لم تكن صباح* تنتظر بعد خمسة وثلاثين عامًا قضتها عاملة في شركة وبريات سمنود للغزل والنسيج، أكثر من دخل يساعدها على مواصلة الحياة، غير أن الأجر الذي تأخر لأكثر من أسبوع جاء هذه المرة منقوصًا إلى حد الصدمة، فقد تسلمت 2800 جنيه فقط من أصل 6100 جنيه، مع وعد بصرف بقية المبلغ على دفعات تمتد إلى ما بعد نهاية الشهر نفسه بلا سابق إنذار أو تفسير معلن.
وفي الوقت الذي أعلن فيه وزير المالية تبكير صرف مرتبات شهر مارس بمناسبة عيد الفطر المبارك، فوجئ العمال بقرار الشركة بصرف باقي الراتب بعد العيد، ما دفعهم للتوقف عن العمل والإعلان عن دخولهم في إضراب مفتوح.
أما صباح فوجدت نفسها تحسب ما لا يمكن جمعه، بدءًا من التزامات "جمعية" لتجهيز ابنتها الكبرى، مرورًا بمصاريف بيت يكاد يخلو من الطعام، وصولًا إلى ثلاث بنات أخريات ينتظرن أدوارهن للجهاز. يُضاف إلى ذلك طريق يومي إلى المصنع تقطعه سيرًا على الأقدام، لأن أجرة "التوكتوك" وحدها صارت عبئًا يفوق قدرتها، فضلًا عن زوج يعمل باليومية، أو كما تصفه "على الله".
تتساءل صباح بحسرة "أعمل إيه تاني؟" قبل أن تضيف جملة تختصر حياتها داخل بيتها وخارجه قائلة لـ"فكرتاني": "والله منعت اللحمة من دخول البيت، دا ساعات أقعد في الشغل من غير فطار، حتى السكر والضغط بطلوا يصرفولي علاجهم". وتتابع حديثها المليء بالهموم "إحنا داخلين على العيد، وكل حاجة بقت غالية. أنا طول عمري بشتغل عشان البيت، بس المرتب دلوقتي ما بقاش يكفي حاجة".
تتزامن هذه الضغوط مع موجة ارتفاعات متتالية تشهدها مصر في أسعار الوقود والمواد الغذائية، نتيجة هشاشة اقتصادية تعانيها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، مما يجعلها أكثر تأثرًا بـالأحداث العالمية. وقد انعكس هذا الوضع قاسيًا على كلفة المعيشة اليومية لعشرات الملايين من المواطنين. ومع اقتراب المواسم والأعياد، تبدو قدرة الأسر الفقيرة على تدبير احتياجاتها الأساسية أكثر ضعفًا، خصوصًا بالنسبة إلى العائلات التي تعتمد بالكامل على أجور يومية أو رواتب متواضعة، مثل أجور عاملات سمنود.
تمثل صباح واحدة من نحو خمسمائة عامل في مصنع وبريات سمنود، أغلبهم من النساء، داخل شركة كانت يومًا ما إحدى قلاع صناعة تميز بها المصريون على مدار عقود، قبل أن تتحول اليوم إلى عنوان لأزمة مركبة تتلخص في الأجور المتأخرة، والعلاج المتعطل، والخوف المستمر على لقمة العيش.
للقهر وجه واسم
ليست تلك العاملات مجرد وجوه عابرة في ملف عمالي، فقبل عام ونصف، خلال الإضراب السابق للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، ورغم الخوف والضغط الأمني الذي تخلله قمع انتهى بالقبض على بعضهن، كانت الشجاعة ظاهرة في وجوههن داخل الشركة وخارجها. غير أنهم بدوا هذه المرة، وكأن شيئًا ما قد انكسر أكثر، فلم تعد النظرات مثقلة بالحزن وحده، وإنما أُضيف إليها إرهاق واضح ووهن يكسو الملامح والأجساد. خلال الإضراب الأول بدت صباح مرهقة وقتها بلا شك، غير أنها لم تكن بهذا القدر من الإنهاك. هل يكفي عام ونصف لتتغير طبيعة الإنسان إلى هذا الحد، أو أن الفقر والضغط والقلق اليومي على الأجر والعلاج والمصير تترك أثرها على الوجوه بهذه السرعة. وقد بدا بعضهن للحظة كأنهن خارجات من زمن ظنناه مضى، زمن كانت فيه المشقة أقرب إلى السخرة، وكان العامل فيه مجرد يد تعمل لا حياة لها.
ولا تبدو صباح استثناءً في هذا المشهد المأساوي، فهناك عاملة أخرى، تدعى نجلاء، وهو اسم مستعار خوفًا من "اللي فوق" كما تحب أن تسميهم، وقد أمضت بدورها أكثر من خمسة وعشرين عامًا داخل المصنع.
تحتاج نجلاء إلى إجراء عملية قسطرة علاجية بالمخ بتكلفة تقارب مائتين وخمسين ألف جنيه، بينما تجد نفسها، مثل مئات من زملائها، في مواجهة تعطل خدمات العلاج والتأمين الصحي. وفي حالة كهذه، لا يعود الحديث عن الأجر أو التأمين مجرد خلاف إداري، وإنما يصبح سؤالًا مباشرًا عن الحياة نفسها أو عدمها.
ولا تعتبر هذه الحالة مأساة فردية، إنما نتيجة مباشرة لخلل أوسع في ملف التأمينات داخل الشركة. ورغم أن القانون يلزم صاحب العمل بالتأمين على العامل وسداد الاشتراكات المستحقة على أجره الفعلي، يجد العامل في سمنود نفسه منذ ما يقترب من العام محرومًا من العلاج ومهددًا بفقدان مظلته التأمينية، وذلك رغم اقتطاع مساهمته من راتبه لأن الشركة لا تسدد مستحقات التأمين. ويعني هذا أنها لا تنقل أزمة ديونها إلى دفاتر التأمينات فحسب، وإنما تنقلها إلى أجساد العمال أنفسهم، حيث يُخصم من أجر العامل ما يفترض أن يحميه، ثم يُترك بلا حماية.
اقرأ أيضًا:إضرابات الألومنيوم والعامرية للغزل.. هل تنذر باشتعال أزمة عمالية في مصر؟ | فكر تانى

يرى العامل والنقابي السابق بالشركة هشام البنا، أن أزمة الأجور الحالية في سمنود ليست حادثة طارئة، إنما نمط يتكرر منذ سنوات يضطر فيه العمال إلى استجداء أجورهم كل شهر. ويضيف في تصريح لـ"فكر تاني"، قائلًا "المشكلة مش بس في تأخير المرتب، لكن في طريقة صرفه. ساعات المرتب ينزل ناقص من غير توضيح، وساعات يتأجل جزء منه لآخر الشهر أو يتقسم على دفعات. العامل بيبقى داخل على التزامات بيت وأسرة، وفجأة يلاقي نفسه قدام رقم أقل بكتير من اللي مستنيه، على الرغم أن الأجر بسيط ويساوي بين الجميع فلا يراعي تدرج أو سنوات خدمة".
ويعد غياب الشفافية أحد أهم أسباب الأزمة الحالية في وبريات سمنود وفقًا للبنا، الذي يوضح "العامل ما بيعرفش ليه المرتب اتأخر أو اتخصم منه. الإدارة دايمًا بتتكلم عن خسائر، لكن في المقابل العامل هو اللي بيدفع الثمن من معيشته. لما الأجر يتأخر أو يتصرف ناقص، ده معناه ببساطة إن العامل بيستلف عشان يعيش، وده بيحصل لعدد كبير من العمال هنا".
ويرى النقابي السابق أن أزمة الأجور ليست سوى أحد أعراض أزمة أوسع تعيشها الشركة منذ سنوات، مبينًا "المشاكل بقت متراكمة، معدات قديمة، نقص في الصيانة، وتراجع في حجم التشغيل، في الآخر العامل هو اللي بيتحمل النتيجة، سواء في الأجر أو في ظروف العمل". ويضيف أن غياب رؤية واضحة لمستقبل الشركة يجعل العمال يعيشون في حالة قلق دائم، وهو ما يعبر عنه بقوله "الناس مش عارفة المصنع رايح على فين، ولا إذا كانت فيه خطة حقيقية لإنقاذه أو تطويره".
وعود التطوير وملكية الشركة الملتبسة
"الدولة تنفق 56 مليار جنيه في تطوير الغزل والنسيج"، بهذه العبارة لخص رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في يناير 2025 الرهان الرسمي على مشروع تقول الحكومة إنه يستهدف إحياء واحدة من أعرق الصناعات المصرية. غير أن هذه السردية ليس لها وجود فعلي داخل مصنع مثل وبريات سمنود، حيث لا تصل وعود التطوير إلى أجور العمال، ولا تحميهم من انقطاع العلاج، كما أنها لا تضع الشركة ضمن القلب الواضح لخريطة التطوير المعلنة.
ووفقًا لخريطة المشروع القومي، تركز التطوير في مجمعات وشركات رئيسية مثل المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبين الكوم ودمياط وحلوان، بينما غابت وبريات سمنود عن نقاطه الأساسية المتكررة. وهنا لا ينحصر السؤال في أسباب تعثر الشركة، وإنما يمتد للبحث في أسباب تركها خارج المظلة الفعلية للتطوير رغم تاريخها الصناعي، وكيف تحولت طبيعة ملكيتها الملتبسة إلى مبرر لإهمالها بدلًا من أن تكون محفزًا لتطويرها.
ويرجع إهمال شركة وبريات سمنود في جوهره إلى وضع ملكيتها الهجين، الذي يصنفها كشركة خاصة عند المطالبة بالحقوق، في حين تبرز كجهة تابعة للدولة في تفاصيل الملكية والقرار والتأثير. فقد تأسست الشركة عام 1974 بمحافظة الغربية، وتبعت منذ نشأتها شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، لتكون في الأصل جزءًا من شبكة ملكية يغلب عليها الطابع العام. وقد ساهمت المحلة فيها بنسبة 22% من رأس المال، بينما توزعت بقية الأسهم بين جهات حكومية وعامة مثل مصر للتأمين وهيئة التأمينات الاجتماعية وهيئة الأوقاف المصرية وشركة مصر للصباغة بالمحلة. وبهذا المعنى، لم تكن "الوبريات" مجرد مصنع مستقل، وإنما امتداد لصناعة عامة تشكلت داخل منظومة الدولة الصناعية.
ومع التحولات التي شهدتها مصر منذ السبعينيات، والتي تسارعت في التسعينيات مع إعادة هيكلة القطاع العام وصدور قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، بدأت الشركات الصناعية القديمة تتحرك تدريجيًا خارج النموذج الناصري القائم على الملكية العامة المباشرة، لتدخل في صيغ أكثر التباسًا تتأرجح بين العام والمشترك ثم الخاص. وفي هذه المنطقة الرمادية تحديدًا استقرت "وبريات سمنود"، فلم تعد كيانًا خاصًا خالصًا، ولم تبق شركة عامة واضحة المسؤولية.
غير أن التحول الأهم جاء لاحقًا حين تبدلت خريطة المساهمين وتراجع موقع الكيانات الصناعية التقليدية داخل هيكل الملكية، إلى أن باتت النسبة الأكبر من الأسهم في يد بنك الاستثمار العربي التابع لوزارة التخطيط. وانتهى هذا المسار عام 2015 بتسجيل الشركة وفقًا لقانون الاستثمار، لتتحول من شركة تابعة لقطاع الأعمال العام إلى شركة قطاع خاص. وللمفارقة الساخرة، فإن وزير التخطيط هو نفسه المسؤول عن المجلس الأعلى للأجور الذي يحدد الحد الأدنى للأجور غير المطبق بالأساس داخل الشركة. وهنا بالتحديد تبلورت الصيغة الهجينة التي تدير شركة خرجت قانونيًا من عباءة القطاع العام، غير أنها لم تخرج فعليًا من دائرة النفوذ العام أو من آثار تاريخها كجزء من الصناعة الوطنية التي بنتها الدولة.
وبهذه الطريقة، وصلت وبريات سمنود إلى هيكل ملكية ملتبس، فلا هي شركة عامة تستطيع الدولة أن تعترف بمسؤوليتها الكاملة عنها، ولا هي شركة خاصة يمكن فصلها عن تاريخ الملكية العامة والمؤسسات ذات الصلة بالدولة. وحين ينظر العمال إلى أوضاعهم اليوم، فهم لا يرون مجرد إدارة متعثرة، إنما يلمسون أثر هذا التحول كله في صورة مصنع نشأ على رؤية الصناعة الوطنية، ثم انتهى إلى معادلة مشوشة تُستخدم فيها صفة "القطاع الخاص" للتهرب من الأجور والالتزامات، بينما تبقى الدولة حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الملكية والتأثير والقرار.
