلة، وإن كان قد شهد ارتفاعًا خلال الفترة الماضية، لكن ما زالت هناك شريحة كبيرة من العملاء تفضل الاعتماد على الملابس الجاهزة.
وحدد عضو مجلس إدارة شعبة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة ورئيس الشعبة السابق، أهم التحديات المتوقعة أمام هذه الصناعة خلال الفترة القادمة، التي تتمثل في ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج، وارتفاع تكلفة العمالة، وأيضًا عمليات الشحن والتفريغ، مما يساهم في رفع أسعار المنتجات بشكل عام.
من جانبه، قال حمادة كامل، صاحب أحد المحلات في منطقة سوق العتبة –التي تشهد تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة– إن حركة البيع والشراء لم تتوقف في السوق خاصة في فترة الأعياد والمناسبات، ولكن سلوك كثير من الزبائن تغير، فلم تعد الأسر تقتني الكميات نفسها التي كانت تشتريها، وتخلى العديد منهم عن بعض الاحتياجات مقابل أخرى، خاصة مع الارتفاع المستمر للأسعار، مشيرًا إلى أن الكثير من الزبائن اتجهوا إلى الملابس المستعملة والتفصيل لتوفير النفقات.
عفاف، ومصطفى، وابتسام هم ضمن العائلات التي تستعد لاستقبال العيد بالطقوس المصرية، عبر توفير لوازمه من اقتناء الملابس الجديدة وشراء الكعك والبسكويت في مواجهة غلاء الأسعار المستمر، ويشاركهم في ذلك أكثر من 5000 عملية بحث تمت على محرك البحث "جوجل تريندز" خلال الأسبوع الماضي بعدد من الكلمات المفتاحية المختلفة التي تبحث عن "كحك العيد"، و"الكحك"، و"أسعار الكحك والبسكوت".
ارتفاع مستمر وتراجع في الشراء
أثارت بعض العروض المقدمة من إحدى العلامات التجارية جدلًا كبيرًا على منصات التواصل الاجتماعي بسبب مغالاة أسعارها، حيث بلغ سعرها 36 ألف جنيه، لما تتميز به من سمات خاصة في التقديم أو الصنع، وهو ما فتح نطاقًا واسعًا من الجدل والسخرية.
في الوقت ذاته، تشهد أسعار الكعك والبسكويت لعام 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في مصر نتيجة زيادة تكاليف الخامات (السمن، والدقيق، والمكسرات) والطاقة، حيث تراوحت أسعار الكيلو في المجمعات الاستهلاكية ما بين 160 إلى 220 جنيهًا، بينما بدأت في المحلات الكبرى والبراندات من 250 وتصل إلى 750 جنيهًا للكعك بالمكسرات.
وفي جولة ميدانية لـ"فكر تاني"، أرجعت عدد من المحلات ارتفاع الأسعار هذا العام إلى زيادة تكلفة المكونات الأساسية، وعلى رأسها الزبدة والسمن والسكر والمكسرات، إضافة إلى ارتفاع مصاريف التشغيل والطاقة والنقل، خاصة بعد ارتفاع أسعار المواد البترولية، مما انعكس بشكل مباشر على السعر النهائي للمستهلك.
ورصد "فكر تاني" أسعار الكعك والبسكويت لهذا العام مقارنة بأسعار العام الماضي، وأظهر تحليل البيانات أن الأسعار ارتفعت بنسبة 30٪ في المجمعات الاستهلاكية، مقارنة بنسب ارتفاع بدأت من 22٪ لعدد من أشهر المحال التجارية لبيع الحلوى والكعك والبسكويت. وبلغت 133% في بعض المحال التجارية، وهو ما يعادل أربعة أضعاف ونصف نسب الزيادة بالمجمعات الاستهلاكية.
وأبرز الأصناف التي طالتها هذه الزيادة هي الكعك بمختلف أنواعه، حيث بلغ سعر الكيلو منه 250 جنيهًا في بعض المحال للموسم الحالي، مقابل 230 جنيهًا لنفس الصنف خلال العام الماضي.
ولقد تنافس كل من تلك المحال لتقديم العديد من العروض والأصناف المختلفة التي تراوحت من ستة إلى عشرة عروض لكل اسم تجاري. وتباينت نسب الارتفاع وفقًا لنوع كل صنف من الحلوى، وأيضًا ما تحويه كل علبة من العروض المقدمة من تلك المحال، ولكن اتفقت جميعًا على رفع الأسعار بنسب تصل إلى 30٪.
وخلال تحليل البيانات، تبين أن هناك أصنافًا بعينها من حلويات العيد شهدت النسب الأعلى في الارتفاع، ويأتي على رأسها الكعك، لا سيما الأنواع التي تمت إضافة المكسرات إليها كـ "الملبن والعجوة والعجمية والمكسرات الأخرى"، حيث بلغ متوسط نسبة الزيادة في أسعاره 15% في المجمعات الاستهلاكية، مقارنة بنسب زيادة تجاوزت 20% بالنسبة لبعض المحال التجارية.
وأظهرت البيانات إضافة بعض الأصناف الجديدة إلى قائمة العروض المقدمة من تلك المحال، التي أثارت جدلًا واسعًا عبر السوشيال ميديا، ومنها الكعك بحشو الفستق (البستاشيو) والماتشا، والتي لاقت تعليقات ساخرة من الكثير من رواد تلك المنصات بسبب ارتفاع أسعارها، الذي يبدأ من 650 جنيهًا للكيلو الواحد في بعض المحلات، في حين أن بعض المحال التجارية توفره بالقطعة، حيث بلغ سعر الـ 12 قطعة منها 300 جنيه.
وشهد البسكويت نسب ارتفاع بدأت من 10% في المجمعات الاستهلاكية، وتخطت 100% في بعض المحلات التجارية. وبيّن تحليل البيانات أن بعض المحال عمدت لتغيير الأصناف المقدمة في العديد من العروض وتغيير أعدادها مقارنة بالعام الماضي، في محاولة منها لمواجهة الأسعار.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور مدحت الفيومي، رئيس شعبة الحلويات بمحافظة الدقهلية، إن أسعار الكعك والبسكويت خلال هذا الموسم شهدت متوسط زيادة يتراوح من 30% إلى 50% مقارنة بأسعارها خلال العام الماضي، مضيفًا أن هذه النسب يمكن أن ترتفع عن ذلك حسب العلامة التجارية للمنتجات والمنطقة أيضًا.
وأوضح خلال حديثه لـ"فكر تاني" أن نسبة الإقبال على الشراء لم تتأثر كثيرًا، ولكن سلوك العملاء تغير في الشراء، فهناك فئة كبيرة توجهت لتقليل حجم الكميات التي تُشترى، وأخرى اكتفت بشراء بعض الأصناف والاستغناء عن أخرى للحفاظ على طقوس العيد، وهو ما أثر بدوره على تراجع حجم الكميات التي تنتجها المحلات خلال هذا الموسم بشكل كبير.
وأضاف رئيس شعبة الحلويات بمحافظة الدقهلية، أن السوق كان مستقرًا بشكل كبير قبل الموسم الرمضاني، ولكن الأوضاع الأخيرة تسببت في ارتفاع الأسعار، مبينًا أن هناك منتجات كالسكر والدقيق لم تشهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار مقارنة بالسمن والبيض وكافة المنتجات التي ترتبط بالإنتاج الحيواني، التي ارتفعت بنسبة تجاوزت 40%. وأشار إلى أن التاجر يحتفظ بهامش الربح الخاص به حتى يتمكن من تغطية التكاليف المطلوبة منه، وفي حالة وجود أي تغيرات في الأسعار يتم إضافتها على السعر ويتحملها المواطن.
الضغوط الاقتصادية وعادات تتغير
ويشرح الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، ضرورة أن تغير الأسر من عاداتها لاتباع نظام يوازن بين أولوياتها الضرورية، ومحاولة الاحتفال بالمواسم والأعياد في ظل ظروف تمر بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة من حروب وصراعات سياسية لها تداعيات كثيرة على كافة الجوانب.
وبيّن الخبير الاقتصادي خلال حديثه لـ"فكر تاني" أن الضغوط الاقتصادية الحالية ستساهم في إعادة تشكيل الأسر لاحتياجاتها لتحقيق التوازن بين دخلها وحجم نفقاتها، وهو ما يمكن أن ينتج عنه التخلي عن بعض العادات والطقوس التي تتبعها كل عام في الاحتفال بالعيد لمواجهة شبح الأسعار، سواء بالتخلي عن بعض السلع أو تقليل البعض الآخر.
وكشفت الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس في جامعة الأزهر، عن مخاوف من أن يتحول العيد تدريجيًا إلى "مجرد إجازة" من العمل بدلًا من كونه "حدثًا اجتماعيًا". وإذا استمر تقليص المظاهر، قد تفقد الأجيال القادمة الارتباط العاطفي بالطقوس التي شكلت وجداننا لسنوات طويلة.
وقالت في حديثها لـ"فكر تاني" إن علم الاجتماع يفسر علاقة الاقتصاد بالأعياد بمبدأ "المادة هي التي ترسم شكل العادة"، فالعيد طقس اجتماعي يتأثر بدخل الأسرة، وعندما تضغط الظروف الاقتصادية، يميل المجتمع لتقليص "المظاهر الخارجية" (مثل الفخامة في اللبس أو كثرة الطعام) والتركيز على "الجوهر" (مثل الصلاة واللمة)، لتجنب الشعور بالعجز المادي أمام العادات القديمة.
مضيفة أن الأعياد في مصر تمثل جزءًا من الهوية، فهي ليست مجرد ذكرى دينية، بل الرابط الذي يجمع المصريين بمختلف طبقاتهم. والأوضاع الاقتصادية الحالية ساهمت في تغير مزدوج في النمط الحياتي والاستهلاكي، فالغلاء كان المحرك الأول، لكنه كشف عن تحول اجتماعي أعمق وهو الاتجاه نحو "الخصوصية". الناس بدأت تكتفي بالأسرة الصغيرة (الأب والأم والأبناء) بدلًا من تجمعات العائلة الكبيرة والمكلفة، وهذا يعكس تغيرًا في نمط الحياة السريع الذي نعيشه اليوم.
مشيرة إلى أن الضغوط المالية لها تأثيرها أيضًا على طقوس العائلات لاستقبال الأعياد، فلم تمنع العادات لكنها "هذّبتها"، فبدلًا من شراء كميات كبيرة من ملابس العيد، أصبحت الأسر تشتري "قطعة أساسية" تفرح الطفل. وفي الكعك، عادت الكثير من البيوت لفكرة "الخبيز المنزلي".
وقالت أستاذ علم النفس في جامعة الأزهر، إن هناك تراجعًا في السلوكيات المجتمعية، سواء في "الزيارات الممتدة" التي كانت تشمل كل الأقارب، واستبدالها بلقاءات سريعة في النوادي أو الحدائق، أو حتى الاكتفاء بالمعايدة عبر الهاتف. كما تراجعت "العيدية النقدية" الكبيرة لصالح هدايا رمزية أو مبالغ بسيطة تراعي ظروف الجميع، وهو ما يعرف بـ "إعادة التدوير الاجتماعي" لابتكار طرق جديدة للفرحة، مثل تزيين الشوارع بالجهود الذاتية، وعمل فعاليات بسيطة في المناطق الشعبية تعيد روح العيد دون الحاجة لميزانيات ضخمة.
وبين إعادة التدوير الاجتماعي وفقدان الارتباط العاطفي بمظاهر العيد، ما زالت الآلاف من الأسر والعائلات تحاول مواجهة الغلاء المستمر لارتفاع الأسعار، سواء بتقليص احتياجاتها أو التخلي عن أخرى في محاولة منها للاحتفاظ بما تبقى من مظاهر العيد.