لم تتلق إخطارًا رسميًا لسماع أقوالها، ولم يُعلق اسمها على لائحة اتهام أمام قاعة محكمة، لكن محاكمتها جرت على نحو آخر، كان يكفي أن تتحول إلى سيرة يرددها الجالسون على طاولة في مقهى شعبي، أو حكاية تتسلل همسًا بين الموظفين، أو يستهدفها تعليق عابر على السوشيال ميديا، لتبدأ جلسة محاكمة بلا قضاة أو شهود أو حق في الدفاع، فالمسافة بين العيب والوصم أقصر من أن تمنح امرأة -حتى لو كانت ضحية- فرصة للنجاة.
ثمة محاكمات لا تُعقد في قاعات رسمية، ولا تُوثق بمحاضر مختومة، لكنها أشد وقعًا وأقسى أثرًا، هي محاكمات تدار بالشائعات وتقتات على النميمة، وتبنى على الظنون لا الوقائع، فتصبح فيها السمعة مسرحًا للتجريح العلني، محاكمات تقف فيها النساء وحدهن يطالبن بالبراءة من أجسادهن وأصواتهن وضحكاتهن وملابسهن واختياراتهن في الحياة.
خلال أشهر أظنها متعاقبة، تَفجرت عدة وقائع موجعة طالت أشخاصًا يعملون في المجال العام والصحافة والعمل التنموي، بعد توجيه اتهامات لهم بالتحرش والاعتداء الجنسي بحق فتيات قاصرات ونساء بالغات، لتضع وجوهًا مألوفة تحت أضواء كاشفة لم يكن كثيرون يتوقعونها.
في شهادات الضحايا، التي اطلعت على معظمها، وتلقيت بعضها بشكل شخصي، تتكرر التفاصيل ذاتها بوضوح لا يقبل الشك، وتسرد الشاكيات قرائن دامغة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها، ورغم كل ذلك تظل كثير من هذه الأوجاع مجرد شهادات حبيسة الصدور، مكبلة بالخوف والوصم، ومطوقة بثقافة رجعية تميل إلى مساءلة الضحية بدلًا من محاسبة الجاني.
ففي مجتمع تُنصب فيه المحاكمات الجائرة بالشوارع والميادين، وعلى نواصي الصحف والمواقع، تصبح المرأة هدفًا مستمرًا للأحكام القاسية قبل أن تُمنح فرصة لسماع أقوالها، ويتحول جسدها وصورها وملابسها وطبيعة عملها إلى أدلة وأحراز، ويكون اللوم والوصم حكمًا نهائيًا وباتًا لا يقبل الاستئناف.
الصمت.. الملاذ الوحيد
قالت في حزم، ولكن بصوت هامس لا يخلو من ألم -بعد جلسة مصارحة اطلعت خلالها على أدلة تثبت تورط إحدى الشخصيات الشهيرة في أوساط السياسة والصحافة بالتحرش الجنسي وممارسة العنف النفسي والابتزاز ضدها- حين حاولت استيعاب قلقها وإقناعها باللجوء إلى القضاء، "لن أنجو من الفضيحة.. ستحاصر أهلي، وتهدد علاقتي بأبنائي، وربما أفقد عملي".
التقيت تلك السيدة الثلاثينية قبل نحو سبع سنوات في تدريب خارج مصر، ولم تبد لي أبدًا بهذا القدر من الضعف الذي رأيته في عينيها ذلك اليوم، فقد كان الخوف من الوصم يثقل حضورها، ويصدع صلابة شخصيتها، ليكشف حجم المعاناة التي يمكن أن تهز أقوى النفوس، وتصيبها بهشاشة لا يمكن إخفاؤها.
لم تكن تلك السيدة تخشى المواجهة بقدر ما كانت تخشى تبعاتها، فالثمن قد يكون باهظًا ويكلفها فقدان علاقتها بأسرتها أو ترك عملها أو تشويه سمعتها، فطريق العدالة في مثل تلك القضايا بمجتمعنا ليس مفروشًا بالحماية، بل محفوفًا بالمخاطر الأسرية والخسارات الشخصية، ولهذا يصبح الصمت أحيانًا الملاذ الآمن الوحيد، والباب الخلفي الذي يسمح للجناة بالتهاون والتمادي.
الأزمة الكبرى أن آثار الندبات النفسية التي تعانيها الضحايا قد لا تقتصر على الصدمة الفردية، بل تمتد وتتعمق وتتقاطع مع تمييز مجتمعي يسارع بمعاقبة الضحية قبل محاسبة المعتدي، ليصبح الألم النفسي جزءًا من شبكة اضطهاد أوسع تتشابك فيها السلطوية مع الثقافة الذكورية والأعراف الاجتماعية، لتحقيق انتصار وهمي على حساب عدالة القضية، وكرامة الضحايا، وحقهن في الأمان والحماية والإنصاف.
اختلال موازين القوة
وبخلاف التأثيرات السلبية التي تطال الصحة النفسية للنساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي بكافة أشكاله، جاءت دراسة حديثة نُشرت عام 2024 بعنوان "Women’s Experiences of Sexual Harassment and Reductions in Well-Being and System Justification"، لتتناول القضية من زاوية أكثر عمقًا، إذ لم تكتف بتوصيف الألم، بل سعت إلى قياس تكلفة التعرض للتحرش الجنسي على مشاركة النساء وتصوراتهن عن عدالة المجتمع وطبيعة العلاقات بين الجنسين، حيث أظهرت النتائج أن النساء اللواتي أبلغن عن تعرضهن للتحرش الجنسي شهدن انخفاضًا ملحوظًا في مستوى الرفاه، تمثل في تراجع الرضا عن الحياة، وزيادة الضغوط النفسية، بالتوازي مع انهيار تصوراتهن بأن العلاقات بين الجنسين والمجتمع بشكل عام، قائمة على أسس عادلة ومنصفة.
وتشير الدراسة إلى أن تجارب التحرش الجنسي قد تدفع الضحايا إلى مسارين متباينين، فبعضهن قد يلجأن إلى تبرير الواقع القائم كآلية دفاع نفسية تساعدهن على التكيف مع بيئة غير عادلة، بينما يقود هذا النمط من الانتهاكات أخريات إلى فقدان ثقتهن في عدالة العلاقات بين الجنسين وفي نزاهة المجتمع ككل، واستخلصت هذه النتائج أن التحرش الجنسي ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل ممارسة عدائية تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية وتكرس اختلال موازين القوة، وبالتالي فإن عواقبه الجسدية والاجتماعية والاقتصادية على الضحايا تتجاوز حدود الأوجاع النفسية لتصل إلى تعطيل طاقاتهن وعرقلة مشاركتهن الكاملة والمتساوية في المجتمع.
وتحمل هذه النتائج دلالات بالغة الأهمية لفهم ما إذا كانت التجارب العدائية التي تمر بها النساء، سواء تحرش جنسي أو عنف جسدي أو تمييز، تقتصر آثارها على نطاقها المباشر، أم أنها تمتد لتحدث تصدعًا أعمق داخل الذات، ليصبح الضرر متجاوزًا حدود التجارب الفردية وممتدًا إلى تأثيرات أوسع تؤدي إلى إضعاف مشاركة المرأة بفاعلية في الحياة الاجتماعية والعملية والسياسية، بما يمس النسيج المجتمعي بأكمله.
ولذلك يظل أخطر ما في هذه القضايا، ليس الجريمة نفسها، بل في البيئة التي تسمح لها بأن تتكرر في صمت، وتدفع الضحايا إلى الاختباء خلف جدران الخوف والوصم، فمعظم الضحايا لا يخشين التحدث لعدم القدرة على المواجهة، بل لخوفهن من مجتمع سيحاكمهن ويعاقبهن قبل أن يسمعهن، وفي هذا السياق، يصبح الصمت خيارًا وحيدًا، ليس اختيارًا شخصيًا، بل نتيجة حتمية لبنية اجتماعية مختلة الموازين.
إن العدالة الحقيقية لا تتجسد داخل ساحات المحاكم وحدها، بل تبدأ من مجتمع يتمتع بوعي يقظ لرفض هذه السلوكيات العدائية ومحاسبة الجناة، وثقافة مستنيرة تحمي الضحايا وتدافع عن حقوقهن وتوفر لهن الأمان والحماية، بدلًا من تحويل معاناتهن إلى مادة للنميمة والشك أو الإدانة المسبقة، مجتمع يعترف بأن الشجاعة في مواجهة الظلم لا يجب أن تكون عبئًا على الضحايا بل وسيلة لتحقيق العدالة والإنصاف.