تاء فاعلة | لماذا نلوم ضحايا التحرش ونبرئ الجناة؟

ما زالت نسمة، رغم بلوغها الرابعة والعشرين، تتذكر بوضوح رعب الأيام التي أمضتها في بيت الجيران، تلعب مع أقرانها، من دون أن تعي أن عناية جارهم الزائدة بها، تحرش ممنهج يمارسه في غفلة من الأخرين.

تقول نسمة التي تتحفظ "فكر تاني" على هويتها، إن جارهم وصديق أبيها كان مصدر ثقة -"كان مثل أخ لأبي"- دعت أهلها لتركها تلعب لفترات طويلة رفقة أبنائه، لأنها طفلة وحيدة، خاصة وأنهم يسكنون البناية ذاتها، لذلك لم تفهم، ربما حتى اليوم، سبب التعنيف الشديد الذي تعرضت إليه، عندما "دخل بابا، فلقاني قاعدة على حجرة، ضربه بالقلم ووقعه على الأرض، وشالني لحد البيت، وهو بيزعق ويضرب فيّ، ولما وصلنا كملت ماما عليَّ واتهمتني بأني قليلة الأدب".

وبينما تجاهد نسمة لتجاوز تبعات ما حدث معها في الطفولة، يؤذيها، ربما أكثر من التحرش نفسه، لوم أهلها لها، الذي ترك في داخلها شعورًا بـ"العار"، ما تزال تعاني لتجاوزه نفسيًا وأسريًا، "حتّى بعدما كبرت وواجهت عائلتي بما حدث أصروّا أنّ العيب فيا".

وتتقاطع هذه المعاناة الفردية مع حوادث عامة مشابهة، فقد شغلت واقعة التحرش بفتاة أتوبيس المقطم الرأي العام خلال الأسابيع الماضية، وانقسمت الآراء حولها بين داعم للفتاة، ومندد بفعلتها تضامنًا مع الرجل، الذي ظهر، بعد إخلاء سبيله بكفالة مالية، رفقة والده على قناة الشمس الفضائية، حتى قبل انتهاء التحقيقات والبت في الواقعة، مما أدى لاحقًا إلى وقف المذيعة وبرنامجها عن العمل.

وفي الوقت نفسه، نشرت الفتاة المعتدى عليها ما يصلها من رسائل سب وقذف وتشهير وصلت إلى حد التهديد بـالقتل. ورغم ذلك، خرج بعض المشاهير والشخصيات العامة للتضامن مع الجاني عبر السوشيال ميديا، ومنهم مطرب المهرجانات حسن شاكوش، الذي ألقى باللائمة على مظهر الفتاة وزينتها. وقد لاقت رسالته تفاعلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، ليستمر الانقسام على منصات العالم الرقمي التي طغت فيها نبرة ذكورية تدافع عن الجاني وتبرر أفعاله في حين تدين الضحية وتلومها.

وقد دفع هذا المشهد 11 مؤسسة ومنظمة حقوقية وعشرات الشخصيات العامة إلى إدانة ما اعتبروه، في بيان مشترك، تصاعدًا خطيرًا لحملات ممنهجة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، تهدف لتبرير التحرش ولوم الضحايا، ما يؤدي، حسبهم، إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب ويهدر حق الضحية التي تعاقب مرتين، وتذهب الأمور أبعد من ذلك حين تشعر الضحية نفسها بأنها الجاني.

ويطرح ذلك تساؤلًا جوهريًا عن الدوافع التي تقود إلى تبرير التحرش وإلقاء اللوم على الضحية بدلًا من تجريم الفعل.

ثقافة لوم الضحيّة

يرجع أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق فجاجة التحرش إلى طغيان الثقافة الذكورية لدى الكثير من الطبقات، وهي ثقافة محملة بالاستعلاء على المرأة والتحقير منها. و"لا يمكن وضع هذا التوجه إلا في إطار العنف الصريح والعدوانية ضد المرأة، حيث يعتبر البعض وجودها في المجال العام مبررًا للاعتداء عليها، تزامنًا مع انتشار نظرة تقليدية تحصر دورها في المنزل".

ويضيف صادق خلال حديثه مع فكر تاني أنّ "أهم أسباب استمرار الظاهرة انتشار ثقافة لوم الضحية، حيث تُحمَّل المرأة مسؤولية ما تتعرض له بسبب ملابسها أو سلوكها، وتستخدم تفسيرات دينية متشددة لتبرير الاعتداء، بدل التركيز على مفاهيم مثل غض البصر واحترام الآخر".

