في الوقت الذي أعلن فيه مجلس النواب التشكيل الجديد للمجلس القومي لحقوق الإنسان، كان المجلس الحالي برئاسة السفير محمود كارم يضع اللمسات النهائية على مسودة الاستراتيجية الجديدة التي يسعى لإعدادها بالتعاون مع عدد من الحقوقيين والخبراء، في مقدمتهم المحاميان الحقوقيان نجاد البرعي وأحمد راغب.
كان مجلس النواب وافق في جلسته العامة، الإثنين الماضي، على التشكيل الجديد برئاسة مساعد وزير الخارجية الأسبق لحقوق الإنسان أحمد إيهاب جمال الدين، واختار عضو المجلس الحالي والبرلماني السابق محمد أنور السادات نائبًا له، وفي اليوم التالي مباشرة كان الحقوقيون على موعد لمناقشة الاستراتيجية الجديدة المقترحة للمجلس.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب انتقادات حادة واجهتها الحكومة المصرية بشأن الأداء في ملف حقوق الإنسان خلال شهر يناير الماضي في مدينة جنيف السويسرية، وذلك ضمن الدورة الرابعة للمراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان بالأمم المتحدة. وقد تحدث الوفد المصري برئاسة وزير الخارجية بدر عبد العاطي عن التزام القاهرة بالتفاعل مع الآليات الدولية وحرصها على الانفتاح وتبادل الخبرات لتعزيز المنظومة الحقوقية، في حين شهدت الجلسات توصيات ودعوات من المشاركين لتعديل التشريعات وتعزيز الحريات العامة وتحسين أوضاع السجناء السياسيين، وتزامن ذلك مع إشادة ممثلي دول أخرى بالإصلاحات القانونية والمبادرات الاجتماعية المصرية. ووسط هذا التباين، يعمل المجلس القومي لحقوق الإنسان على صياغة استراتيجيته الجديدة بمشاركة منظمات حقوقية محلية ودولية من بينها الاتحاد الأوروبي.
ملامح الاستراتيجية الجديدة
بعد انتهاء فترة عمل الاستراتيجية السابقة للمجلس في العام الماضي 2025، انطلق العمل لصياغة مسودة جديدة خضعت لنقاشات موسعة مع خبراء مستقلين ومؤسسات حقوقية فاعلة للخروج بمقترحات عملية. وحول تفاصيل هذه المناقشات، أوضح المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام، أن المسودة استندت إلى مرتكزات أساسية كالدستور والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية.
وأضاف في حديثه إلى "فكر تاني" أن العمل انصب على بحث التشريعات الضرورية لدعم المجلس وتطوير آليات الرصد وتلقي الشكاوى، إلى جانب التركيز على التثقيف ونشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع.
وتتكون الاستراتيجية المقترحة، وفقًا لما أدلى به بعض ممن حضروا المناقشات لـ"فكر تاني"، من أكثر من مئة وعشرين صفحة تضم ثلاثة فصول أساسية ومقدمة ومفتتحًا. وقد استعرض المفتتح البيئة السياسية والحقوقية وتأثيرها على عمل المجلس، فضلًا عن دوره المنصوص عليه في الدستور وقانون إنشائه وتعديلاته. وفي هذا السياق، أشار المحامي الحقوقي ومدير مركز عدالة للحقوق والحريات محمد الباقر، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن المسودة ركزت بشكل مكثف على الحقوق السياسية والمدنية، مثل الحق في الحياة وسلامة الجسد وحرية التنقل والمغادرة والعودة، إضافة إلى الحق في المحاكمة العادلة وحرية التعبير ومنع التمييز والعمل الأهلي والحرية الشخصية. واعتبر الباقر أن من الإيجابي عدم تركيز المسودة على الحقوق الاقتصادية وتركها للحكومة، نظرًا لضعف الميزانية المخصصة للمجلس.
تحديات الواقع الحقوقي
يتزامن هذا الحراك مع رصد لتطورات الملف الحقوقي في مصر، الذي شهد حالة من التفاؤل عقب إعلان رئيس الجمهورية رعايته للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في عام 2021، وما تلاها من خطوات تمثلت في عدم تمديد إعلان حالة الطوارئ وتفعيل لجنة العفو الرئاسي والدعوة لحوار وطني شامل والإفراج عن العديد من النشطاء. غير أن هذه الخطوات ترافقت مع إصدار قانون الإجراءات الجنائية وتوقف عمليات الإفراج عن المعارضين غير المتورطين في قضايا عنف، وهو ما جعل أجزاء من المسودة تصف الوضع الحالي لحقوق الإنسان في مصر بالجمود بعد فترة من التفاؤل.
وفي خضم هذه التحديات، برز التشكيل الجديد للمجلس المكون من 27 عضوًا، الذي اعتبره بعض المشاركين في صياغة الاستراتيجية تشكيلًا متوازنًا، مع التأكيد على أن فاعليته ترتهن بالأساس بالمساحة المتاحة للعمل وفقًا للإرادة السياسية.
وتتطرق المسودة أيضًا إلى العقبات المتوقعة خلال فترة عمل المجلس والمتمثلة في المناخ السياسي ومدى استعداد أجهزة الدولة لتطبيق الاستراتيجية ونشر الوعي الحقوقي. وقد قال نجاد البرعي لـ"فكر تاني" إن المجلس بتشكيله الجديد واستراتيجيته سيمارس مهامه عمليًا وفق القدرات والظروف المتاحة أمامه، مشددًا على أن الأولوية حاليًا هي لفتح مساحات العمل أمامه وممارسة أنشطته، بينما تقع مسؤولية تحسين الأوضاع بالأساس على عاتق الحكومة.
وتتسق رؤية البرعي مع ما كشف عنه مصدر حضر مناقشات الثلاثاء لـ"فكر تاني"، مبينًا أن المسودة تسعى لتعزيز دور المجلس من خلال ترسيخ التعاون والتكامل مع مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والمجتمع المدني لتنسيق الجهود الحقوقية.
وتبرز هنا مساعٍ حثيثة لتعزيز آليات تلقي الشكاوى والمتابعة الميدانية بمعايير تتسم بالعدالة والشفافية. ومن هذا المنطلق يرى عبد السلام أن المجلس مطالب دائمًا بالتحرك الميداني والتواصل المباشر مع الضحايا والمحتجزين السياسيين ومتابعة الشكاوى والتنسيق مع السلطات والمنظمات المستقلة، معتبرًا أن التشكيل الجديد متزن رغم ضمه مجموعة كبيرة من الأسماء التي لم يكن لها دور بارز سابقًا في الأوساط الحقوقية.
آفاق المستقبل والدور المنتظر
في ضوء كل ما سبق، تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تفعيل الدور الاستشاري للمجلس في مراجعة التشريعات والسياسات العامة لضمان توافقها مع الدستور والاتفاقيات الدولية. ويتفق عدد من حضور النقاشات على أن الاستراتيجية والمجلس الجديد ليسا نهاية المطاف ولن يكونا الفيصل الوحيد في تقييم أداء الأعضاء الجدد. وفي هذا الإطار يأمل الباقر أن يلعب المجلس دورًا أكبر في الإصلاح التشريعي بما يتوافق مع الدستور والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر، وأن يقدم رؤية واضحة حول هذه الإصلاحات إلى جانب رصد المخالفات الحقوقية بفاعلية بدلًا من الاكتفاء بانتظار الشكاوى.
وكذلك يرى المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير أن أداء المجلس يرتبط طرديًا بمساحة العمل المتاحة والإرادة السياسية ونوع الخطاب المتبنى، معربًا عن أمله في أن يدرك أي شخص في المجلس الجديد حجم الخسارة الناتجة عن تراجع دوره في السنوات الماضية، وأن يدفع باتجاه جعله منفتحًا ومرتبطًا بقضايا حقيقية على الأرض.
وتبقى المسودة في النهاية مجرد أفكار تنتظر التطبيق العملي الذي سيكون المعيار الحقيقي للحكم على أداء المجلس القومي لحقوق الإنسان خلال السنوات المقبلة. وكان المجلس قد أصدر أحدث تقاريره حول الأوضاع في مصر عن الفترة الممتدة من الأول من يوليو 2024 حتى الثلاثين من يونيو 2025، متطرقًا إلى انتهاكات شملت حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز، وملف الحبس الاحتياطي في بعض القضايا مع المطالبة بمراجعة العقوبة وتوسيع التدابير البديلة، فضلًا عن الإشارة لاستمرار وجود صحفيين رهن الحبس أو التحقيق في قضايا رأي. ورغم أن التقرير يشير إلى وجود جوانب إيجابية فإن الواقع العملي لا يزال يطرح تحديات تتطلب معالجات أعمق، وهو ما يتوافق تمامًا مع رؤية الباقر والحقوقيين الآخرين بأن الكلام المدون على الورق جيد، غير أن التقييم النهائي يجب أن ينتظر الأداء الفعلي على الأرض.