ضغوط متزايدة واحتجاجات مستمرة
ولا يقتصر أثر هذا الكيان الهجين على تعثر الإدارة أو اضطراب المسؤولية فحسب، وإنما يهبط تأثيره مباشرة على حياة العاملين والعاملات وأسرهم، ويتجلى ذلك في أزمات الأجر الضعيف الذي يتأخر لأسابيع، وأيضًا في أزمة التأمينات التي تترجم إلى أمراض تنهش أجسادهم دون مظلة تأمين صحية. وإذا كانت أزمة الأجر والعلاج تكشف بوضوح كيف يدفع العمال ثمن هذا التعثر من قوتهم وصحتهم، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن التكلفة قد تمتد أيضًا لتستنزف الوقت الذي يقضونه في العمل.
وبحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فقد أعلنت إدارة شركة وبريات سمنود نيتها زيادة ساعات العمل اليومية من سبع ساعات إلى ثماني ساعات، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا بين العمال الذين استقر نظام عملهم على هذا النحو منذ سنوات طويلة.
ورغم أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ بعد، فإن مجرد طرحه بصورة أحادية دون تشاور مع العاملين أو ممثليهم، بدا لكثيرين مؤشرًا إضافيًا على اتجاه الإدارة إلى تحميل العمال كلفة الأزمة عوضًا عن البحث عن حلول جذرية لها.
وفي هذا الشأن، أشارت المفوضية إلى أن سعي الإدارة لتعديل نظام عمل استقر لسنوات على سبع ساعات يوميًا يمثل تعديًا على وضع أصبح أقرب إلى الميزة الأفضل أو الحق المستقر الذي لا يجوز الانتقاص منه بقرار منفرد. وتؤكد الضوابط المنظمة لساعات العمل في المنشآت الصناعية على عدم المساس بالمزايا الأفضل الواردة في العقود أو اللوائح بما يحفظ الحقوق المكتسبة للعاملين. ومن ثم، يبدو الأمر محاولة واضحة لانتزاع ميزة مستقرة من العمال وإضافة عبء جديد على أجساد أنهكها العمل أصلًا، وذلك في وقت تتأخر فيه الأجور وتتوقف خدمات العلاج. وهكذا، تُضاف محاولة مد يوم العمل إلى سلسلة الضغوط التي تجعل العامل في سمنود مطالبًا، مرة بعد أخرى، بسداد كلفة أزمة لم يصنعها.
وفي ظل هذا الواقع العالق بين الملكية الهجينة والحقوق المؤجلة، لا يملك العمال سوى الانتظار أو الاحتجاج، ومن المؤكد أن باب الاحتجاج العمالي سيظل مفتوحًا طالما بقيت الأزمات دون حل. فالانفجار لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يسبقه شرر يخبو أحيانًا لكنه لا ينتهي إلا بزوال السبب.
وقد سبق أن ناقشت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب ملف أزمة عمال وبريات سمنود في مارس 2023 على خلفية أزمة استكمال أجور العاملين وتطبيق الحد الأدنى للأجور، حيث طالبت اللجنة الشركة بتطبيق هذا الحد. وبعد عام وخمسة أشهر من ذلك التاريخ، انفجرت الأزمة على نحو أكبر وتحديدًا في أغسطس 2024 مع إضراب العمال للمطالبة بحقوقهم. وقد استمر الإضراب عن العمل لمدة شهر كامل قبل أن تلجأ الحكومة إلى استخدام القوة لفضه، حيث ألقت القبض على ثمانية عاملين، بينهم ثلاث سيدات، في واقعة وثقتها المؤسسات الحقوقية آنذاك، لتتم إحالتهم للتحقيق واتخاذ إجراءات عقابية بحق بعض المشاركين في الاحتجاجات.
والآن، وبعد عام ونصف تقريبًا من الإضراب، تطفو على السطح بوادر أزمة جديدة مرشحة للانفجار، ليبقى التساؤل معلقًا حول ما إذا كان هناك من سينتبه إلى أن الحل الحقيقي يكمن في إعطاء العمال حقوقهم وتطوير الشركة لضمان استمرارها، أو أن المعنيين سيظلون في انتظار الانفجار، وكأن الجميع يدور في حلقات مفرغة لا تنتهي.