"فوجئ الزوج بعد عودته من العمل بعدم وجود زوجته في المنزل. ذهب إلى المطبخ فلم يجد الطعام، ودخل غرفته فوجدها كما كانت في الصباح غير مرتبة. حاول الاتصال بها، فلم ترد. وبعد فترة، جاءت زوجته إلى المنزل لتخبره أنها قررت تقديم استقالتها من العمل لأنها تتعرض لتمييز فيه، فهي تعمل مع زميلها في المكتب نفس ساعات العمل وتؤدي ذات المهام، ولكنه يتقاضى أجرًا أكثر منها.
سألها الزوج: "لماذا لم تقومي بمهام المنزل؟". ردت: "قررت أن أعطي نفسي إجازة، فهذا حقي فأنا أعمل مثلك، ونساهم معًا في مصروف البيت، وأتولى بمفردي أعباء المنزل، ولا أجد تقديرًا ولا اعترافًا بما أقوم به من جهد في المنزل والعمل".
هذه الحالة ليست فردية، بل واقع تعيشه النساء في كل دول العالم، التي تقوم في أغلب الدول بمعظم الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، بينما تقضي النساء في مصر 81.4% من وقتهن في ممارسة الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة مقارنةً بـ18.6% فقط للرجال، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
قضاء النساء كل هذا الوقت داخل البيت يعرقل مشاركتهن في نواحي الحياة الأخرى، ويقيد حركتهن في التنقل خارجه، في حين يتمتع الرجال بمساحة أكبر للحركة والتنقل. كما لا يُعترف بجهدها هذا، حيث لا يقدر الرجال قيمة الأعباء المنزلية التي تقوم بها النساء من طهي وتنظيف وكي ورعاية أطفال أو مسنين أو ذوي وذوات إعاقة، بينما يحصل الرجال على امتيازات وسلطة وهيمنة في اتخاذ القرار داخل المنزل.
وتبرر الممارسات التمييزية التي يقوم بها الرجال تجاه النساء تحت دعوى أنه "رجل البيت" المسؤول عن الإنفاق على الأسرة، في حين أن النساء أيضًا يعملن في سوق العمل مثلهم ويساهمن في مصاريف الأسرة. لكن يغفل المجتمع هذا الجهد المضاعف الذي تقوم به المرأة، ويهمش من أجل احتفاظ الرجال بالامتيازات والسلطات التي يمنحها لهم المجتمع.
الدوران الإنجابي والإنتاجي
هذا التمييز الواضح الذي تتعرض له النساء داخل المنزل، يؤثر أيضًا على فرص العمل المتاحة لهن، حيث يتعرضن لممارسات تمييزية في فرص التوظيف والأجر والترقي، ما يعمق الفجوة الجندرية بين النساء والرجال. فوفقًا لـإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2023، سجل معدل البطالة الإجمالي 6.3%، ويبلغ معدل البطالة للرجال 4.8% مقارنة بمعدل بطالة 12.8% للنساء.
تُظهر الأرقام هنا مدى اتساع الفجوة النوعية في البطالة التي تقترب من ثلاثة أضعاف للنساء مقارنة بالرجال، ويرجع السبب في ذلك إلى ممارسات تمييزية صارخة، حيث يرفض أغلب أصحاب الأعمال تشغيل السيدات بسبب دور الرعاية الذي تقمن به في المنزل، إذ تُسألن عند التقدم للوظيفة عن حالتهن الاجتماعية (متزوجة – مخطوبة – لديها أطفال). كما لا يرغب أصحاب الأعمال في تحمل التزاماتهم المنصوص عليها في التشريعات، بشأن منح النساء إجازات الوضع ورعاية الطفل وساعة الرضاعة وتوفير دور الحضانة.
من خلال عملي على ملف قضايا العمل، التقيتُ العديد من العاملات، ومن بين الممارسات التمييزية التي تتعرض لها النساء ما حدث لإحدى الموظفات في شركة مياه غازية، حيث حصلت على إجازة رعاية طفل، وخلال فترة الإجازة أعلنت شركتها عن تدريب يتعلق بمهام العمل التي تقوم بها الموظفة، فطلبت حضور التدريب لأنه مرتبط بفرص الترقي. لكن الشركة رفضت وطلبت منها قطع الإجازة إذا كانت ترغب في الحصول على التدريب، ويُعد هذا تمييزًا غير مباشر لأنه لا يراعي ظروف الموظفة، واستبعادها من التدريب له أثر سلبي على فرص الترقي.
كما أن أغلب جهات العمل الحكومية والخاصة لا توفر دورًا للحضانة للأطفال، وأيضًا في القطاع الخاص لا يُلتزم بتطبيق ساعة الرضاعة التي يجب أن تحصل عليها الأم لمدة عامين.
بينما تنص معايير العمل الدولية على ضرورة أن تسمح ظروف العمل للعاملة بالحصول على حقها في ساعة الرضاعة، وأيضًا الحصول على ساعات عمل مرنة للعامل والعاملة تمكنهم من القيام بأدوار الرعاية داخل الأسرة سواء رعاية الأطفال أو المسنين أو ذوي وذوات الإعاقة.
وتسعى توجيهات منظمة العمل الدولية حول حماية الأمومة إلى ضمان رفاه الأمهات والمواليد الجدد، والقضاء على عدم المساواة في المعاملة في العمل بسبب دورهن الإنجابي، وتعزيز مبدأ المساواة في الفرص والمعاملة بين المرأة والرجل.
التمييز غير المباشر
ثمة أشكال أخرى من التمييز تتعرض لها النساء في العمل، منها فرض جهة العمل مواصفات محددة لملابس النساء، مثل عدم ارتداء غطاء الرأس أو إلزامهن بوضعه، أو تحديد مواصفات الزي من دون أن يكون هذا مرتبطًا بطبيعة مهام الوظيفة. وهذا تمييز لأنه يترتب عليه فقد النساء للوظيفة لأن هذا الشرط يتعارض مع مبدأ ديني أو اجتماعي أو ثقافي، وتُحرم من فرصة عمل كانت مناسبة لها ولخبرتها وكفاءتها.
ووفقًا لأدبيات منظمة العمل الدولية، يشير التمييز غير المباشر إلى المواقف أو الإجراءات أو الممارسات التي تبدو محايدة ظاهريًا، ولكنها في الواقع تُلحق ضررًا بأفراد من فئة معينة. ويُعدّ هذا النوع من التمييز، نظرًا لطبيعته الخفية، الأصعبَ في مواجهته.
وقد تعرضت كاتبة هذا المقال لهذا النوع من التمييز غير المباشر أثناء تنفيذ برنامج تدريبي مع النقابات في أسوان، وكانت درجات الحرارة تتجاوز الأربعين، فاقترحت على المتدربين والمتدربات أن تكون الجلسات مسائية. بادر المتدربون (الرجال) بالموافقة، بينما اعترضت المتدربات. وبسؤالهن عن السبب، جاءت الإجابات بأن أسرهن لن تسمح لهن بالخروج ليلًا، ويسكن بعضهن في قرى ويصعب توفير وسائل مواصلات عند العودة من التدريب، وتضطر المتدربات للسير على الأقدام حتى دخول القرى، وهذا يعرضهن للانتقادات من أهالي القرية بسبب عودتهن ليلًا.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | عن المناضلة الشيوعية وداد متري | فكر تانى

يبدو من ظاهر الإجراء أنه محايد والغرض منه التقليل من أضرار ارتفاع درجات الحرارة، لكن في ذات الوقت يترتب عليه استبعاد المتدربات من حضور التدريب.
تتعرض النساء لأعباء نفسية وصحية في ظل عمل يومي يصل لحوالي 16 ساعة أو أكثر، بين ورديتي عمل داخل وخارج المنزل، وفي المكانين هي غير مُقدَّرة وتتعرض لأشكال عدة من التمييز. ولا يجب أن يستمر هذا الاستنزاف البدني والنفسي للنساء، ويجب على الحكومة العمل على تطبيق سياسات تخفف الأعباء عنهن من خلال إعادة التوزيع العادل للأدوار داخل الأسرة، وتوفير الخدمات التي تحتاج إليها الأخيرة بما يسمح لكل من النساء والرجال بالقيام بأدوارهم في المنزل والعمل دون تمييز.
وأطراف العملية الإنتاجية (أصحاب الأعمال والنقابات والحكومة ممثلة في وزارة العمل) مسؤولون أيضًا عن تحقيق ذلك، فالممارسات التمييزية داخل أماكن العمل تؤثر سلبًا على أوضاع علاقات العمل داخل الشركة وعلى القدرة الإنتاجية للعامل/ـة.
ما العمل؟
مناهضة التمييز ليست أمرًا هينًا، فهو متجذر في مجتمعنا وتغذيه الأطر الثقافية والاجتماعية التقليدية النمطية. ولمناهضة التمييز، لا يزال الطريق طويلًا ونحتاج إلى أطر مؤسسية تستطيع تقديم حزمة متكاملة من التدخلات. وفي هذا الإطار تحقق في عام 2014 مكسب دستوري مهم، حيث نصت المادة 53 على تجريم التمييز والحض على الكراهية، وإنشاء مفوضية مستقلة تعمل على القضاء على التمييز بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.
وسوف يكون أمام المفوضية مهام بالغة الصعوبة والتعقيد في رصد أشكال التمييز المباشرة وغير المباشرة، ووضع السياسات والإجراءات التي تضمن تحقيق تكافؤ الفرص وتقسيم عادل للأدوار في المنزل، والعمل على التوسع في توفير مراكز خدمة المرأة العاملة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، وتطوير الخدمات المقدمة من أطعمة وتوفير عاملات منازل وجليسات مسنين وذوي وذوات الإعاقة، على أن تتاح هذه الخدمات في جميع المحافظات بتكلفة وجودة مناسبة. بالإضافة إلى إجراء التعديلات التشريعية الخاصة بأدوار الرعاية في قوانين العمل، منها منح إجازة رعاية الطفل للنساء والرجال، وتعديل تشريعي للمادة الخاصة بدور الحضانة في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 لتتيح للأب والأم اصطحاب أطفالهم إلى دور الحضانة، وتفعيل دور مكاتب التفتيش في وزارة العمل في رصد أشكال التمييز المبني على النوع، والعمل على رفع الوعي بمبادئ المساواة بين الجنسين الصادرة عن منظمة العمل الدولية.