ويشير صادق إلى ما سمّاه بـ "التضامن الذكوري" الذي يحمي المتحرشين، حيث يتضامن بعض الرجال مع الجاني لأنهم يتبنون الثقافة ذاتها، وأحيانًا تشارك بعض النساء في تبرير العنف بدافع التشبع بالقيم الذكورية نفسها أو الخضوع لها، منتقدًا دور الإعلام الذي يسيء للضحايا أو يمنح الجناة مساحة تبرير، مثلما حدث من قبل في قضية فتاة المول، ومع نيرة أشرف، ما يعكس، بحسبه، خللًا مجتمعيًا ومؤسسيًا.

ويحمّل صادق الدولة مسؤولية التراخي الأمني وضعف القوانين وعدم تفعيلها، مطالبًا بتشريعات رادعة وآليات حماية فورية ومحاسبة المسؤولين من الجهات المعنية، مؤكدًا أن غياب الردع يعمّق الإحساس بانعدام الأمان، ويؤثر على عمل النساء وحياتهن اليومية، وهو ما يؤثر على المجتمع بأكمله وليس النساء فحسب.

أكبر من سلوك فردي

ولا تقع النساء وحدهن ضحية للتحرش، فهناك الكثير من الرجال الذين يذوقون مرارة هذا الانتهاك في صغرهم، غير أن هذه القضية تعد من المحرمات التي لا يُسمح مجتمعيًا بالحديث عنها.

وهذا ما يؤكده ضياء البالغ من العمر سبعة وثلاثين عامًا، الذي تعرض للتحرش في صباه لفترة طويلة من عمه، الذي كان يشاركهم المسكن. ويشارك ضياء قصته موضحًا أنه عندما كان في التاسعة من عمره "أخبرت أبي بتصرفات عمه، لكنه ضربني وكذبني، واتهمني بأن مظهر غير منضبط، وأنه لا يوجد رجل يقول عن نفسه ذلك"، واستمر الأب طوال الوقت يعامله على أنه يفتقر للرجولة.

وقد مثل ذلك الانتهاك نقطة محورية في علاقة ضياء الزوجية التي انتهت بالطلاق بسبب عدم قدرته على التعايش مع أعبائه النفسية أو البوح بها. وحتى بعدما قرر خوض تجربة العلاج النفسي، أنهاها سريعًا لأن صوت والده كان يلاحقه من الداخل ويشكك في رجولته باستمرار.


اقرأ أيضًا:تاء فاعلة| حين تُصلب النساء على خشبة التمييز والوصم | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني
تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني

 

 

 

 

 

 


وفي إطار تفسير هذه المواقف، تلخص ندى نشأت، مديرة برنامج المشاركة العامة للنساء بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، ظاهرة تبرير جرائم التحرش داخل الأسرة بما تصفه بحالة الإنكار الجماعي.

وتوضح في حديثها لـ"فكر تاني"، أن أول رد فعل عند طرح اتهام باعتداء من قريب يكون متمثلًا في الخوف على سمعة العائلة، أو استبعاد قيام الأخ بمثل هذا الفعل، وهذا الرفض للتصديق لا ينبع فقط من الثقة في القريب، وإنما يعكس عجزًا نفسيًا عن استيعاب أن شخصًا يُفترض أنه مصدر للأمان، يمكن أن يتحول إلى جانٍ.

وتشير مديرة برنامج المشاركة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية، إلى أن لوم الضحية يكاد يكون رد الفعل الأكثر شيوعًا سواء كان المعتدى عليه فتاة أو صبيًا، حيث يوجه الأهل في كثير من الحالات الاتهام لمن تجرأ على الكلام، وليس لمن ارتكب الفعل. وتضيف أن بعض الضحايا أنفسهم يدخلون في حالة إنكار نتيجة الصدمة، فيلجؤون إلى إعادة تعريف ما حدث أو استبعاده تمامًا من وعيهم كآلية دفاع نفسي.

وتنتقد ندى الخطاب المجتمعي الذي يتعامل مع الجاني وكأنه مسلوب الإرادة، حيث تُلقى المسؤولية على ملابس الضحية أو سلوكها وكأن الجريمة مجرد نتيجة لاستفزاز خارجي. معتبرة أن هذا التبرير المستمر يهدف بالأساس إلى الحفاظ على صورة المجتمع باعتباره مجتمعًا شريفًا، عبر اختزال الوقائع في كونها حالات فردية لا تعكس ظاهرة أوسع.

أما على المستوى القانوني فتقول ندى نشأت، أن العقوبات في النصوص تبدو صارمة، غير أن الإشكالية تكمن في إجراءات الإثبات خاصة في الجرائم التي تقع داخل البيوت بعيدًا عن الشهود، فمع غياب الدليل المادي وتأخر الإبلاغ يصبح إثبات الجريمة جنائيًا أمرًا شديد التعقيد مما يضعف فرص المحاسبة. وتلفت الانتباه إلى أن وصمة الشرف تمثل عائقًا كبيرًا أمام الإبلاغ، حيث تخشى الأسر من التصاق الفضيحة بالعائلة بأكملها، وترى أن هذا الفهم المختل يربط الشرف بجسد الضحية، في حين أن الجاني هو من يجب أن يُسأل أخلاقيًا ومجتمعيًا. مشددة على ضرورة فتح حوار جاد بين المجتمع ومؤسسات العدالة لتطوير آليات التحقيق والإثبات، مع إقرار تشريعات فعالة لمناهضة العنف بما يعيد الثقة في القانون كمسار للإنصاف بدل اللجوء إلى الحلول العرفية أو حملات منصات التواصل الاجتماعي.

الصمت مقابل الوصم

ورغم ارتفاع نسب التحرش الجنسي في مصر، فإن المسكوت عنه يفوق بكثير ما يعلن عنه بحسب تقارير حقوقية دولية تشير إلى أن الكثير من ضحايا التحرش يفضلون الصمت خوفًا من الوصم الاجتماعي.

وقد كشفت أحداث ثورة 25 يناير وما تبعها من تجمعات كبيرة وقع خلالها بعض حوادث التحرش الفجة، عن انعدام أمان النساء في الأماكن العامة. وهذا الواقع يفسر الأرقام الواردة في تقرير نشرته هيئة الأمم المتحدة المعنية بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة 2013، واصفة الظاهرة بالخطيرة والمقلقة ومستعرضة إحصاءات أشارت إلى أن 99.3% من النساء المصريات تعرضن لشكل من أشكال التحرش الجنسي.

ويناقش أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم الدكتور عبد الحميد زيد، هذه الأزمة من زاوية القيم الاجتماعية، التي تنعكس عبر هذا السلوك، ويربط الظاهرة بخلل قيمي ومؤسسي مزدوج قائم على ضعف آليات الردع الاجتماعي والقانوني، مما ينتج بيئة تطبع السلوك المنحرف وتبرره عوضًا عن إدانته.

ويقول زيد لـ"فكر تاني" إنه لا يوجد أي تبرير منطقي أو أخلاقي للتحرش، و"تكمن المشكلة الأساسية في أن الجاني لا يعتبر فعله خطأ داخل سياقه الثقافي. فالسلوك الطبيعي تحدده منظومة القيم التي يتعلمها الفرد داخل الأسرة والمجتمع، وهذه القيم تشكل معيار الخطأ والصواب لديه، وعندما تبرز ظاهرة كهذه فإنها تعكس خللًا عميقًا في المعيار على المستوى الجمعي وليس على المستوى الفردي فقط".

ويشرح أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن غياب عنصر الضبط الاجتماعي بشقيه الرسمي المتمثل في القانون والعقوبات وغير الرسمي المتمثل في رقابة المجتمع وتدخله، يضعف عوامل الردع لممارسة سلوك التحرش، وبذلك يترسخ السلوك مع استمرار الممارسة دون عقاب رادع، ليتم التطبيع معه بمرور الوقت.

التعرض للمحتوى الإباحي

وفي إطار سرد الشهادات الواقعية، تتذكر كنزي البالغة من العمر 23 عامًا مدى الانتهاك الذي استشعرته، وكيف تعامل المارة معها ببرود حين اقترب منها شاب ولمسها بشكل مفاجئ قبل أن تصرخ من الصدمة. حدث ذلك خلال جولتها للتسوق في منطقة الأزهر، ليغادر المتحرش ضاحكًا ومطلقًا كلمات بذيئة استفزتها ودفعتها لملاحقته.

وتحكي كنزي لـ"فكر تاني"، كيف تعامل الناس ببلادة شديدة مع الحدث، فقد نظروا إليها وكأنها فاقدة للعقل، "حتى أن سيدة مسنة نصحتني بالصمت والستر والبقاء في المنزل"، بينما ردد آخرون عبارات التهدئة المعتادة. قائلة إنه "لو حاول أحدهم سرقة مالها لتصدى له الجميع بضراوة، أما انتهاك جسدها فقد تم التعاطي معه وكأنه أمر عادي".

وتمثل التنشئة الاجتماعية القائمة على التمييز الجندري محورًا هامًا في غرس قيم تعلي من شأن الذكورة على حساب الأنثى، ففي الوقت الذي تضطر فيه الفتاة لحمل أعباء ثقيلة مثل شرف العائلة وغيرها من المفاهيم على عاتقها، يبقى الذكر قيمة مجتمعية في حد ذاته، ولا يخضع سلوكه لدرجة الضبط والمساءلة نفسها وتترك الأنثى لتتحمل العواقب وحدها. وتوضح أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، الدكتورة سوسن فايد، أن تبرير التحرش لا يمثل سلوكًا فرديًا، وإنما هو سلوك ناتج عن شبكة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تصنع مجتمعة مناخًا مهيئًا لحدوثه واستمراره.


اقرأ أيضًا: تاء فاعلة| عزيزي المتحرش.. هل جربت يومًا أن تعيش في جلد امرأة؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني
صميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

 

 

 

 

 

 

 


وتربط أستاذة علم النفس، في تصريحات لـ"فكر تاني"، بين التنشئة الأسرية وفكرة تبرير التحرش حين يُربى الذكور على أنهم بمنأى عن الخطأ، فتُحمل الفتاة مسؤولية إثارة الغرائز بسبب مظهرها، وهو تفسير غير موضوعي ناتج بالأساس عن ضعف الوعي وانعدام مهارات ضبط النفس.

وتشير فايد إلى تأثير التعرض الواسع للمحتوى الإباحي، وما قد يصاحبه من إدمان يضعف الوعي، ويزيد من تحرك الغرائز على حساب العقل. وتعلق على قصور المنظومة التعليمية، قائلة إنها لا تقوم بدورها المأمول في تنمية التفكير النقدي وإعمال العقل، فضلًا عن افتقار المجتمع لمشروع ثقافي حقيقي يواجه تلك الظاهرة التي استحالت عبئًا اجتماعيًا وثقافيًا يفوق الاحتمال.

وفي إطار الإحصاءات الرسمية لتقريرها عن العنف الجنسي ضد النساء، وثقت مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة عام 2023، مئات الحالات من العنف الموجه ضد النساء شملت عشرات الحالات من التحرش، بينما تنوعت البقية بين الاعتداء والاغتصاب والقتل. وفي العام نفسه، صدر تصديق رئاسي على قانون جديد غلظ عقوبات التحرش في الأماكن العامة وأماكن العمل ووسائل المواصلات مع إقرار درجات عقوبة أشد تصل إلى السجن لمدد أطول وغرامات مالية رادعة لمن تثبت بحقه التهمة.

ورغم التعديلات التشريعية وتغليظ العقوبة، رصد تقرير المؤسسة لعام 2024، ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التحرش لتصل إلى 182 ضحية تركزت أغلبها في القاهرة والجيزة، ووقعت في الأماكن العامة ووسائل المواصلات.

واعتبرت الدكتورة سوسن فايد هذا الارتفاع دليلًا قاطعًا على أن تغليظ العقوبة وحده ليس رادعًا كافيًا، مشيرة إلى الأهمية القصوى للثقافة الدينية كعامل ردع أخلاقي. وتستنكر في الوقت ذاته غياب الدور الفعال للمؤسسات الدينية والإعلامية في تبني خطط مدروسة لمواجهة الظاهرة، لافتة إلى قصور واضح لدى متخذي القرار في الاستناد إلى الأبحاث والدراسات العلمية عند صياغة السياسات الرامية لعلاج المشكلة من جذورها.

ثقافة استباحة النساء

وتدعم هذه الرؤية دراسة موسعة عن العنف القائم على النوع الاجتماعي أجرتها منظمة الأمم المتحدة، حيث أقر أكثر من نصف الرجال المشاركين بأنهم مارسوا التحرش بأشكاله المختلفة، مبررين ذلك بملابس النساء التي تثير غرائزهم وتجعلهم يعتبرون أن مظهرًا معينًا للمرأة يمثل إشارة ضمنية منها لتقبل استباحة جسدها، وهو تبرير يعكس بوضوح شعورًا زائفًا بالتفوق يجعل من الأنثى كائنًا أقل شأنًا.

وتجسد داليا البالغة من العمر 29 عامًا، هذا الواقع الأليم من خلال تجربتها مع مشرف رسالة الماجستير الذي حاول التحرش بها مرارًا، وعندما قاومته لجأ إلى ابتزازها بشكل صريح، طالبًا إقامة علاقة مقابل منحها الدرجة العلمية، مما أثر بشدة على مسيرتها الأكاديمية وأطاح بجهودها الدراسية واستنزف صحتها النفسية لسنوات.

وتسرد داليا لـ"فكر تاني"، تفاصيل محنتها موضحة أن "المشرف طلب مني الأمر بوضوح، وأخبرني، أن ذلك طريقي الوحيد لاجتياز الرسالة". وتضيف أنها وقفت عاجزة عن التصرف لعدم قدرتها على البوح لأهلها فاختارت ترك الجامعة، مما أصابها بصدمة نفسية حادة تجاه الدراسة والتعامل مع الرجال في أي مجال عام.

وفي تحليل أعمق لهذه السلوكيات، تشير أستاذ مناهج علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة عزة فتحي، إلى أن ثقافة التحرش تمثل جزءًا صغيرًا من منظومة قيم بالية يتبناها بعض الرجال على نطاق واسع في دول الشرق الأوسط. وهي منظومة تعلي من مكانة الرجل وتكرس ثقافة ذكورية تؤطر العلاقات الاجتماعية وتُمرر من خلالها قيم تحط من شأن المرأة وتسلبها حقوقها، وهو ما يمكن تلخيصه بدقة تحت مسمى استباحة النساء.

وتضيف فتحي، لـ"فكر تاني"، أن هذه الثقافة "تتغذى على أنماط اجتماعية متوارثة في الريف والحضر على حد سواء، ويعاد إنتاجها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام، التي تنقسم عادة بين فريق يبرر الفعل بإلقاء اللوم على الضحية، وفريق آخر يدافع عنها، موضحة أن غياب الحسم القانوني الرادع وضعف منظومتي التعليم والثقافة يسهمان بقوة في استمرار هذه الآراء الذكورية، محذرة من خطورة بعض الأعمال الدرامية التي تكرس "صورة الرجل المستبيح وتعيد رسم صور مشوهة للعلاقات غير السوية".
وتدحض فتحي تمامًا وجود أي منطق خلف تبرير التحرش بمظهر الضحية، قائلة إن هذا المبرر يمثل "حجة واهية ضمن الثقافة الذكورية، والدليل على ذلك تكرار الاعتداءات التي طالت محجبات ومنتقبات وأطفالًا صغارًا، وكل هذا لا يمكن فهمه إلا تحت مظلة ثقافة الاستباحة التي تمنح الجاني شعورًا ضمنيًا بأحقيته وإفلاته من المحاسبة".

وبين مأساة نسمة التي كبرت وهي تحمل شعورًا بالعار عن جريمة لم تقترفها، ومعاناة ضياء الذي ظل صوت التشكيك في رجولته يطارده بعد سنوات من الألم، وصدمة كنزي من برود المارة الذي فاق وجع الاعتداء، وخسارة داليا التي دفعت ثمنًا باهظًا من مستقبلها الأكاديمي لرفضها الابتزاز، تتكشف أمامنا صورة بالغة القتامة تتجاوز مجرد كونها وقائع تحرش متفرقة. إنها صورة تعكس بوضوح كيف يتحول الاعتداء عندما يجد من يبرره أو يصمت عنه إلى جرح طويل الأمد في حياة الضحايا. فالتحرش لا ينتهي أبدًا عند لحظة الانتهاك، وإنما يمتد ليزرع الخوف والعار ويفرض جدارًا من الصمت على الضحايا، بينما ينجو الجناة أحيانًا بالدعم أو التشكيك في روايات المتضررين. وبينما يستمر الجدل حول مظهر الضحية أو سلوكها، تتوارى الحقيقة التي تؤكد أنه لا شيء يبرر الاعتداء على جسد إنسان.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة