ورقة بحثية جديدة: برلمان 2026.. محددات التأثير على الأجندة التشريعية

كشفت ورقة بحثية حديثة عن وجود خلل بنيوي في ترتيب أولويات الأجندة التشريعية لمجلس النواب المصري (برلمان 2026)، مشيرة إلى انحياز وظيفي واضح لصالح إقرار "التشريعات الإجرائية والإدارية" التي تخدم الجهاز التنفيذي للدولة، وذلك على حساب "التشريعات الهيكلية" المرتبطة بشكل مباشر بالأمن الاجتماعي والمطالب الملحة المنبثقة عن الحوار الوطني.

وتسلط الورقة التي أعدتها الباحثة أسماء عرفة، وصدرت عن منصة "فَكّر تاني"، الضوء على ابتعاد المؤسسة التشريعية عن القضايا الأكثر ضغطًا على استقرار المجتمع، والتي كان ينبغي أن تتصدر أجندتها.

غياب الرقابة على "السياسات الكبرى"

وفيما يخص الدور الرقابي، أوضحت الدراسة التي حملت عنوان "برلمان 2026: محددات التأثير على الأجندة التشريعية، ما هي أبرز القوانين الشائكة تحت قبة برلمان 2026؟" أن البرلمان افتقد لترتيب أولوياته الرقابية بفاعلية. فعلى الرغم من الكثافة العددية في تقديم طلبات الإحاطة، ارتكزت أغلبيتها الساحقة على معالجة مشكلات "محلية وخدمية" ضيقة.

وفي المقابل، غابت الرقابة الحقيقية عن "السياسات الكبرى"، مثل مراجعة آليات ومواعيد سداد الدين الخارجي، ومراقبة أداء الصناديق السيادية بشفافية ووضوح، وهو ما يضع مجلس النواب، بحسب الورقة، في معزل عن التحديات الاقتصادية الاستراتيجية التي تواجه الدولة.

سياق اقتصادي ضاغط وبيئة إقليمية مشتعلة

وتنعقد الدورة التشريعية الحالية لمجلس النواب في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ملموسة. وتتجسد هذه الضغوط في استمرار معدلات التضخم، وزيادة المديونية بشقيها الداخلي والخارجي، وتفاقم عجز الموازنة العامة، إلى جانب الحاجة الماسة لجذب استثمارات أجنبية مباشرة لسد الفجوة التمويلية. وتلقي هذه التحديات بظلالها الكثيفة على مستويات المعيشة، ما يفرض على البرلمان مسؤولية عاجلة لإقرار حزمة تشريعات محفزة توازن بين مستهدفات النمو المالي وتوفير مظلة حماية اجتماعية للمواطنين.

وعلى الصعيدين السياسي والإقليمي، تشير الورقة إلى أن البرلمان الجديد خرج من رحم حالة سياسية وصفتها بـ"شبه منغلقة"، وعملية انتخابية شابتها طعون ومخالفات. ويتزامن هذا مع بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تحيط بمصر أزمات مشتعلة من الشرق والغرب والجنوب، فضلًا عن التطورات الجيوسياسية في لبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، في ظل تنامي طموح الكيان الإسرائيلي للسيطرة على الشرق الأوسط. وتشير الباحثة إلى أن هذه التقاطعات تمس الأمن القومي المصري مباشرة، وتفرض على المجلس أدوارًا فاعلة وأولويات جديدة.

تمدد رجال الأعمال وتراجع العمال

وحللت الدراسة التركيبة السياسية والاجتماعية لـ"الغرفة الأولى" (مجلس النواب)، راصدة هيمنة كاسحة للأحزاب المقربة من الحكومة على أغلبية المقاعد. وفي موازاة ذلك، سجل المستقلون حضورًا بواقع 105 مقاعد (بنسبة 18%)، بينما حصدت ثمانية أحزاب معارضة 53 مقعدًا (بنسبة تقارب 10% من الأعضاء المنتخبين)، إضافة إلى 28 عضوًا تم تعيينهم بقرار رئاسي.

وعلى مستوى الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة على الأجندة التشريعية، وثقت الورقة صعودًا ملحوظًا لفئة رجال الأعمال، سواء المنتمين للأحزاب أو المستقلين، وذلك على حساب التواجد التقليدي لفئتي العمال والفلاحين. وتشغل فئة رجال الأعمال وأصحاب المشروعات الكبرى ورؤساء مجالس إدارات الشركات ما بين 22% إلى 25% من المقاعد، فيما تشير بعض المصادر التي أوردتها الدراسة إلى احتمال وصول هذه النسبة إلى 35% من إجمالي مقاعد المجلس.

مجلس الشيوخ وتآكل "الثنائية البرلمانية"

وبالانتقال إلى "الغرفة الثانية"، مجلس الشيوخ، الذي بدأ فصله التشريعي الثاني فعليًا في أكتوبر 2025، رصدت الباحثة تمثيلًا ملموسًا للفئات النوعية، حيث تشغل المرأة حوالي 11% من المقاعد بواقع 32 عضوة تقريبًا (منهن 12 سيدة معينة بقرار رئاسي)، كما يضم المجلس 16 شابًا من مختلف الأحزاب (بينهم 4 معينين).

لكن التحليل المقارن بين الغرفتين يظهر عدم وجود اختلاف جوهري في بنية تركيبة النخبة البرلمانية في المجلسين. وتفسر الورقة هذا التماثل بأنه قد يخلق حالة من "التناغم التشريعي المسبق" والانسجام السياسي الذي يقلل من احتمالية الصدام حول مشروعات القوانين. ولكنها تحذر في الوقت ذاته من أن هذا التقارب وغياب التناقض قد يؤدي إلى "تآكل الوظيفة الرقابية لمبدأ الثنائية البرلمانية"، مما قد يفرغ العمل التشريعي من ديناميكيته المطلوبة.

منهجية علمية لاستشراف تطلعات الشارع

اعتمدت الدراسة في إطارها النظري على "مدخل النسق السياسي" (Political System) لعالم السياسة ديفيد إيستون، والذي ينظر إلى العمل التشريعي كنتاج تفاعل مستمر بين المؤسسة التشريعية وبيئتها، متعاملًا مع القضايا المطروحة كدورة حياة كاملة.

كما استخدمت الباحثة مقاربات تحليل النخبة البرلمانية والسلوك التصويتي، مدعومة بالمنهج الوصفي التحليلي (Descriptive Analytical Approach)، لرصد القوانين والملفات الشائكة المنتظرة، مثل قانون الكهرباء وقانون الإيجار القديم.

وتخلص الورقة البحثية في النهاية إلى أن التحدي الأكبر أمام برلمان 2026 لا يقتصر على توثيق أدائه التشريعي، بل يكمن في اختبار قدرته الحقيقية على الاستجابة لتطلعات الشارع، وصياغة عقود اجتماعية جديدة توازن بين متطلبات التنمية واستقرار السلم المجتمعي، بعيدًا عن هيمنة المصالح الضيقة وتوجهات السلطة التنفيذية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة