معركة المهندسين.. انتصار تيار الاستقلال في مواجهة سيناريو «البطة العرجاء»

بعد ثلاثة أيام من انتهاء الماراثون الانتخابي، أعلنت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات نقابة المهندسين رسميًا نتائج الانتخابات التي أجريت على مدار ثلاثة أسابيع، وأسفرت عن خسارة المرشح الحكومي ووزير النقل الأسبق هاني ضاحي أمام منافسه مرشح تيار الاستقلال المهندس محمد عبد الغني بفارق بضعة آلاف من الأصوات.

وعلى النقيض من معركة النقيب، اتخذت انتخابات النقابات الفرعية والأعضاء المكملين للمجلس الأعلى مسارًا مغايرًا، حيث حصدت قائمة ضاحي كافة مقاعد الأعضاء المكملين، في حين استطاع حزب مستقبل وطن حسم أغلب مقاعد النقابات الفرعية. وتجلت الخسارة الكبرى للحزب في نقابة القاهرة التي فاز بها عبد العزيز حسب الله الكفراوي، بديلًا عن هشام أبو سنة، بينما تمكن تيار الاستقلال من حسم أربعة مقاعد فقط.

ووفقًا لقانون نقابة المهندسين الصادر عام 1974، ينضم رؤساء النقابات الفرعية البالغ عددهم 26 عضوًا بصورة مباشرة إلى المجلس الأعلى بمجرد انتخابهم، إلى جانب الأعضاء المكملين وعددهم 11 عضوًا، كما ينتخب 26 عضوًا ممثلين لسبع شعب داخل النقابة بعد اجتماع مجالسها التي تنتخب ممثليها.

سيناريو متكرر ودوافع تصويتية

ولم يكن هذا التحول في النتائج مفاجئًا تمامًا، ففي الجولة الأولى التي خاضها 19 مرشحًا، كانت الأرقام تشير بوضوح إلى تفوق هاني ضاحي الذي حصد 8,178 صوتًا مقابل 4,724 صوتًا لصالح عبد الغني، غير أن جولة الإعادة أطاحت بضاحي بفارق يقترب من الفارق الذي فصل بينهما في الجولة الأولى (حصد عبد الغني 10,505 أصوات مقابل 6,389 صوتًا لصالح ضاحي).

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان سيناريو انتخابات عام 2022، حين تفوق ضاحي في الجولة الأولى، بينما حصل منافسه آنذاك طارق النبراوي على تسعة آلاف صوت، لتنقلب الموازين في جولة الإعادة التي لم يحصد فيها ضاحي سوى 8,022 صوتًا مقابل 10,115 صوتًا لصالح النبراوي.

ويفسر الدكتور فيصل حسنين، المرشح الخاسر على مقعد النقيب، أزمة ضاحي في الدورتين باعتمادها على حشد الجولة الأولى. ويشير إلى أن انتخاب الأعضاء المكملين يجري في الجولة الأولى، حيث يمتلك كل مرشح قائمته الخاصة، ويوضح ذلك قائلًا "في حالة ضاحي، فإنه يستعين برؤساء شركات وهيئات كبرى بها كتلة تصويتية كبيرة من المهندسين، وكل عضو مكمل يقوم بحشد المهندسين في هيئته لصالحه ولصالح ضاحي في الجولة الأولى، لذلك يحصل ضاحي على أصوات أكثر في الجولة الأولى، التي تنتهي بانتخاب الـ11 عضو المكملين، ولكن يبقى منصب النقيب معلق لعدم الحصول على الأغلبية المطلقة نسبة 50% + 1".


اقرأ أيضًا: معركة 30 مايو مستمرة في نقابة المهندسين.. من يفوز بأصوات الخاسرين؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني
تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني

 

 

 

 

 

 


ومع الانتقال إلى الجولة الثانية المقتصرة على منصب النقيب، يوضح حسنين، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الحشد يتراجع عادة إلى أقل من النصف، إذ لا يجد أعضاء القائمتين الفائزين دافعًا لحشد المهندسين مجددًا، ولهذا "لا يحصل ضاحي على نفس عدد الأصوات لتراجع الحشد، وتنتقل أصوات الخاسرين لصالح المرشح المنافس له".

كما يطرح حسنين عاملًا آخر أسهم في هذه النتيجة، يتمثل في ابتعاد ضاحي عن المهندسين، حيث كان بعيدًا عنهم "خلال فترة إدارته للنقابة منذ 2018 وحتى 2022، لا يحضر للنقابة بانتظام ويدير النقابة من مكتب شركته، وحتى إذا حضر لا يسمح للمهندسين بمقابلته إلا نادرًا".

ويبدو أن الدعم العلني من وزير النقل كامل الوزير قد جاء بنتيجة عكسية، حيث يرى حسنين أن "الوزير حضر الانتخابات بصفته مهندس، ومن بين كل المرشحين اختار أن يقف مع ضاحي والتقطت لهما الصور معًا، وهو ما أعطى للمهندسين إشارة بأن الدولة تتدخل في الانتخابات، ودفعهم للتصويت للجهة المقابلة".

ويتفق الدكتور حماد عبد الله، عضو المجلس الأعلى لنقابة المهندسين وعميد كلية الفنون التطبيقية الأسبق، مع الرأي القائل بأن فشل الحشد في الجولة الثانية يؤدي لخسارة ضاحي حتمًا، مبررًا ذلك بأن "الاعتماد على حشد أعضاء قائمته في الجولة الثانية أثبت فشله في كل مرة، لأن عضو القائمة سواء فاز أو خسر لا مصلحة له في الحشد مرة أخرى، وتحمل تكلفته".

ويرى عبد الله أن التصويت العقابي هو المحرك الأساسي لأصوات الخاسرين، ففي الجولة الأولى توزعت تسعة آلاف صوت صحيح على 17 منافسًا، ويقول لـ"فكر تاني"، أن "الجميع يعلم أنهم ليس لديهم فرصة، وأعلاهم في الأصوات لم يتجاوز 3 آلاف صوت، لكنهم اختاروا منذ البداية عدم التصويت لضاحي، وفي حالة المواجهة بين ضاحي وعبد الغني اختاروا عبد الغني لرغبتهم في معاقبة ضاحي أو الحكومة نفسها".

وقد حدث موقف مشابه في 30 مايو 2023 عند محاولة سحب الثقة من النقيب السابق طارق النبراوي، حيث يوضح عبد الله أن "التصويت العقابي يمكن أن يكون من المهندسين الذين حُشدوا أنفسهم، ففي سحب الثقة من النقيب السابق طارق النبراوي في 30 مايو 2023، ورغم حشد ضاحي وأعضاء حزب مستقبل وطن أتوبيسات لسحب الثقة من النبراوي فوجئ الجميع بتجديد الثقة فيه، وأن الحشد جاء بصورة مضادة، وهو ما يمكن أن يكون جرى في جولة الإعادة في الانتخابات الأخيرة".

مخاوف التهميش ومستقبل المجلس المنقسم

وعقب الإعلان غير الرسمي للنتائج، أصدر المهندس هاني ضاحي بيانًا اتهم فيه صفحات على السوشيال ميديا بكونها "ممولة سياسيًا" لإدارة حملات تشويه ضده. واعتبر أن حالة الانقسام في النقابة "ليست وليد فترة الانتخابات وإنما نتيجة تراكمات سابقة". كما دعا إلى دراسة أسباب غياب 98.5% من الجمعية العمومية، المقدرة بنحو مليون مهندس، والوقوف أمامه لتلافي أسبابه حتى تعود النقابة كيانًا لكافة المهندسين.

وقد عكس هذا البيان استمرار حالة الجفاء بين ضاحي وتيار الاستقلال، مما أثار مخاوف من امتداد الخلاف إلى قائمته التي حصدت مقاعد المجلس الأعلى، وهو ما يهدد بتطويق حركة عبد الغني وتحويله إلى نقيب بلا صلاحيات يحارب داخل مجلسه عوضًا عن تنفيذ خطته، في سيناريو يعيد للأذهان أزمة النبراوي عام 2022 التي انتهت بالدعوة لسحب الثقة واقتحام الجمعية العمومية.

وفي رد على هذه التخوفات، نفى النقيب المنتخب محمد عبد الغني في حديثه لـ"فكر تاني" اتهامات التشويه، قائلًا إن "حملتي التزمت خلال الانتخابات بعدم التعرض الشخصي له، وكذلك تيار الاستقلال، وأن أي انتقادات وجهت لضاحي كانت حول أدائه النقابي فقط"، وموضحًا أن حملته "آخر ما يمكن اتهامها باستخدام المال السياسي، فالحملة مديونة لكل من قدموا لها خدمات دعائية خلال الانتخابات". وأبدى عبد الغني أمله في فتح صفحة جديدة لخدمة النقابة.

وعن التخوف من تحويله إلى "بطة عرجاء" أو نقيب منزوع الصلاحيات، اعتبر عبد الغني "إن هذا التخوف لا محل له، فرؤساء النقابات الفرعية الذين انتخبوا قادمين للمجلس بمشروعات نقابية هامة لخدمة المهندسين، والخلافات ليست في صالح هذه المشروعات التي يحرصون على تنفيذها، بينما الأعضاء المكملين رغم كونهم من الحملة المنافسة فإنهم ليسوا أبناء مشروع نقابي، وإنما اختيروا من التكنوقراط لذلك لن يجدوا أي مشكلة في التعاون معي، لا سيما وأنني منفتح للتعاون مع الجميع". وقد تعزز هذا التوجه بتصريح الدكتور أكرم فاروق، العضو المنتخب بقائمة ضاحي، الذي قال لـ"فكر تاني"، إن "الجميع يبحث عن مصلحة المهندسين وهناك علاقات جيدة بين النقيب وأعضاء المجلس المنتخبين"، متعهدًا بالعمل على تقريب وجهات النظر للسيطرة على أي خلاف.

ورغم هذه التطمينات، يبدي الدكتور حماد عبد الله إشفاقه على النقيب الجديد، متوقعًا فترة عصيبة لأن "كل منهما يمثل تيار مختلف لن يستطيعا التعاون بسهولة". ويوضح أن مجلس 2014 كان يجمع بين التيار الحكومي وتيار الاستقلال بنسب "متقاربة 50، 50، فسارت الأمور بين التيارين في المجلس بانسجام"، في حين أن الانتخابات الحالية "لم تسفر عن مجلس منقسم، وإنما مجلس كتلة واحدة متجانسة عدا عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من تيار الاستقلال، ونقيب مختلف وهو ما قد ينتج عنه أزمة في إدارة النقابة"، حسب قوله لـ"فكر تاني".

ويشير حماد إلى تحدٍ إضافي، وهو أن "أعضاء المجلس أغلبهم من رؤساء الشركات والهيئات، وهو ما يعني عدم التفرغ للعمل النقابي، وغيابهم عن الاجتماعات"، في حين ينتمي عبد الغني إلى "مدرسة التفرغ للعمل النقابي"، مما قد يسبب أزمات متكررة بين الطرفين. لتبقى الأيام القادمة واجتماعات المجلس هي الفيصل للإجابة عن التساؤل الملح عن قدرة النقيب على إقناع الجميع بفتح صفحة جديدة، أم أنه سيبقى "بطة عرجاء" أمام مجلس متجانس يقف ضده.

1 تعليق

  1. يتم تسويق نفس السيناريو من تيار اليسار لإفتعال الازمات منذ ٢٠١٤ واستبعاد المهندسيين العسكريين ثم اي تيار يعمل معهم يتم تشوييهه او محاوله ادعاء المظلومية ، وحماد مهندسي وسمسار اي صفقات ومشاريع النقابه ، لااعلم لماذا لايتم محاولة حتي البدء بالعمل ، هل من طبيعي مهندسيين لديهم تاريخ اداري ونقابي بينجحو علشان يعملو صراعات مع مقيي لتكون محصلة ادائهم امام جمعية عمومية صفر!!

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة