يوميات صحفية برلمانية| كيف اخترقت دعوات تعديل الدستور مجلس الشيوخ

بإشارة رئاسية، عاد الحراك مرة أخرى إلى ملف المحليات، فبالرغم من كونه استحقاقًا دستوريًا متأخرًا، ظل إصدار قانوني انتخابات المجالس المحلية والإدارة المحلية حبيس الأدراج، ولم يحركه سوى تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة -عقب التعديل الوزاري الأخير- بضرورة استكمال هذا الاستحقاق لتحقيق المشاركة الشعبية في الرقابة على وحدات الإدارة المحلية وضبط أدائها الإداري.

على إثر ذلك، طفت على السطح مشروعات قوانين ومقترحات تهدف إلى الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية، وذلك بعد صمت وتجاهل داما لأكثر من خمس سنوات، وتحديدًا منذ رفض مجلس النواب في عام 2020 لمشروع القانون الذي أعدته لجنة الإدارة المحلية بعد حوار مجتمعي موسع، وهو الرفض الذي دفع رئيس مجلس النواب آنذاك، الدكتور علي عبد العال، للتصريح بأن: "من يقاوم إصدار قانون المحليات هي الدولة العميقة في المحليات".

بعد ذلك الرفض، تاه ملف المحليات بين جلسات الحوار المجتمعي للأحزاب، واجتماعات الحوار الوطني وتوصياته المُرجأة، إلى أن رأى النور مجددًا بتوجيهات رئاسية. غير أن هذه العودة لم تكن منفردة، بل رافقها شبح احتمالية إجراء تعديل دستوري جديد قد يفتح الباب أمام تعديل مواد أخرى!

تحركات مجلس الشيوخ ومخاوف الأمن القومي

على صعيد مجلس الشيوخ، عُقدت لجنة مشتركة ضمت لجنة الإدارة المحلية وهيئة مكتب لجنتي الشؤون التشريعية وحقوق الإنسان، لمناقشة الاقتراح برغبة، المُقدم من رئيس حزب الجيل، عضو مجلس الشيوخ المعين، ناجي الشهابي، بشأن الإسراع في إجراء الانتخابات المحلية، بوصفها ضرورة خدمية ودستورية، فضلًا عن كونها أداة مباشرة لحماية الأمن القومي ومنع الفراغ السياسي.

يقول، رئيس حزب الجيل الذي يعيدني حديثه إلى عهد مبارك وأحزابه ما قبل 2011، أن تشكيل المجالس المحلية وإصدار قانون ينظمها يُعدان "قضية أمن قومي". معتمدًا في مداخلته على خطاب استهداف مصر، ومعددًا التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها البلاد، إذ يرى أن هذه التحديات تتطلب اصطفافًا شعبيًا لا يمكن تحقيقه إلا عبر حل مشكلات المواطنين. كما يعتبر أن 80% من مشكلات الشعب المصري يمكن حلها داخل أروقة المجلس القروي، ومجلس المدينة، والمحافظة، مشددًا في الوقت ذاته على أن الرضا الشعبي يمثل السلاح الأقوى لمواجهة تلك التحديات.

بداية الحديث عن الدستور ومأزق التعريفات

أما عن بداية التطرق إلى الدستور، فجاءت خلال الاجتماع مع وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، النائب الوفدي طارق عبد العزيز، الذي طرح تساؤلًا جوهريًا عن مدى وجود عقبات دستورية قد تحول دون الوصول إلى توافق بشأن قانون الإدارة المحلية وانتخابات مجالسها.

ورغم أن عبد العزيز لم يتبنَّ صراحةً أي دعوات للتعديل الدستوري، طرح تساؤله في ضوء المحددات الدستورية القائمة. فالدستور ينص على 9 مواد تنظم الإدارة المحلية، وتحدد أشكال التقسيم الإداري، والوحدات، والموازنات المستقلة. وتختص المادة (180) بتحديد طرق الانتخاب واختصاصات المجالس المحلية، حيث تنص صراحةً على "تُنتخب كل وحدة محلية مجلسًا بالاقتراع العام السري المباشر، لمدة أربع سنوات، ويُشترط في المترشح ألا يقل سنه عن إحدى وعشرين سنة ميلادية. وينظم القانون شروط الترشح الأخرى، وإجراءات الانتخاب، على أن يُخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنة، وربع العدد للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين بالمائة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة تمثيلًا مناسبًا للمسيحيين وذوي الإعاقة. وتختص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ومراقبة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية من اقتراحات، وتوجيه أسئلة، وطلبات إحاطة، واستجوابات وغيرها، وفي سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية، على النحو الذي ينظمه القانون. ويحدد القانون اختصاصات المجالس المحلية الأخرى، ومواردها المالية، وضمانات أعضائها، واستقلالها".

وفي هذا الإطار، تساءل عبد العزيز: "هل نحتاج لتعديل الدستور أم نكتفي بإجراء تعديل في المسميات والأوصاف الواردة في قانون مباشرة الحقوق السياسية؟"، متوقفًا بشكل خاص أمام اشتراط نسبة الـ 50% المخصصة للعمال والفلاحين. وأردف قائلًا "وفقًا للتعريف الحالي للعمال والفلاحين، سيأتي إلى المجالس المحلية "بصمجية" لم يتجاوزوا المرحلة الإعدادية".

وبناءً عليه، طالب بتغيير تلك التعريفات ليصبح العامل "كل من يعيش على أجر"، أما بالنسبة للفلاح، فقد استنكر اقتصار تعريفه على من لا تزيد ملكيته على 10 أفدنة، متسائلًا: "لماذا؟ هل من يمتلك 20 فدانًا ليس فلاحًا ولا علاقة له بالزراعة؟"، معتبرًا أن هذه الاشتراطات كانت مطلوبة في حقبة زمنية معينة بغرض الحماية، لكن الحاجة إليها قد انتفت الآن.

إذن، من خلال هذا الطرح، يحاول عبد العزيز إخراجنا من مأزق الحاجة الملحة لتعديل الدستور، مستعيضًا عنها بتغيير التعريفات القانونية لتسهيل عملية تقديم المرشحين.

دعوة صريحة من محافظ مبارك الأشهر

لا تبدو 18 عامًا من الخدمة أمرًا هينا، فالمستشار عدلي حسين الذي تقلد منصبي محافظ المنوفية والقليوبية إبان عهد الرئيس الأسبق مبارك، لم يخفِ انتماءه السابق لنظام مبارك، خلال كلمته في أثناء الاجتماع الذي شارك فيه بوصفه أحد أبرز المتمرسين في شؤون الإدارة المحلية. فقد عاد القاضي السابق بذاكرته إلى جذور أزمة فراغ المحليات في مصر، معتبرًا أن قرار المجلس العسكري الصادر عام 2011 بحل المجالس المحلية كان قرارًا غير دستوري، حيث استند إلى دستور عام 1971 الذي كانت الثورة قد أوقفت العمل به بالفعل. لكن يبدو أنه ما زال في مرحلة لم تتجاوز ما جرى، ولا يقر بأنها ثورة.


اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| الحريري ومبارك وإبستين وانقلاب اللجنة الاقتصادية.. هل يسمعنا أحد؟


وواصل محافظ مبارك الأشهر انتقاداته، موجهًا سهامه نحو دستور 2014، قائلًا: "الدستور الحالي هو دستور 2012 الخاص بالإخوان، وما حدث في عامي 2014 و2019 لم يكن سوى تعديلات وترميمات لذلك الدستور". كما أضاف معتبرًا أن "مصر تستحق دستورًا من حيث الشكل ينهي حكم الإخوان، أما من حيث الموضوع، فهناك أمور عدة يجب أن يُعاد النظر فيها".

واستطرد في استدعاء الماضي، مستذكرًا لقاءه بـ "كوندليزا رايس"، وسؤالها عن أيمن نور -الذي وصفه قائلًا: "كان الراجل بتاعهم"- وكذلك سؤالها عن أسباب تأجيل الانتخابات المحلية آنذاك. وانتهى من تلك الذكرى إلى التشديد على أن "المعيار الرئيسي لمكانة أي دولة وترتيبها في الديمقراطية هو وجود المحليات".

أما فيما يتعلق بالمخاوف المحيطة بالقانون في ظل المحددات الدستورية الحالية، فقد تحدث عنها حسين بصراحة تامة قائلًا: "عدد أعضاء المجالس المحلية بموجب الدستور يصل إلى 55 ألف عضو"، موضحًا: "هذا هو السبب الذي تخشاه الحكومات، من أين سنأتي بهذا الرقم؟ إنه رقم يخيف الجميع، وعلى الجميع، أو بالأحرى على الإدارة، أن تعمل حسابها من الآن لاختيار العناصر الجيدة".

صمت النواب والمسارات المجهولة!

وقد مرَّ الحديث عن التعديلات الدستورية في حضور النائب عبد الهادي القصبي، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ، وهو ذاته النائب الذي سبق وتقدم في مجلس النواب عام 2019 بالتعديلات الأخيرة التي عُدلت بموجبها مدد الرئاسة، وأُضيفت كوتة المرأة، واستُحدث من خلالها مجلس الشيوخ.

ورغم ذلك، لم يبدِ القصبي أي تفاعل يُذكر أمام الأطروحات المتعلقة بتعديل الدستور أو اعتباره امتدادًا لدستور الإخوان. بل اكتفى فقط بالتذكير بأن ائتلاف "دعم مصر"، الذي كان يترأسه في عام 2019، هو من قدم التعديلات التي أعادت دور مجلس الشيوخ واختصاصاته، والتي من بينها مناقشة القوانين المكملة للدستور، وعلى رأسها القوانين الخاصة بالمحليات.

أما بقية الحضور، فلم يعلقوا أو يتفاعلوا، ولم يبادر أي منهم بإبداء التأييد أو الرفض. والسبب في ذلك يعود إلى أن الاتجاهات لم تتضح بعد، ولم تصدر التعليمات والتوجيهات بالمسار المفترض اتباعه، فكان صمت الأعضاء في هذه الحالة مُعبرًا بصدق عن فضيلة "السكوت من ذهب".

وبين ترقب التعديلات التي لم تأتِ بها توجيهات بعد، تُهنا مع رئيس اللجنة، أحمد شعراوي، بشأن مصير المناقشات. فرغم اتفاق الأعضاء على ضرورة الإسراع في إجراء الانتخابات المحلية، لم يطرح أي منهم رؤية واضحة لمحددات قانونية. وفي المقابل، اكتفى نائب وزيرة التنمية المحلية بالإفصاح عن وجود مشروع قانون داخل أروقة الوزارة. وفي خطوة تخالف المسارات المعروفة، حاول "شعراوي" إقناعه بتقديم نسخة من هذا المشروع إلى اللجنة، حتى قبل الموافقة عليه رسميًا في مجلس الوزراء.

أخيرًا، تتبقى لنا جولة مرتقبة في مجلس النواب، خاصة مع إقدام النائب محمد عطية الفيومي -عن حزب الحرية المصري- على تقديم مقترح لقانون الإدارة المحلية، بالتزامن مع استعداد حزب العدل لتقديم مشروعي قانونين منفصلين للمجالس المحلية وللإدارة المحلية.

لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه الآن، هل ستسير هذه المشروعات في مسارات المناقشة الطبيعية داخل لجان المجلس ليلحق بها مشروع الحكومة؟ أم أننا سنُفاجأ بتعديلات دستورية بـ "نوايا حسنة" بحجة تعديل نصوص المحليات، لتمرر معها تعديلات أخرى قد تفتح أبوابًا لمدد رئاسية جديدة؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة