لماذا يتسم الجنيه المصري بهذه الحساسية المفرطة تجاه أزمات العالم؟

يعاني الجنيه المصري بشدة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ليفقد في أربعة أيام فقط 4.6% من قيمته أمام الدولار الأمريكي الذي كسر مستوى الخمسين جنيهًا مجددًا، محققًا أعلى مستوى له في عشرة أشهر.

يثير هذا التراجع الملحوظ تساؤلات جوهرية عن أسباب الحساسية الشديدة للاقتصاد المصري تجاه الأزمات الدولية، ففي أزمة كورونا وما تلاها من الحرب الروسية الأوكرانية، كان التأثير على مصر أشد وطأة من الدول المتحاربة ذاتها، لدرجة أن التداعيات على المواطن المصري فاقت تلك التي تكبدها المواطنون الذين تدور المعارك فوق رؤوسهم.

تتضح هذه المفارقة بجلاء في الحرب الحالية، حيث ارتفعت عملة دولة الاحتلال الإسرائيلي بنسبة 0.3% أمام الدولار لتتداول حاليًا عند حوالي 3.12 شيكل، كما صعدت البورصة الإسرائيلية رغم الصواريخ التي تتلقاها، ليرتفع مؤشر الشركات الكبرى (TA-35) بنسبة 3.2% والمؤشر القياسي (TA-125) بنسبة 3.3% يوم الإثنين الماضي، تزامنًا مع قفزة مؤشر التأمين بنسبة 6.1% وصعود مؤشر التمويل بنسبة 5%.

في المقابل، هبطت البورصة المصرية منذ اندلاع الحرب بنحو 2486 نقطة، ليهوي المؤشر الرئيسي "إيجي إكس 30" الذي يقيس أداء أكثر ثلاثين شركة نشاطًا من مستوى 49212 نقطة إلى 46725.81 نقطة بنسبة تراجع إجمالية بلغت 5.3%، مما أدى إلى خسارة رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 80 مليار جنيه منذ بداية الحرب، وهو ما يعادل تقريبًا 90% من المكاسب التي تحققت في شهر فبراير الماضي، ونحو 50.3% من مكاسب السوق المسجلة في يناير السابق عليه.

ارتفاع العائد على السندات

مع تصاعد وتيرة المخاطر، ارتفع العائد على أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل ليبلغ العائد على أذون الخزانة استحقاق 273 يومًا نحو 23.25% مقابل 22% في فبراير الماضي، كما سجل استحقاق 364 يومًا نحو 24.15% مقارنة بنحو 23.68% في الفترة المقارنة ذاتها. أمام هذا الارتفاع الملحوظ في العوائد، اضطر البنك المركزي لقبول 100 مليون جنيه فقط من إجمالي 20 مليار جنيه استهدفها في عطاء سندات الخزانة لأجل ثلاث سنوات يوم الإثنين الماضي بعائد بلغ 20.7%، بينما رفض باقي العروض التي طالبت بتغطية المبلغ مقابل فائدة تصل إلى 25.01%.

وفي الجلسة ذاتها، رفض المركزي جميع العروض المقدمة لتغطية سندات استحقاق أجل خمس سنوات والتي طرحها بقيمة 10 مليارات جنيه بسبب مطالبة المستثمرين بفائدة مرتفعة، حيث تعتمد القاعدة الاقتصادية على أنه كلما زادت المخاطر ارتفع العائد على أدوات الدين الحكومية وزادت معها أعباء الفوائد وخدمة الدين في الموازنة العامة.

العائد الريعي وتأثيره المضاعف

أعلنت الحكومة مع الساعات الأولى للحرب أن مصر طالها جانب من التأثيرات السلبية لتداعياتها، مبررة ذلك بأهمية موقعها الإستراتيجي في حركة التجارة واللوجستيات على المستوى العالمي.

ويمثل تطرق الحكومة إلى هذه النقطة بالذات استمرارًا لجدل موروث في الاقتصاد المصري حول مدى الاعتماد على المصادر الريعية كقناة السويس والسياحة، وهي مصادر تتسم بحساسية بالغة للتوترات الأمنية والجيوسياسية التي طالما عانت مصر من تذبذبها المستمر.

وفي ملف السياحة تحديدًا، سبق أن عانت البلاد في أوقات الانفلات الأمني المصاحب لثورة 25 يناير وحادث سقوط الطائرة الروسية، وتكرر الأمر ذاته خلال جائحة كورونا وتوقف حركة السفر عالميًا، ليخسر الاقتصاد المصري حينها نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي وهي النسبة التي تمثل مساهمة السياحة المباشرة وغير المباشرة.

وبالنظر إلى لغة الأرقام، فقد تأثر العائد على القطاع السياحي بنسبة 8.6% خلال عامي 2010 و2011، وتعمقت الخسائر لتصل إلى 48% خلال عامي 2013 و2014 إبان ثورة 30 يونيو وأعمال العنف، لتأتي فترة كورونا وحظر السفر العالمي ويتكبد القطاع خسائر تعادل 35% من الإيرادات السياحية المتوقعة.

وبعد عام من الأداء الجيد وتحقيق عائد يناهز 24 مليار دولار، ألقت الحرب الحالية بظلالها الثقيلة لتتأثر الحجوزات بمقاصد جنوب سيناء، لا سيما مع التحذير الذي أطلقته الولايات المتحدة لرعاياها، والذي سينعكس بطبيعة الحال على رعايا دول أخرى، مما دفع غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة للتصريح بأن التطورات الحالية قد يترتب عليها إلغاء أو تعديل بعض حجوزات الطيران للمجموعات القادمة، أو تعذر عودة بعض السائحين المتواجدين داخل البلاد إلى دولهم.

أما بالنسبة لقناة السويس، فقد تأثرت حركة المرور فيها خلال الجائحة بالتزامن مع أزمات سلاسل الإمداد، وتجددت المعاناة في أزمة جنوح السفينة "إيفر جيفن"، لتتواصل التداعيات السلبية منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حيث تراجعت الإيرادات من 8.7 مليار دولار في 2022-2023 إلى 3.6 مليار دولار في 2024-2025.

ووفقًا للإحصائيات الحكومية، خسرت مصر نحو 10 مليارات دولار من إيرادات القناة بفعل حرب غزة، وهو السيناريو الذي يتكرر حاليًا مع غلق مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين لحركة الملاحة في باب المندب.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدولي والباحث بمركز كارنيجي للشرق الأوسط عمرو عدلي، أن السياسات العامة في مصر عجزت خلال العقود الثلاثة الماضية عن إكساب القطاعات غير الريعية قدرة تنافسية سواء في تصدير السلع والخدمات أو في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، مما وضع البلاد في حالة شديدة الغرابة تتمثل في الاعتماد المتزايد على موارد ريعية متناقصة في علاقتها بالعالم الخارجي.

وأشار عدلي في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى تحول مصر لبلد مستورد صاف للنفط في عام 2006 وللطاقة في عام 2012، مع ثبات النصيب النسبي لقناة السويس من الناتج المحلي وإيرادات الدولة طيلة العقد الماضي، مما جعل التوسع في القطاعات الاقتصادية غير الريعية ضعيف الإنتاجية وهامشيًا بدرجة كبيرة خاصة في قطاع الخدمات، ليصبح تحدي الخروج من هذه الريعية غير المتكافئة هو التحدي الرئيسي أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر.

وأضاف الباحث أن الموارد الريعية لا تمثل نصيبًا غالبًا كنسبة من الناتج أو من إيرادات الدولة مما يخرج مصر نظريًا من زمرة الاقتصادات الريعية، غير أن هذه الصورة العامة غير مكتملة ولا تعبر تمامًا عن واقع الاقتصاد المصري الذي يرتبط بوزن نسبي شديد الضخامة للريع في علاقته بالاقتصاد العالمي. وأوضح أن صادرات الطاقة من بترول وغاز طبيعي مثلت ما يزيد على 50% من إجمالي الصادرات المصرية بين عامي 1980 و2011، ويتلقى قطاعا البترول والغاز ما يقترب من ثلثي الاستثمارات الأجنبية الإجمالية، في حين تساهم هيئتا البترول وقناة السويس بما يقارب ثلثي ضرائب الشركات وتلعبان دورًا رئيسيًا في توريد العملة الصعبة، مما ينم عن احتلال القطاعات الريعية لوزن يفوق وزنها الفعلي في الاقتصاد ككل.

التضخم ومخاوفه المستمرة

تتواصل المخاوف الاقتصادية مع تحذيرات الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع، الذي اعتبر، في تصريحاته إلى "فكر تاني، أن انخفاض سعر صرف العملة المحلية بهذا المعدل يمثل مؤشرًا على درجة انكشاف كبيرة للغاية للعالم الخارجي، موضحًا أن فقدان الجنيه لنحو 90 قرشًا خلال وقت قصير جدًا يعد تراجعًا حادًا لم يتمكن من استرداده سابقًا إلا في عام كامل تقريبًا، ومتسائلًا عن منطقية نزيف عملة الدولة الوحيدة التي لم تدخل الحرب في المنطقة بهذا المعدل السريع. وتتضح أبعاد الأزمة عند النظر إلى هيكل الواردات المصرية، حيث تستورد البلاد كميات كبيرة من البوتاجاز والمشتقات البترولية بنسب تصل إلى 35% من استهلاكها، كما تمثل مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة 56% من إجمالي الواردات بما يزيد عن 60 مليار دولار، فضلًا عن استيراد ما بين 60% إلى 70% من مكونات السلع الغذائية، مما يجعل ملف الأسعار دائمًا تحت ضغط التضخم المستورد الناجم عن ارتفاعات سعر الصرف أو زيادة أسعار السلع في أسواقها الأساسية.

ومنذ اندلاع الحرب، سجلت تعاملات الإنتربنك، وهي السوق الداخلية بين البنوك لبيع وشراء الدولار تحت رقابة البنك المركزي، قفزة كبيرة كان أعلاها يوم الأحد الماضي في ثاني أيام الحرب وبداية التعاملات الرسمية الأسبوعية حيث زادت بنسبة بلغت 233%.

وارتفعت تعاملات هذه السوق إلى نحو 1.2 مليار دولار خلال يومي الأحد والإثنين بزيادة قدرها 150%، مما يعكس ارتفاع الطلب من البنوك لتغطية خروج بعض المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة.

وتستعيد هذه التطورات ذكريات الحرب الروسية الأوكرانية عندما فقدت مصر نحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة مما تسبب في أزمة بسعر الصرف وارتفاع حاد بالأسعار، وهو السيناريو الذي يخشاه الاقتصاديون حاليًا مع تسجيل خروج 1.8 مليار دولار في أسبوع واحد من أصل 45 مليار دولار تمثل إجمالي الأموال الساخنة في البلاد.

مرونة الصرف وحضور الدولة

يرى الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن خروج الأموال الساخنة يشكل مشكلة للاقتصاد المصري، إذا وصلت المبالغ المسحوبة إلى 10 مليارات دولار، غير أنه أكد قدرة احتياطيات البنك المركزي البالغة نحو 52 مليار دولار على امتصاص هذه الصدمة.

وأوضح في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن مرونة سعر الصرف لا تعني الغياب الكامل للدولة وإنما تعكس تدخلًا محسوبًا يقتصر على أوقات الضرورة القصوى. ويضيف أبو الفتوح أن تراجع التضخم السنوي إلى 11.9% يعطي مساحة حركة واضحة لصانع القرار، لكن الأرقام وحدها غير كافية لطمأنة السوق في أوقات التوتر، حيث يمكن لأي ضغوط جديدة أن تنقل التضخم المستورد بسرعة إلى السلع الأساسية، خاصة وأن التجارب السابقة تؤكد أن موجات الأسعار الخارجية تصل للمواطن أسرع من المتوقع في ظل ارتفاع تكاليف النقل البحري وتأمينه.

وفي هذا الإطار، مهدت الحكومة بالفعل لإمكانية تأثر معدلات التضخم بتداعيات الحرب، حيث قال رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إنه في حالة استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية وطول أمدها وتزامنها مع ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز، فإن الدولة ستكون مضطرة لاتخاذ بعض الإجراءات الاستثنائية المؤقتة في بعض الأسعار بهدف ضمان توفير السلع داخل السوق المحلية.

ومما يزيد من حساسية الموقف الاقتصادي ملف الديون الذي يتطلب موارد مالية إضافية بالعملة الصعبة ويضع الجنيه تحت ضغط مستمر، حيث تواجه الحكومة المصرية جدول سداد يقدر بنحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية شهر سبتمبر المقبل، وفقًا لجدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، ويتضمن هذا المبلغ نحو 21 مليار دولار عبارة عن ودائع وعملات لدى البنك المركزي المصري تعود أغلبيتها لدول خليجية ويتم تجديدها بشكل دوري.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة