تُعدّ التنظيمات النقابية -أو الاتحادات المهنية- أحد أهم أشكال التنظيم داخل المجتمع المدني الحديث، إذ تمثل في جوهرها إطارًا مؤسسيًا يجمع أصحاب المصلحة في مهنة معينة للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك تحسين معايير الممارسة المهنية في حالة النقابات المهنية. والأصل هو أن تدافع النقابات عن مصالح المنتمين لها في مواجهة أصحاب الأعمال وأيضًا في مواجهة الحكومة، أو في مواجهة التشريعات التي يعتقدون أنها مجحفة أو تضر بمصالحهم.
ووفق التعريفات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي، فإن النقابة تنظيم طوعي مستقل ينشئه الأعضاء لتحقيق مصالح مشتركة، بما يشمل التفاوض الجماعي، وتحسين شروط العمل، وتقديم الخدمات، والمشاركة في الشأن العام بوصفها جماعة ضغط شرعية، تستخدم كل وسائل التفاوض أو الاعتراض السلمية لتحقيق مصالح أعضائها.
في الحالة المصرية، اكتسبت النقابات المهنية أهمية خاصة تتجاوز الوظائف المهنية البحتة، لتصبح -في لحظات تاريخية متعددة- منصات للعمل العام والسياسي. غير أن هذا الدور لم يكن ثابتًا، بل مرّ بتحولات عميقة ارتبطت بطبيعة النظام السياسي وعلاقته بالمجتمع.
قبل عام 1952، عرفت مصر نقابات مهنية نشأت في سياق مجتمع مدني نشط نسبيًا، خصوصًا في المدن الكبرى. وكان هامش الاستقلال قائمًا بدرجات متفاوتة، وكان تأسيس النقابات والاتحادات يتم من دون تعقيدات أو معوقات، وكان للنقابات دور وطني مشهود في مواجهة الاستعمار أو في مناهضة الحكومات الموالية للقصر. لكن مع قيام دولة يوليو وبناء نظام الحزب الواحد والشخص الواحد والإدارة شديدة المركزية، دخل العمل النقابي مرحلة مختلفة اتسمت بعملية "تأميم سياسي" للنقابات، من خلال قانون العمل الموحد رقم 91 لسنة 1959، حيث دُمجت الحركة العمالية والنقابات المهنية في الجسد الإداري للدولة.
فمنع القانون إنشاء أكثر من نقابة للمهنة الواحدة أو في المنشأة الواحدة، ومنح وزارة العمل سلطات إدارية واسعة على النقابات، رغم أن الأصل هو أن تكون النقابات مستقلة عن الحكومة. ولكن جرى دمجها ضمن منظومة الدولة المركزية، وربطها بالاتحاد الاشتراكي، وهو التنظيم السياسي الواحد والوحيد، الذي كان متداخلًا بشكل معقد مع السلطة التنفيذية والنقابات والجمعيات، وله سيطرة على العديد من الأماكن المهمة لاتخاذ القرار. فلم يكن الهدف من قوانين دولة يوليو تنظيم النقابات والمجتمع المدني فقط، بل أيضًا إغلاق المجال العام ومنع تشكّل قوى اجتماعية مستقلة ومنظمة قد تسبب منافسة أو إزعاجًا للسلطة.
واستمر الحال بدمج النقابات داخل النظام الإداري للدولة من خلال القوانين التالية، مثل القانون رقم 35 لسنة 1976، خصوصًا مع إنشاء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي كرس الهيمنة الحكومية على النقابات. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في التسعينيات مع صدور القانون رقم 100 لسنة 1993، الذي وضع شروطًا معقدة لانعقاد الجمعيات العمومية والانتخابات، ما فتح الباب عمليًا لفرض الحراسة القضائية على عدد من النقابات، بذريعة عدم اكتمال النصاب القانوني. تحولت الحراسة في الواقع إلى أداة سياسية للسيطرة، واستمرت سنوات طويلة، خصوصًا في نقابات ذات وزن مهني واجتماعي كبير مثل نقابة المهندسين.
ورغم القيود، لعبت بعض النقابات أدوارًا وطنية بارزة، مثل نقابة الصحفيين ونقابة المحامين اللتين احتضنتا معارك الحريات العامة والدفاع عن المعتقلين السياسيين، وأصبحتا مساحات شبه وحيدة للتعبير العام في فترات الانغلاق السياسي.
أما نقابة المهندسين فتُعد تجربتها مثالًا مكثفًا على مسار العمل النقابي في مصر. فقد خضعت النقابة للحراسة عام 1995 بعد فوز مرشحي جماعة الإخوان بالأغلبية عام 1992، واستمرت الحراسة حتى استعاد المهندسون حقهم في الانتخابات بعد عام 2011. وكان ذلك بعد نضال طويل من مجموعة "مهندسون ضد الحراسة" التي ضمت طيفًا واسعًا من المهندسين من مختلف الاتجاهات، فكانت لحظة عودة انتخابات نقابة المهندسين وكأنها استعادة لاستقلال مهني غائب. ولكن الصراع داخل النقابة لم يتوقف بعد ذلك، بل انتقل إلى ساحة التنافس بين تيارات مختلفة خلال الفترة بين عامي 2011 و2014، التي شهدت انقسامًا عميقًا في المجتمع المصري على المستوى السياسي والنقابي والمجتمعي. فتشكل "تيار الاستقلال" داخل نقابة المهندسين في مواجهة التيار الإسلامي الذي سيطر على النقابة في الفترة التي شهدت سيطرة الجماعة على النقابات والبرلمان وتشكيل الحكومة ورئاسة الجمهورية، حتى فاز تيار الاستقلال بقيادة نقيب المهندسين، المهندس طارق النبراوي، عام 2014 بشكل سلمي ومن دون العودة لفرض الحراسة مرة أخرى.
ولكن لم يستقر الأمر كثيرًا، فتيار الاستقلال داخل نقابة المهندسين تشكل في فترة تكاتف جميع المجموعات ضد سيطرة الجماعة، لذلك كان التيار يضم العديد من العناصر المتنافرة، فهو يشمل التيار المدني وكذلك التيار الناصري، بالإضافة إلى التيار الموالي للسلطة. وهذا الأخير بدأ في معاندة (أو عرقلة) مجلس النقابة بقيادة النبراوي، ولكن في نفس الوقت أيضًا كانت هناك فجوة تتسع بين النبراوي والعديد من المهندسين الذين ساندوه في السابق، فانفض الكثيرون عنه، ما أدى إلى فوز المهندس هاني ضاحي في انتخابات 2018، وهو وزير النقل السابق الذي يحظى بدعم تام من أحزاب الموالاة ومن الدوائر الحكومية. وهي الانتخابات التي شهدت استخدام وسائل الحشد المعتادة التي نرى مثلها في الانتخابات البرلمانية، حيث كان هناك دعم واضح من قطاعات هندسية حكومية وقطاعات الأعمال والبترول، محشودة بشكل موجه لمساندة الوزير السابق هاني ضاحي.
ولكن مع تكرار إخفاقات المهندس هاني ضاحي، بالإضافة إلى قضية التعليم الخاص وتشجيعه لتوسع التعليم الخاص من دون معايير وضوابط صارمة، عادت مجموعات كثيرة لمساندة النبراوي مرة أخرى رغم الخلاف (مبدأ عصير الليمون)، فاستطاع الفوز بمنصب النقيب مرة أخرى في عام 2022، رغم الدعم الذي كان واضحًا للوزير السابق من أحزاب الموالاة والعديد من شركات قطاع الأعمال وقطاع البترول. ولكن يمكن القول إن تلك الفترة لم تشهد تدخلًا مباشرًا من السلطة لدعم أحد المرشحين في النقابات، وهو نفس الوقت الذي شهد أيضًا فوز خالد البلشي بمنصب نقيب الصحفيين.
اقرأ أيضًا: بعد إلغاء "قطاع الأعمال".. لمن تؤول تركة الـ146 شركة حكومية؟
فوز المهندس طارق النبراوي للمرة الثانية عبّر عن رغبة قطاع واسع من المهندسين في الحفاظ على قدر من الاستقلال المؤسسي، لكن تصاعدت الحرب وأصبحت أكثر صعوبة من الفترة الأولى للنبراوي. فقد تعمد مجلس النقابة -الذي تنتمي أغلبية أعضائه لحزب "مستقبل وطن"- تعطيل وإفشال العديد من القرارات، ما أدى إلى أزمة طرح الثقة في النقيب. وهي الواقعة التي شهدت عنفًا وبلطجةً من حشود محسوبة على الحزب من خارج أعضاء نقابة المهندسين، عندما قاموا بتحطيم الصناديق خلال الاستفتاء وإتلاف أوراق الاستفتاء، عندما أوضحت المؤشرات الأولية أن أغلبية الأصوات لصالح بقاء نقيب المهندسين، وهو ما أعاد المخاوف بشأن حدود التدخل السياسي في النقابات المهنية.
تُظهر هذه الواقعة إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل العمل النقابي في مصر: هل تبقى النقابات مؤسسات تمثيل مهني مستقلة، أم تتحول تدريجيًا إلى امتداد غير رسمي للحكومة؟
ويُثار السؤال أكثر مع اقتراب انتخابات جديدة في نقابة المهندسين، مع إعلان المهندس طارق النبراوي عدم ترشحه في ظل تكتل المجموعات القريبة من السلطة وأحزاب الموالاة خلف الوزير السابق. وخلفًا للنبراوي، هناك مرشحون يطرحون برامج إصلاحية تركز على الاستقلال المؤسسي وتفعيل الدور المهني، ويُعد أبرزهم المهندس خالد صلاح المهدي والدكتور محمد عبد الغني، مقابل مرشح يُنظر إليه باعتباره مرشح السلطة وأحزاب الموالاة، والذي سيُحوّل النقابة لمجرد منفذ خدمات بيروقراطية، أو ختم للموافقة على القرارات الحكومية من دون نقاش.
ولا يختلف هذا المشهد كثيرًا عن نماذج شهدتها نقابات أخرى، حيث يصبح التنافس النقابي انعكاسًا مصغرًا للتوازنات السياسية في الدولة. فنظريًا، تمثل النقابات المهنية أحد مؤشرات قوة المجتمع المدني واستقلاله، وكلما زادت قدرة النقابة على إدارة شؤونها ذاتيًا وانتخاب قياداتها بحرية، والتعبير عن مصالح أعضائها من دون وصاية، زادت فرص التوازن بين الدولة والمجتمع.
والعكس بالعكس صحيح: تراجع الاستقلال النقابي غالبًا ما يرتبط بإغلاق المجال العام ككل. وتحدد المعارك الانتخابية في النقابات -وأفكار المرشحين وانتقاداتهم- ما إذا كانت النقابة ستصبح مؤسسة خدمات بيروقراطية محدودة التأثير، أم فضاءً مهنيًا ديمقراطيًا قادرًا على تمثيل أعضائه والدفاع عن مصالحهم. الإجابة لن تحددها البرامج وحدها، بل مشاركة الأعضاء أنفسهم وإدراكهم لقيمة النقابة كأداة للدفاع عن مصالحهم وللتعبير عن إرادتهم.
في النهاية، يبقى الحفاظ على استقلال النقابات ليس مطلبًا فئويًا للمهنيين فقط، بل مصلحة عامة ترتبط بتوازن الدولة والمجتمع، وبإمكانية بناء حياة عامة أكثر تعددية، وقدرة الناس على اختيار من يمثلهم. وربما لهذا السبب تحديدًا تكتسب انتخابات النقابات -رغم طابعها المهني- أهمية سياسية تتجاوز حدودها المباشرة، وهو ما يدعو إلى متابعتها بجدية.