خلصت ورقة بحثية جديدة إلى أن بقاء أي نظام سياسي غير مشروط بوجود حزب حاكم مركزي، لافتة إلى إمكانية إعادة توزيع وظائف الحزب عبر ترتيبات شبكية تبقي مركز القرار الفعلي خارج البنية الحزبية تمامًا.
وتهدف الورقة، التي أعدها الباحث محمد سعد، إلى اختبار أثر غياب الحزب الحاكم المركزي وما إذا كان يعكس تحولًا مستدامًا في إدارة المجال السياسي، أو يمثل مرحلة انتقالية قابلة لإعادة التشكل وفقًا لتغير السياقات الاقتصادية والسياسية المستقبلية، وتسعى كذلك للإسهام في النقاش الدائر حول أنماط التنظيم السياسي في الأنظمة غير الليبرالية عبر دراسة حالة مصر وتوظيفها كنموذج لإعادة تعريف دور الحزب ذاته داخل معادلة السلطة عوضا عن اعتبارها مجرد حالة تعاني من غياب لحزب حاكم.
استقرار النظام وتفكيك المركزية الحزبية
وأوضحت الورقة، الصادرة عن منصة فكر تان، أن طبيعة التنافس السياسي في البلاد تحولت جذريًا من صراع تقليدي على السلطة إلى صراع على إثبات القرب منها.
حيث ترى الدراسة، التي حملت عنوان «من الحزب المهيمن إلى التنافس الأفقي على الولاء.. إعادة تصميم المجال الحزبي في مصر»، أن النظام السياسي في مصر استقر منذ عام 2014 على معادلة سلطوية واضحة المعالم من حيث مركزية السلطة التنفيذية. مشيرة إلى أنه لم يعد إلى أحد أهم أعمدته التقليدية المتبعة في حقبة ما قبل 2011، والمتمثلة في تجربة الحزب الوطني الديمقراطي، الذي مثل طوال عقود وعاء تنظيميًا جامعًا. ولم تشهد السنوات التالية لإسقاطه محاولة حقيقية لإعادة إنتاج نموذج مماثل رغم مرور أكثر من عقد على التحول السياسي الذي أعقب ثورة يناير 2011.
وأوضح الباحث محمد سعد أن ورقته تجادل في أن ما حدث بعد عام 2011 لم يكن مجرد انهيار لحزب حاكم واستبدال أحزاب أخرى به. معتبرًا أن ما جرى كان تفكيكًا هيكليًا لنموذج الحزب الحاكم ذاته بوصفه صيغة تنظيمية لإدارة السلطة.
واتجهت إدارة المجال الحزبي نحو نمط أكثر مرونة يقوم على تعدد قنوات المشاركة وفتح المجال أمام كيانات حزبية موالية متعددة عوضًا عن إعادة إنتاج حزب مركزي واحد.
اقرأ أيضًا: ورقة بحثية جديدة: برلمان 2026.. محددات التأثير على الأجندة التشريعية
ويضيف سعد أنه يمكن فهم التحول الذي شهدته مصر بعد 2011 بوصفه انتقالًا مباشرًا من التنافس داخل الحزب الحاكم إلى التنافس على إثبات الولاء داخل شبكة سياسية أوسع.
ولا تفترض الورقة وجود تعددية تنافسية بالمعنى الديمقراطي الشامل ولا تفترض كذلك وجود فراغ حزبي كامل في المشهد العام.
وتسعى الدراسة لتحليل إعادة تصميم العلاقة بين السلطة التنفيذية والأحزاب بعد 2011 من خلال قراءة مؤسسية لتطور قوانين الانتخابات وبنية البرلمان في الدورات المتعاقبة لسنوات 2015 و2020 و2025 وطبيعة التعدد الحزبي القائم حاليًا.
المنهجية المتبعة والتحليل الهيكلي للمؤسسات
قسم الباحث ورقته إلى عدة أطر ويندرج تحت الإطار الأول المفاهيمي والمنهجي مفهوم التفكيك الاستراتيجي من الحزب إلى الشبكة ومفهوم التنافس الأفقي مقابل التنافس العمودي، ثم استعراض الفرضيات التفسيرية.
وأوضح سعد في الإطار الثاني اعتماده على دراسة تحليلية تستخدم عدة أدوات بحثية منها التحليل المؤسسي والتحليل البنيوي لتركيبة البرلمان المصري ثم التتبع التاريخي للأحداث.
وقال الباحث إن الورقة لا تسعى لتقييم درجة الديمقراطية أو الحرية السياسية في البلاد ولا تعتمد على مقابلات سياسية مباشرة مع الفاعلين. وتركز الدراسة مجهودها على التحولات المؤسسية الظاهرة والقابلة للرصد بما يضمن بقاءها في إطار تحليل بنيوي متماسك يسهم في تقديم تفسير منطقي لتحول غياب الحزب الحاكم بوصفه إعادة تصميم متعمدة للعلاقة بين السلطة والتنظيم السياسي.
محطات تاريخية ونتائج السيطرة البرلمانية
رصدت الورقة تطور الحياة الحزبية منذ قيام الجمهورية في الخمسينيات وحل الأحزاب وتأسيس نظام يقوم على تنظيم سياسي جامع حتى عودة التعددية الحزبية المقيدة عام 1978.
وتطرقت الدراسة إلى مرحلة هيمنة الحزب الوطني ثم سقوطه المدوي في يناير 2011 حيث شهد المجال الحزبي انهيارا واختبارا لنموذج الحزب الأيديولوجي المنضبط.
وكشفت الورقة بوضوح تام عدم ظهور أي اتجاه لإعادة تأسيس حزب حاكم جامع على غرار الحزب الوطني أو إحياء نموذج الحزب العقائدي المهيمن. وأشارت الدراسة إلى أن النظام السياسي استعاد تماسكه تدريجيا بعد عام 2013 بينما اتجهت عملية إعادة بناء المجال الحزبي نحو نمط يعتمد على إدارة التعدد عوضا عن توحيده وتوزيع قنوات المشاركة عوضا عن تركيزها في إطار تنظيمي واحد.
ولم تغفل الورقة رصد نتائج انتخابات مجلسي النواب والشيوخ وسيطرة أحزاب الموالاة عليهما في الدورات البرلمانية لسنوات 2015 و2020 و2025. وتضم هذه الأحزاب المهيمنة وفقا لمعطيات الورقة البحثية أحزاب مستقبل وطن وحماة وطن والشعب الجمهوري لتؤكد نجاح النظام في تثبيت أركانه عبر أذرع متعددة.
للاطلاع على الورقة البحثية اضغط هنا.