تتجه الأنظار للأسبوع الثالث على التوالي نحو نقابة المهندسين، ترقبًا لانتخابات التجديد النصفي التي ستحسم جولة الإعادة على منصب النقيب العام، بين مرشح تيار الاستقلال محمد عبد الغني، والنقيب الأسبق المرشح الحكومي هاني ضاحي، وذلك بعد أن أخفق كلاهما في تحقيق الأغلبية المطلقة المتمثلة في نصف الأصوات الصحيحة زائد واحد خلال الجولة الأولى التي جرت الجمعة الماضية.
وقد أسفرت تلك الجولة عن حصول ضاحي على 8178 صوتًا مقابل 4724 صوتًا لعبد الغني من إجمالي الأصوات الصحيحة البالغ عددها 21288 صوتًا، في حين توزعت باقي الأصوات التي تتجاوز تسعة آلاف صوت على 17 مرشحًا آخرين نافسوا على منصب النقيب، وهي الكتلة التصويتية التي يعول عليها تيار الاستقلال بشدة لحسم هذه المعركة الانتخابية.
ووفق قانون النقابة رقم 66 لسنة 1974 تجرى انتخابات التجديد النصفي، في حين تُجرى الانتخابات على منصب النقيب كل أربعة أعوام، حيث تشهد الجمعة الأولى من شهر مارس انتخاب رؤساء النقابات الفرعية ونصف أعضاء مجالسها إلى جانب نصف أعضاء مجالس شُعب النقابة السبع. وتستمر العملية الانتخابية في الجمعة الثانية بإجراء الإعادة على مقاعد رؤساء النقابات الفرعية غير المحسومة فضلًا عن انتخاب الأعضاء المكملين للمجلس الأعلى للنقابة ومنصب النقيب العام، وفي حال عدم حسم مقعد النقيب تتجه المنافسة نحو جولة إعادة بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات في الجمعة الثالثة من شهر مارس والمقرر عقدها غدًا الجمعة.
ولا تمثل جولة الإعادة الحالية مجرد تنافس انتخابي عابر، وإنما امتداد لصراع محتدم منذ عام 2022 بين تيار الاستقلال من جهة والتيار الحكومي من جهة أخرى، وهو صراع مر بمنعطف خطير حين جرت محاولة لسحب الثقة من النقيب الحالي طارق النبراوي.
وقد أسفر تصويت الجمعية العمومية في تلك المعركة التي دارت رحاها في مايو 2023 عن تجديد الثقة في النقيب، مما أدى إلى واقعة مؤسفة اقتحم خلالها مجهولون مقر الجمعية العمومية واعتدوا على المهندسين، فيما عُرف لاحقًا بواقعة 30 مايو. وعلى الرغم من إنكار حزب مستقبل وطن لأي تورط لأعضائه في ذلك الاقتحام، أظهرت تقارير صحفية استندت إلى مقاطع فيديو مصورة للحدث وجود أعضاء من الحزب ضمن المقتحمين، الأمر الذي يجعل الانتخابات الجارية استمرار لهذه المعركة النقابية، حيث يطمح تيار الاستقلال إلى استكمال مشروعه النقابي، في حين يسعى التيار الحكومي لتعويض خسارته في معركة 30 مايو التي خرج منها مهزومًا.
تعقيدات المشهد الانتخابي
وفي خضم هذا الصراع برزت دعوات لتغيير قانون النقابة المنظم للعملية الانتخابية وتشكيل المجلس الأعلى، وهي من أبرز الملفات التي طرحها مرشح تيار الاستقلال محمد عبد الغني خاصة أن انتخابات نقابة المهندسين تُعد الأكثر تعقيدًا بين النقابات المصرية، وفقًا لرؤية أمين الصندوق المساعد السابق للنقابة عبد الكريم آدم، الذي يوضح لـ"فكر تاني"، أن المجلس الأعلى للنقابة يتألف من 63 عضوًا إلى جانب النقيب العام، ويتم اختيارهم عبر آلية بالغة التعقيد تبدأ بانتخاب 26 رئيس نقابة فرعية ومجالس تلك النقابات، حيث يكتسب رؤساء النقابات الفرعية عضوية مباشرة في المجلس الأعلى بقوة القانون.
وتتواصل التعقيدات مع انتخابات ممثلي الشُعب إذ تضم النقابة 7 شُعب تُقسم إلى أربع كبرى تشمل المدني والعمارة والميكانيكا والكهرباء، وثلاث صغرى تضم الكيميائية والبترول والغزل والنسيج، وعقب انتخاب مجلس لكل شعبة يتم اختيار ممثليها في المجلس الأعلى خلال أول انعقاد لها.
وتُمثل كل شعبة كبرى بخمسة أعضاء ثلاثة منهم تجاوزوا خمسة عشر عامًا في جداول النقابة، وهو ما يُعرف بفئة فوق السن، واثنان أقل من هذه المدة، ويُعرفان بفئة تحت السن، بينما تُمثل الشُعب الصغرى بعضوين فقط أحدهما فوق السن والآخر تحته، ليصل بذلك عدد الأعضاء إلى 52 عضوًا. ويُضاف إلى هؤلاء 11 عضوًا يُعرفون بالأعضاء المكملين، ويمثلون الشُعب المختلفة ليكتمل قوام المجلس الأعلى الذي يدير النقابة بـ63 عضوًا ينتخبون من بينهم هيئة المكتب التي تضم الأمين العام والأمين العام المساعد وأمين الصندوق وأمين الصندوق المساعد ووكيلين، وتُناط بهذه الهيئة مسؤولية الإجراءات التنفيذية وتسيير الأعمال اليومية، بينما تتولى النقابات الفرعية مسؤولية الخدمات المقدمة لأعضائها.
ويقول عبد الكريم آدم، إن هذا النظام المتشابك يفتح الباب أمام تدخلات واسعة من جهات مختلفة عبر النقابات الفرعية، كما أنه يضع أعباء ثقيلة على المرشحين لمجالس الشُعب، حيث يُضطر المرشح للشعبة الواحدة إلى عرض برنامجه على كافة المهندسين من الإسكندرية إلى أسوان، ولكن في حدود شعبته فقط. ومما يزيد الأمر صعوبة أن القانون المنظم لهذه العملية يعود إلى سبعينيات القرن الماضي وهو ما يفسر الرواج الكبير الذي لاقته دعوات تغييره بين أوساط المهندسين.
جذور الصراع النقابي والسياسي
ولفهم أبعاد هذا المشهد يجب العودة إلى تاريخ النقابة التي تأسست نواتها الأولى تحت اسم نقابة المهن الهندسية في عام 1946 واستمرت كذلك لنحو 30 عامًا حتى صدور القانون رقم 66 لسنة 1974. وعقب 21 عامًا من إقرار هذا القانون وتحديدًا في عام 1995 فُرضت الحراسة على النقابة بدعوى وجود مخالفات مالية، وذلك ضمن سياسة انتهجها نظام مبارك لتجميد نشاطات النقابات والسيطرة عليها كما حدث مع نقابات أخرى. وبعد 14 عامًا من المعاناة تحت وطأة الحراسة، نجحت مجموعة مهندسون ضد الحراسة التي ضمت قيادات نقابية بارزة كالنقيب الحالي طارق النبراوي ومرشح تيار الاستقلال محمد عبد الغني في استصدار حكم من محكمة القضاء الإداري برفع الحراسة عام 2009، غير أن النظام الحاكم حينها امتنع عن تنفيذه، وظل الوضع معلقًا حتى قيام ثورة يناير عام 2011 ليتمكن المهندسون أخيرًا من عقد أول جمعية عمومية وإجراء انتخابات حرة في نوفمبر من العام ذاته.
اقرأ أيضًا: 4 من الحرس القديم يتنافسون لخلافة الزاهد.. والشباب على دكة "التحالف الشعبي"

وقد ألقى الصراع السياسي الذي شهدته الساحة المصرية عقب الثورة بظلاله الكثيفة على نقابة المهندسين حيث يروي عبد الكريم آدم كيف تمكنت جماعة الإخوان من بسط سيطرتها الانتخابية على كافة النقابات الفرعية، باستثناء نقابة القاهرة وشعبة العمارة وبعض مقاعد شعبة الكيمياء، التي حافظ عليها تيار الاستقلال. وتفاقمت الأوضاع بعد أحداث 30 يونيو واعتصام رابعة حيث طغى العمل السياسي على الدور النقابي وتحولت مهام مجلس النقابة إلى دعم اعتصام الإخوان، وهو التوجه الذي رفضه جموع المهندسين رفضًا قاطعًا. واستجابة لهذا الرفض عُقدت أكبر جمعية عمومية في تاريخ النقابة لسحب الثقة من المجلس وشارك فيها 14 ألف مهندس أيد ثمانية آلاف منهم قرار سحب الثقة، مقابل رفض ستة آلاف. وبناءً على ذلك أُجريت انتخابات جديدة في عام 2014 أسفرت عن تقاسم السيطرة على مجلس النقابة والنقابات الفرعية بين تيار الاستقلال بقيادة طارق النبراوي وتيار مصر المستقبل المقرب من الحكومة، الذي انضم عدد كبير من أعضائه لاحقًا إلى حزب مستقبل وطن، ورغم هذا التباين مضت الدورة النقابية دون مشكلات جوهرية.
وتجدد الصراع الفعلي بين التيارين في عام 2018 مع فوز المرشح الحكومي هاني ضاحي بمنصب النقيب، وهو الذي سبق له تولي وزارة النقل في عام 2014 ورئاسة شركة وادي النيل للمقاولات، ويشغل حاليًا منصب رئيس شركة أبو قير للأسمدة.
ووفقًا لعبد الكريم آدم اتخذ ضاحي موقفًا متشددًا برفضه ضم المرشحين الناجحين في الشُعب إلى مجلس النقابة، وامتنع عن دعوتهم لإجراء انتخابات ممثلي الشُعب في المجلس الأعلى، كما عقد اجتماعات المجلس في غياب 26 عضوًا في مخالفة صريحة للقانون، وذلك بسبب انتمائهم لتيار الاستقلال. ومع انتهاء دورة ضاحي في عام 2022، عاد المهندس طارق النبراوي لتمثيل تيار الاستقلال في منصب النقيب، ليجد نفسه في مواجهة شرسة مع هيئة مكتب ينتمي أغلب أعضائها لحزب مستقبل وطن، وسعوا لشل تحركاته مما دفعه لاتخاذ قرارات أقصت عددًا منهم عن مناصبهم. وفي رد فعل سريع دعا التيار الحكومي لجمعية عمومية لمحاولة سحب الثقة من النبراوي، لكن المهندسين انحازوا مجددًا لنقيبهم وصوتوا لصالح قراراته، وهو ما أدى في النهاية إلى اقتحام الجمعية في واقعة 30 مايو الشهيرة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ففي انتخابات عام 2024 شن التيار الحكومي هجومًا مضادًا قاده أمين عام النقابة السابق اللواء يسري الديب عضو حزب مستقبل وطن، للسيطرة على مقاعد الشُعب مستغلًا عزوف المهندسين عن المشاركة لعدم وجود تنافس على مقعد النقيب، ومستعينًا بحزب النور السلفي لضمان أصوات الكتلة الإسلامية، مما أسفر عن حسم أغلب المقاعد لصالح حزبه. واستكمل رئيس النقابة الفرعية بالدقهلية المهندس رضا الشافعي هذه الخطة في الانتخابات الجارية ليحصد التيار الحكومي كافة مقاعد مجالس الشُعب ومعظم مقاعد رؤساء النقابات الفرعية تاركًا لتيار الاستقلال خمسة مقاعد فقط من أصل 26 مقعدًا، وذلك بحسب تصريحات الدكتور حماد عبد الله عميد كلية الفنون التطبيقية الأسبق وعضو المجلس الأعلى للنقابة الأسبق.
برامج المرشحين ووعودهم
وعلى صعيد البرامج الانتخابية يقدم مرشح تيار الاستقلال محمد عبد الغني، حسب حوار سابق أجراه مع فكر تاني، نفسه كداعية لنبذ الخلافات النقابية، متعهدًا بأن تكون أولى خطواته الدعوة لجمعية عمومية لتعديل قانون النقابة ونظامها الانتخابي، ومشددًا في الوقت ذاته أن مساعي إزاحة النقيب السابق طارق النبراوي نبعت من دوافع ثأرية شخصية للسيطرة على النقابة مما يدل على أن تداعيات أزمة 30 مايو لا تزال قائمة.
ويرتكز برنامج عبد الغني على شعار حماية المهندس متضمنًا وعودًا بضخ 200 مليون جنيه لدعم الرعاية الصحية ورفع سقف التغطية العلاجية إلى 100 ألف جنيه مع توفير كارت طوارئ فوري إلى جانب صياغة رؤية تشريعية تضمن زيادات عادلة ومستدامة للمعاشات التي كان آخر قرار بخصوصها رفعها إلى 2500 جنيه. كما يولي عبد الغني اهتمامًا خاصًا بأصول النقابة وثرواتها داعيًا إلى إدارتها بحكمة لتحقيق أقصى استفادة منها مع الالتزام التام بعدم التصرف فيها إلا بموافقة الجمعية العمومية.
وفي المقابل يخوض مرشح التيار الحكومي هاني ضاحي غمار الانتخابات رافعًا شعار نقابة أكثر عدلًا وكفاءة من أجل مهندس أقوى حيث يطرح برنامجه خطة طموحة لتطوير المعاشات، عبر إقرار زيادات دورية تواكب معدلات التضخم إلى جانب إعادة هيكلة صندوق التكافل الاجتماعي لضمان سرعة الاستجابة للحالات الطارئة بشفافية وعدالة.
ويشمل برنامجه أيضًا الارتقاء بمنظومة العلاج عبر زيادة مساهمة النقابة في التكاليف وتوسيع شبكة التعاقدات الطبية مع التركيز على التحول الرقمي لتيسير حصول المهندسين على الخدمات، وتخفيف الأعباء الإدارية. وإلى جانب ذلك تتعهد قائمة ضاحي بتطوير قانون الدمغة الهندسية لزيادة الموارد ومنع التسرب المالي، فضلًا عن إعادة هيكلة أصول النقابة واستثماراتها وفق معايير الحوكمة لتحويلها إلى كيانات اقتصادية رابحة تخدم جموع المهندسين.
تحديات الإقبال ومآلات الانتخابات
ورغم الأهمية البالغة لهذه الانتخابات وتجاوز عدد المهندسين المسجلين المليون عضو يظل الإقبال على الجمعيات العمومية ضعيفًا للغاية إذ لا يتعدى الحضور في أفضل الأحوال 40 ألف مهندس، وفي الجمعية العمومية الحالية بالكاد تجاوز العدد 22 ألفًا ببضع مئات.
ويفسر الدكتور حماد عبد الله، هذه الظاهرة بأن النقابة نشأت في الأساس ككيان خدمي عام 1946 لتوفير مقبرة لأحد المهندسين، ومنذ ذلك الحين ارتبطت في أذهان الكثيرين بخدمات الرعاية الصحية والمعاشات، ورحلات الحج والعمرة، مما يجعل المهتمين بهذه الخدمات هم الفئة الأبرز التي تحرص على الحضور.
ويوضح حماد، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن النقابة فقدت جزءًا كبيرًا من جاذبيتها بعد تراجع دورها في إصدار تراخيص المكاتب الاستشارية وبيوت الخبرة التي تقلص عددها بشدة من 800 مكتب إلى 400 مكتب بسبب الضرائب وإسناد المشروعات الحكومية بالأمر المباشر، بينما لا تتجاوز بيوت الخبرة 40 بيتًا فقط، وهو الرأي الذي يشاركه فيه عبد الكريم آدم مؤكدًا ضعف تواصل النقابة مع أعضائها وخاصة الشباب.
وبالنظر إلى مآلات هذا الاستحقاق الانتخابي يتوقع الدكتور حماد أزمة إدارية وشيكة بغض النظر عن هوية الفائز، فقائمة هاني ضاحي تعج برؤساء الشركات غير المتفرغين للعمل النقابي، الذين أصبح بعضهم أعضاء في المجالس النيابية، مما سيصعب عليه إدارة النقابة رغم كفاءته المعهودة، وفي المقابل سيعاني محمد عبد الغني في حال فوزه من غياب التوافق مع مجلس يسيطر عليه التيار المنافس.
ويرى حماد أن التصويت العقابي ضد ضاحي قد يرجح كفة مرشح تيار الاستقلال حيث يمكن للأصوات التسعة آلاف التي ذهبت للمرشحين الخاسرين في الجولة الأولى، أن تصنع الفارق لصالح عبد الغني، خاصة أن ضاحي اعتمد بشكل كبير على الحشد الذي وفره رؤساء الهيئات والأعضاء المكملون في الجولة الأولى، وهو حشد يصعب ضمان تكراره في جولة الإعادة بعد أن ضمن هؤلاء مقاعدهم، ولعل سيناريو انتخابات 2022، يمثل خير دليل على ذلك عندما حشد ضاحي 18 ألف صوت في الجولة الأولى مقابل تسعة آلاف للنبراوي، لتنتهي جولة الإعادة بفوز النبراوي في نهاية المطاف.
وأمام هذه التحديات المتراكمة المتمثلة في ضرورة تعديل قانون النقابة وتنمية الموارد المعطلة المعتمدة على مليم عن كل طن حديد وأسمنت واشتراكات الأعضاء وإدارة الاستثمارات المتعثرة منذ سنوات في مجالات المقاولات والإنتاج والاستثمار الزراعي بسبب غياب التسليم المؤسسي بين المجالس المتعاقبة، يبقى التساؤل قائمًا حول قدرة أصوات المرشحين الخاسرين على حسم المعركة لتيار الاستقلال أو نجاح التيار الحكومي في الثأر وإحكام سيطرته بالكامل، غير أن الثابت الوحيد هو أن نقابة المهندسين مقبلة على مرحلة إدارية حرجة ومحفوفة بالانقسامات والتحديات الكبيرة.