يترقب العاملون بالقطاعين العام والخاص، إعلان وزارة المالية خلال الأسبوع الجاري، عن تفاصيل زيادة الحد الأدنى للأجور، وهي الزيادة التي يُفترض تطبيقها مع الموازنة العامة للدولة بدءًا من أول يوليو المقبل.
وتتردد داخل أروقة الخزانة العامة أحاديث تشير إلى أن هذه الخطوة لن تكون مجرد زيادة روتينية معتادة، وإنما ستشكل "قفزة استثنائية".
وقد استبقت الوزارة الحديث عن زيادة الرواتب على غير المعتاد في أوقات وضع الرتوش الأخيرة على الموازنة العامة للدولة، وذلك في محاولة لتحسين صورة الحكومة بعد القرار الأخير برفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 15 و30% دفعة واحدة، وهو قرار سينعكس حتمًا على معدلات التضخم ويؤدي إلى رفع الأسعار في الأسواق.
وفي هذا السياق، اكتفى وزير المالية أحمد كجوك بالقول إن الزيادة ستتجاوز نسبة التضخم التي بلغت في شهر فبراير الماضي 11.5% لإجمالي الجمهورية على أساس سنوي، و13.4% بالنسبة للمدن المصرية.
ولم تحدد وزارة المالية أي الرقمين تستهدف في حديثها عن التضخم، سواء أكان للمدن أم لإجمالي الجمهورية، وفي حالة الاعتماد على بيانات التضخم المجردة بالضبط دون تخطيها، ستتراوح الزيادة بين 805 جنيهات و938 جنيهًا، غير أن السيناريو الأقرب يتمثل في أن تجعل الوزارة معدل الزيادة ألف جنيه على الأقل.
السيناريو الأقرب للتحقق
يرى القطاع الأكبر من الخبراء أن الحد الأدنى سيزيد إلى 8 آلاف جنيه، وهي نسبة زيادة تعادل 14.5% وتفوق التضخم بحوالي 1%.
ويعد الخبير الاقتصادي ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب سابقًا، فخري الفقي، من أنصار هذا التوجه، إذ يتوقع منذ أسابيع أن تكون الزيادة المتوقعة للأجور 15% بحد أدنى، واصفًا إياها بأنها زيادة قد تكون مناسبة حال استقرار متوسط التضخم في العام المالي المقبل عند حدود 10%.
ويضيف الفقي، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن تلك الزيادة سترفع الحد الأدنى لما يتجاوز 8 آلاف جنيه على أقل تقدير، وأن تطبيقها في القطاع العام ستنعكس آثاره سريعًا على نحو 4.8 مليون موظف بالجهاز الحكومي والهيئات الاقتصادية وقطاع الأعمال العام، وهي شريحة تعول نحو ربع سكان البلاد، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحديًا للقطاع الخاص.
ومما يعزز سيناريو الثمانية آلاف جنيه أيضًا، الدراسة التي يجريها المجلس القومي للأجور حاليًا لزيادة الحد الأدنى للأجور للقطاع الخاص بقيمة ألف جنيه، إلى جانب وضع آلية إلزامية للشركات للتطبيق في ظل تراخي بعضها عن الالتزام بسبعة آلاف جنيه حتى الآن.
وقبل اجتماع المجلس الأعلى للأجور المقرر في أبريل المقبل، بدأت بعض الشركات في تحريك الرواتب فعليًا، ومنها شركة للبطاطين بمدينة السادات رفعت الحد الأدنى لأجور العاملين إلى 8 آلاف جنيه، مع تحمل ضريبة كسب العمل كاملة عن العمال، وزيادة بدل الوجبة إلى 1300 جنيه شهريًا، وزيادة حافز الانتظام التشجيعي من 1220 إلى 1500 جنيه، فضلًا عن إقرار بدل غلاء المعيشة بنسبة 100% ليصل إلى ألفي جنيه تُضم إلى الأجر الشهري.
توقعات التسعة آلاف جنيه
يعتقد أنصار سيناريو آخر أن الزيادة ستصل إلى 9 آلاف جنيه، أي بنسبة تقارب 28.5%، لتتماشى مع حديث الحكومة عن أرقام غير مسبوقة، ولتحمل تعويضًا عن رفع أسعار البنزين التي ألقت بظلالها على الأسعار.
وقد سبق أن طالبت النقابة العامة للعاملين بالقطاع الخاص في أكتوبر الماضي بضرورة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 آلاف جنيه، وذلك قبل زيادة الوقود بقيمة 3 جنيهات الثلاثاء الماضي، وهو المطلب الذي رفضه وزير العمل حينها محمد جبران، قائلًا نصًا "الموضوع مش بيتاخد عشوائي تصحى الصبح نقول هنزود، ده في اتحاد عمال واتحاد غرف و6 وزارات جوه المجلس القومي للأجور".
وفي سياق متصل، يرى الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية، احتمالية لتحريك الحد الأدنى للأجور من 7000 جنيه إلى 9000 جنيه مع علاوة على الأجور تتراوح ما بين 10% و15%.
وأشار السيد، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن هذه الزيادات قد تُطبق مع بداية السنة المالية الجديدة في يوليو 2026، أو قبلها بشهرين، أسوة بصرف الدعم قبل شهر رمضان لتخفيف الأعباء عن المواطنين، موضحًا أن التضخم في مصر لا يرتبط فقط بزيادة المرتبات، وإنما يتأثر بعوامل أخرى أبرزها سلوك بعض التجار الذين يرفعون الأسعار بشكل غير مبرر في المواسم.
وتمتلك وزارة المالية القدرة على تطبيق الزيادات بدءًا من راتب أبريل، لأن أكثر من 60% من احتياطيات الموازنة العامة للدولة لم تُستخدم بعد، مما يوفر مساحة مالية آمنة للتعامل مع تداعيات الأزمات الإقليمية، ويضمن الاحتفاظ بمرونة في الإنفاق دون الحاجة لفتح اعتماد إضافي من مجلس النواب لتغطية الزيادة المتوقعة.
السيناريو الثالث الأقل احتمالًا
طرح الإعلامي المقرب من الحكومة أحمد موسى في برنامجه توقعات تشير إلى إمكانية وصول الحد الأدنى إلى نحو 10 آلاف جنيه، معتبرًا إياها زيادة غير مسبوقة تحمل تأثيرًا مباشرًا على مستوى المعيشة وقدرة الأسر على تلبية متطلبات الحياة اليومية.
وعلى الرغم من هذا الطرح، يبدو هذا السيناريو مستبعدًا لكونه يتضمن زيادة ضخمة تبلغ 42.8%، ولن تستطيع الحكومة تطبيقه على القطاع الخاص، كما أنه سيرفع من بند المصروفات في الموازنة الذي تحاول السيطرة عليه لاستمرار تحقيق فائض أولي يمثل الفرق بين الإيرادات والمصروفات.
ويدعم هذا الاستبعاد تصريحات الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، كريم عادل، الذي يقول لـ"فكر تاني"، إن زيادة الحد الأدنى للأجور ستضيف أعباءً إضافية على الموازنة العامة للدولة، خاصة مع التوسع في تطبيق الزيادة على العاملين في الجهاز الإداري للدولة، كما ستؤدي لزيادة الأعباء المالية على الشركات، لا سيما في ظل تحمل أصحاب الأعمال بالفعل تكاليف تشغيل مرتفعة، إلى جانب الضرائب المفروضة على الدخل.
القيمة الشرائية وتحديات القطاع الخاص
يتجه بعض الخبراء إلى أن العبرة الحقيقية تكمن في القيمة الشرائية للحد الأدنى وليس في رقمه المجرد، فعلى سبيل المثال، كان الحد الأدنى في عام 2014 يعادل قيمة 150 أنبوبة بوتاجاز و1333 لترًا من بنزين 92، أما حاليًا فيعادل أقل من 26 أنبوبة ونحو 315 لتر بنزين، رغم زيادة الحد الأدنى في الفترة ذاتها الممتدة من 2014 إلى 2026 بنسبة 483%.
وفي هذا الصدد، يرى كريم عادل أن الزيادة التي قد تصل إلى نحو 20% من الحد الأدنى الحالي لن تكون كافية لتعويض المواطنين عن الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود والسلع الأساسية، مضيفًا أن الأسواق قد تشهد زيادات في الأسعار في عدة قطاعات قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 40%، مما يعني أن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور قد لا تكون كافية لمواكبة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
اقرأ أيضًا: شاي وقهوة وأجرة طريق.. ميزانية موظف بعد الزيادة الجديدة في أسعار البنزين | فكر تانى

وشدد عادل، في تصريحات لـ"فكر تاني"، على ضرورة أن تكون زيادة الأجور جزءًا من حزمة اقتصادية متكاملة توازن بين تحسين مستوى معيشة المواطنين والحفاظ على استقرار الاقتصاد، موضحًا أن الفئات التي لا يشملها قرار الحد الأدنى للأجور، مثل أصحاب الأعمال الحرة والعاملين خارج القطاعين الحكومي والخاص، ستتأثر بارتفاع الأسعار بالقدر نفسه، وربما أكثر، دون أن تستفيد بشكل مباشر من زيادة الأجور، مما يطرح تساؤلات حول آلية دعم هذه الفئات في ظل موجات التضخم المتوقعة.
وعلى صعيد متصل، تظل قضية القطاع الخاص ملفًا شائكًا، إذ توضح النائبة سحر عتمان، عضو مجلس النواب، أن زيادة الحد الأدنى للأجور التي أعلنتها الحكومة تظل مرتبطة في معظمها بالعاملين بالجهاز الإداري للدولة، في حين يظل جزء كبير من سوق العمل، وخاصة في القطاع الخاص وغير الرسمي، دون آليات واضحة لضمان تطبيق زيادات مماثلة، الأمر الذي قد يوسع الفجوة بين ارتفاع الأسعار وقدرة الدخول على التكيف معها.
وقالت عتمان لـ"فكر تاني"، إن الصورة العامة تعكس فجوة بين حجم التأثير الاقتصادي لزيادة أسعار الطاقة ومستوى الإجراءات التعويضية المعلنة، مطالبة بمناقشة السياسات الحكومية لإدارة آثار هذه الزيادات وبيان مدى كفاية التدابير الاجتماعية المتخذة لحماية المواطنين أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب وبحضور الوزراء المعنيين.
وتتفق هذه الرؤية مع ما يطرحه عضو مجلس النواب فرج فتحي فرج، الذي يرى أن الحد الأدنى للأجور الحالي البالغ 7 آلاف جنيه لم يعد رقمًا يواجه الزيادة الرهيبة في ارتفاع أسعار السلع، مضيفًا أن الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات البالغة 3 جنيهات أدت إلى موجة غلاء غير مسبوقة.