في منتصف شهر فبراير الماضي أعلن مدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عدم ترشحه لدورة ثالثة في انتخابات المؤتمر العام المقرر عقده أوائل شهر أبريل المقبل. وبينما يترجم هذا القرار التزامًا واضحًا بمبدأ ديمقراطي علمت منصة "فكر تاني" أن المنافسة على خلافته تنحصر تمامًا بين أربعة أسماء تنتمي جميعها إلى رعيل القيادات التاريخية والقديمة للحزب.
وجاء هذا القرار التزامًا باللائحة الداخلية للحزب التي تقصر تولي المناصب القيادية على دورتين فقط وتماشيًا مع الحملة التي شنها الحزب في الانتخابات الرئاسية الماضية تحت شعار "مدتين كفاية" وهي المبادرة التي أطلقها في أكتوبر 2023 لمقاطعة تلك الانتخابات.
وتعود جذور هذا التوجه إلى تاريخ الحزب الذي تأسس عام 2011 في أعقاب ثورة يناير، حيث عُقد مؤتمره الأول في مارس 2012، وأسفر عن فوز القيادي اليساري عبد الغفار شكر برئاسته، وفي ديسمبر 2015، تقدم شكر باستقالته ليتولى الزاهد منصب القائم بأعمال رئيس الحزب، واستمر في موقعه حتى انعقاد المؤتمر الثاني في أكتوبر 2017 الذي شهد انتخابه رسميًا، ثم جُددت الثقة فيه خلال المؤتمر الثالث في نوفمبر 2021 ليبقى في منصبه حتى الآن.
وبانتهاء المدة الثانية للزاهد، التي اتسمت بقيادة خالية من الصراعات على المناصب، فُتح الباب أمام قيادات جديدة لتولي الدفة، ليبقى السؤال الأبرز يدور حول هوية من سيخلفه في هذا المنصب.
المرشحون الأربعة لقيادة الحزب
في هذا السياق، كشفت مصادر حزبية مطلعة لـ "فكر تاني"، أن هناك أربعة مرشحين يُعدون الأقرب للتنافس على مقعد الرئاسة، وهم نائب رئيس الحزب طلعت فهمي، ورئيس مجلس الأمناء الدكتور زهدي الشامي، والباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، والباحث ممدوح حبشي، وجميعهم يمثلون أعضاء بارزين في المكتب السياسي.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن هذه الأسماء المطروحة تنتمي إلى القيادات التاريخية والكوادر الأساسية التي كان لإسهاماتها دور جوهري في ترسيخ العمل التنظيمي والفكري للحزب منذ مرحلة التأسيس وحتى يومنا هذا.
ويبرز اسم طلعت فهمي كأحد أقوى المرشحين، حيث يعتبره الكثيرون الأوفر حظًا بفضل تاريخه التنظيمي الممتد منذ نشأة الحزب، ومشاركته الفاعلة في إشهاره وبناء هياكله الأولى.
وما يعزز من فرصه هو توليه منصب الأمين العام لدورتين متتاليتين، قبل أن يصبح نائبًا لرئيس الحزب في الدورة الأخيرة، مما أكسبه خبرة واسعة في إدارة العمل الداخلي وبناء علاقات قوية مع القواعد الحزبية والقيادات الوسطى.
وإلى جانب ذلك، يرى مؤيدوه أن خبرته في العمل الجبهوي والتنسيق مع الحركة المدنية الديمقراطية والقوى المختلفة ستكون عنصرًا حاسمًا في توسيع دائرة التحالفات السياسية خلال المرحلة القادمة.
وعلى المسار ذاته، يظهر الدكتور زهدي الشامي كمرشح قوي يمتلك ثقلًا فكريًا واقتصاديًا، إذ ساهم في صياغة العديد من رؤى الحزب وبرامجه، ويشغل حاليًا رئاسة مجلس الأمناء، كما كان مسؤولًا عن تقديم التقرير السياسي للدورة الحالية.
ورغم أن أنصاره يعولون على خبرته الفكرية وقدرته على صياغة المواقف السياسية لمنحه فرصة تنافسية قوية، تواجه ترشحه بعض الملاحظات من داخل الحزب تتعلق بتمركزه الجغرافي ونشاطه المكثف في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، مما قد يشكل تحديًا عمليًا أمام المتطلبات الإدارية والإعلامية التي تستوجب تواجدًا مكثفًا في العاصمة القاهرة لمتابعة العمل اليومي.
أما المرشح الثالث، إلهامي الميرغني، فيُعد من أبرز الوجوه الفكرية ونائبًا لرئيس الحزب الحالي، وقد ترك بصمة واضحة في تطوير النشاط الثقافي من خلال إعداد الكراسات الفكرية والمجلة الحزبية وتنظيم الصالون السياسي، فضلًا عن إسهاماته البحثية الواسعة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك، تشير المصادر إلى أن ظروفه الصحية قد تؤثر على قدرته في تحمل الأعباء التنظيمية الثقيلة المرتبطة بمنصب الرئاسة، وذلك على الرغم من استمرار نشاطه الفكري والتنظيمي المدعوم من كوادر الحزب المختلفة.
وفيما يخص الباحث ممدوح حبشي، فإنه يتميز بدور محوري في تطوير علاقات الحزب الخارجية والتواصل مع القوى السياسية التقدمية عربيًا ودوليًا، مع تركيزه الدائم على القضايا الإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ورغم أن هذه الخبرة تمنحه إضافة مهمة ومكانة خاصة، ترى بعض الأصوات الداخلية أن استمراره في إدارة ملف العلاقات العربية والدولية قد يخدم الحزب بصورة أفضل من انتقاله إلى موقع إداري يتطلب تفرغًا كاملًا لإدارة الشؤون التنظيمية الداخلية.
الديمقراطية الداخلية والقيادة الجماعية
وتعليقًا على هذا الحراك المتصل، يوضح علي سليمان، عضو اللجنة المركزية للحزب، في حديثه لـ "فكر تاني"، أن الحزب يخوض تجربة ديمقراطية بالغة الأهمية تتعلق بتداول القيادة، وتحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام المهتم بالشأن الحزبي.
وتكتسب هذه التجربة زخمها، وفق سليمان، من قرار مدحت الزاهد بالتخلي الطوعي عن منصبه، مما يجسد التزامًا عمليًا بمبدأ تداول السلطة وشعار "مدتين كفاية" الذي طالما نادى به ودافع عنه طوال السنوات الماضية. ويضيف عضو اللجنة المركزية أن تطبيق الزاهد لهذا المبدأ على نفسه "يعزز مصداقية الخطاب السياسي للحزب، ويفتح المجال أمام كوادر تمتلك تاريخًا يمتد لثلاثة عقود من العمل العام والخبرات الواسعة لتقديم نموذج إيجابي يضمن استمرار العمل المشترك والحفاظ على الوحدة التنظيمية للحزب بدعم متبادل بين جميع المرشحين".
وتتوافق رؤية سليمان مع تأكيدات مدحت الزاهد نفسه عن تماسك الحزب واعتماده الثابت منذ تأسيسه على مبدأ القيادة الجماعية في آليات اتخاذ القرار. فقد أوضح الزاهد لـ "فكر تاني" أن نجاح الحزب في عقد ثلاث مؤتمرات عامة واستعداده للرابع، يمثل خطوة فريدة ومهمة في مسار العمل الحزبي في مصر.
وأشار إلى أن مخرجات هذه المؤتمرات ووثيقة التحالف الأساسية تشكل إطارًا مرجعيًا ملزمًا وبوصلة توجه العمل الحزبي لتعبر عن الإرادة الجماعية بعيدًا عن الارتباط بشخص بعينه. وأضاف أن "الحزب لم يشهد خلال مسيرته صراعات سياسية حادة بين خطوط متعارضة"، مبينًا أن الاختلافات الموجودة طبيعية وتندرج ضمن الأمور التكتيكية وأساليب العمل دون المساس بالمبادئ الأساسية، ليختتم تصريحاته بالتأكيد على أن قدرة الحزب في إدارة التنوع هي الضمانة الحقيقية لاستمرار مشروعه السياسي.
تمثيل جيل الوسط وتجديد الدماء
تتكشف مفارقة واضحة بين الإنجاز الديمقراطي النظري للحزب والتحديات العملية على أرض الواقع. فبينما يسجل "التحالف" نقطة مضيئة في الحياة السياسية بالتزام رئيسه بإنهاء ولايته وتفعيل مبدأ تداول السلطة يبرز تناقض ملموس في طبيعة البدائل المطروحة لوراثة هذا المقعد، حيث إن الأسماء الأربعة المرشحة تنتمي جميعها إلى الرعيل الأول والقيادات التاريخية التي تجاوزت عقودها الثلاثة في العمل العام، مما يضع الحزب أمام تساؤل حقيقي حول مدى جديته في تجديد دمائه وتمكين جيل الوسط والشباب فعليًا.
ويشدد هيثم الحريري، النائب السابق وعضو المكتب السياسي الذي أعلن عدم ترشحه للرئاسة، على ضرورة توسيع تمثيل جيل الوسط داخل أروقة الحزب.
وصرح لـ "فكر تاني" بأن "التوافق الفكري يجمع المرشحين المحتملين الذين ينتمون لجيل سياسي واحد ذي تاريخ نضالي ممتد"، مضيفًا أن "التحدي الفعلي يتجاوز مجرد اختيار قيادة جديدة ليمتد إلى كيفية إدارة انتقال الأدوار وتسليم الراية تدريجيًا لجيل جديد".
واقترح الحريري لتحقيق ذلك "زيادة تمثيل الشباب في المكتب السياسي وتجديد الدماء في أمانات المحافظات، وهو ما سيسهم في تنشيط العمل الحزبي وجذب أعضاء جدد لمواجهة تحدي ضعف العضوية الذي تعاني منه الأحزاب بشكل عام".
ومن جانبه، اعتبر عبد الناصر إسماعيل، عضو المكتب السياسي، أن نهاية فترة رئاسة الزاهد تمثل تطورًا طبيعيًا وصحيًا في مسيرة العمل الحزبي.
وقال لـ "فكر تاني" إن المفهوم الشائع بربط المؤسسات بالشخصية القائدة "يتنافى تمامًا مع طبيعة الأحزاب اليسارية القائمة أساسًا على العمل الجماعي والقيادة المؤسسية". وأشار إلى أن الزاهد نجح في الحفاظ على تماسك الحزب بدعم من المكتب السياسي واللجنة المركزية خلال مرحلة اتسمت بتراجع العمل السياسي وتقييد الأصوات والأزمات المتتالية، لافتًا إلى أن التحدي الراهن يتمثل في فتح مساحات أوسع للعمل السياسي. واختتم حديثه بالكشف عن النقاشات الواسعة التي جرت حول اختيار الرئيس الجديد، مبينًا أن اسمه كان مطروحًا ضمن المرشحين لتولي المنصب، غير أنه فضل عدم خوض هذا السباق.
ومع إيثار إسماعيل استبعاد اسمه من قائمة الترشح تتركز المنافسة فعليًا بين القيادات الأربعة المطروحة لحسم هذا الملف الإداري في المؤتمر العام المرتقب. وسينتقل التحدي المتمثل في محاولة فتح مساحات للعمل السياسي، الذي أشار إليه إسماعيل، ليكون المهمة الأبرز أمام الرئيس القادم.