أقطع 88 كيلومترًا من منزلي إلى العاصمة الإدارية كل يوم، ثم أسأل نفسي هل ما أفعله يستحق كل هذا العناء؟ بينما تأتيني الإجابة دائمًا من داخل أروقة مجلس النواب، حيث المفاجآت، والكواليس، وهموم المواطنين التي تقف على الأبواب.
فقد أعادت مناقشات تعديلات قانون الخدمة العسكرية أزمة المستبعدين من الانتخابات إلى دائرة الضوء، وتزامنت مع أزمة تغيير تعريف ذوي الإعاقة وشروط سياراتهم، ناهيك عن انقلاب مفاجئ داخل اللجنة الاقتصادية، وتجمع غير متوقع لـ50 مواطنًا أمام أبواب المجلس.
"لست وحدك يا هيثم"
عادةً ما تتسم جلسات مناقشة تعديلات القوانين المرتبطة بالقوات المسلحة بالهدوء، إذ لا توجد معارضة لمضمون القانون، وهو ما كان يُتوقع حدوثه مع المشروع المعروض على المجلس أمس، الذي يُغلظ غرامة التخلف عن التجنيد والاستدعاء لتصل إلى مائة ألف جنيه، ويضيف "العمليات الإرهابية" كشرط جديد للإعفاء من التجنيد، بحيث يُعفى أكبر أشقاء أو أبناء شهداء العمليات الإرهابية والمصابين بعجز كلي يمنعهم عن العمل والكسب.
ومع ذلك، لم تمر هذه الجلسة في هدوء كما جرت العادة. فقد انتهز النائب المستقل ضياء الدين داود، والنائب عن حزب العدل حسين هريدي، فرصة الحديث عن معايير الإعفاء من التجنيد، ليفتحا ملف المستبعدين من الترشح للانتخابات بحجة عدم أداء الخدمة، رغم إعفائهم منها بقرار من وزير الدفاع، وهو الطرح الذي لم يلقَ قبولًا لدى رئيس المجلس.
بدأت شرارة النقاش مع النائب داود، الذي صرّح قائلًا: "هذا القانون له تأثيرات سياسية. ومع بداية الفصل التشريعي، نحن نتحدث عن فتح المناخ العام، لذا لا يجب أن يُمنع بعض المواطنين من مباشرة حقوقهم السياسية بغير الغرض الذي أصدر من أجله وزير الدفاع قراراته باستثنائهم".
وكانت هذه إشارة واضحة لأزمة استبعاد البرلماني السابق هيثم الحريري من انتخابات مجلس النواب، حيث استبعدته الهيئة الوطنية للانتخابات من قوائم الترشح لعدم أداء الخدمة العسكرية، رغم إعفائه منها بقرار وزاري. وتساءل داود موجهًا حديثه للحكومة باستنكار: "هل أصدر وزير الدفاع قرارًا بمنع هؤلاء من ممارسة حقوقهم السياسية؟ الإجابة قطعًا لا. فهل الاستثناء يُعد إعفاءً من أداء الخدمة العسكرية أم منعًا من مباشرة الحقوق السياسية؟" وكما هو متوقع، لم تُجب الحكومة على تساؤلاته.
سرعان ما تكرر الأمر ذاته مع النائب حسين هريدي، الذي أضاف "كنا نتمنى الإجابة على تساؤلات المصريين حول ما شهدته الانتخابات البرلمانية الأخيرة من استبعاد لبعض المرشحين". وهنا تدخل المستشار هشام بدوي، رئيس المجلس، مطالبًا بالالتزام باللائحة وحصر الحديث في نصوص مشروع القانون. وعندما أوضح هريدي ارتباط حديثه بالقانون، قاطعه بدوي متسائلًا: "ما علاقة القانون بالعملية الانتخابية؟"، ليرد النائب: "استبعد نواب سابقين بسبب شهادة الجيش، مع العلم أن السيد وزير الدفاع استثناهم لأسباب مختلفة".
في البداية، تصورت أن حديث النائبين يقتصر على حالة هيثم الحريري فحسب، لكنني تلقيت رسالة من المرشح السابق عن حزب الوفد، محمد شحتة أبو تريكة، يشير فيها إلى استبعاده للسبب ذاته. كما كشف لي مصدر برلماني عن وجود العشرات من الأسماء المستبعدة للحجة نفسها، من بينهم المرشح عن حزب العدل عبد الرحمن فرغلي، وعبد الله أبو العلا مرعي من حزب حماة الوطن، ليتضح أن القائمة أطول مما ظننت.
إبستين ومبارك!
قبل أن يبدأ حديثه، توقعت أن يكرر مقولته الشهيرة "أن نختلف في وطن آمنين خير من أن نتفق في مخيمات اللاجئين"، حيث إنها المقولة التي حفظتها عن ظهر قلب للنائب أحمد خليل خير الله، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور، الذي واظب على تكرارها طوال خمس سنوات خلال الفصل التشريعي السابق، حتى بتّ أرددها معه.
وعادةً ما يستدعي خير الله هذه العبارة في أي نقاش يتعلق بالشرطة، أو الجيش، أو التماسك الوطني. وكما توقعت، استغل مناقشة قانون الخدمة العسكرية لإعادة إنتاج خطابه المحذر من مخططات تفكيك الدول، مؤكدًا أن "الوطن ليس فندقًا نغادره عندما لا تعجبنا الإقامة". لكن المفاجأة التي لم أتوقعها هذه المرة كانت في استخدامه لقضية "إبستين" لمعايرة الغرب، حيث قال "اللي يقولي وجدت في الغرب إسلامًا بلا مسلمين أقوله شفت إبستين!". ولست أدري حقيقةً ما علاقة إبستين بتعديلات قانون الخدمة العسكرية، لكن رئيس المجلس، في كل الأحوال، لم يقاطعه.
على الجانب الآخر، أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، محمد عبد العليم داود، موافقته على التعديل، مطالبًا في الوقت ذاته بتحريك الاستجوابات التي سبق أن تقدم بها بشأن الأسرى المصريين في حرب 1967، وداعيًا إلى تعزيز التثقيف العسكري لطلاب المدارس، بينما لم تتوقف مفاجآت داود عند مجرد موافقته على مشروع قانون مقدم من الحكومة -وهو حدث نادر- بل امتدت لتشمل دعوته لتكريم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بصفته قائدًا للضربة الجوية في حرب أكتوبر 1973.
وفي السياق ذاته، انتهز النائب أحمد عصام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر، الفرصة لتسليط الضوء على تدني رواتب المجندين، مطالبًا بضرورة إعادة النظر فيها.
تعديلات على قانون ذوي الإعاقة
في عام 2018، صدر قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تتويجًا لجهد متكامل بين المنظمات الحقوقية، والمجلس القومي لذوي الإعاقة، ومجلس النواب. ورغم الأهمية البالغة للقانون وما يكفله من حقوق، فإنني ما زلت أتابع الرحلة الشاقة التي يخوضونها للحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة والتمتع بحقوقهم القانونية البسيطة.
لكن الحكومة حضرت إلى المجلس أمس بتعديل جديد يبدو أنه سيزيد من معاناتهم وينتقص من حقوقهم، حيث سينص على تمديد فترة الحصول على السيارات المعفاة من الجمارك لتصبح كل 15 عامًا بدلًا من 5 سنوات، وذلك كحل لمعالجة فشلها الإداري في القضاء على التلاعب وحصول غير المستحقين على تلك السيارات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسعى الحكومة لتعديل تعريف ذوي الإعاقة ليصبح "كل من يعاني من عاهة طويلة الأجل بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسية، قد تمنعه لدى التعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين". وهو ما يمثل تراجعًا عن التعريف الحالي في قانون 2018، الذي كان ينص على "كل شخص لديه قصور أو خلل كلي أو جزئي..."، متجنبًا استخدام وصمة "عاهة".
في أثناء مناقشة المشروع داخل لجنة التضامن الاجتماعي وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ورغم موافقة اللجنة عليه من حيث المبدأ، ساد الخلاف بوضوح بين النواب حول التعريف المقترح ومدة استحقاق السيارات. فقد عبرت النائبة فاطمة عمر، بطلة مصر في رفع الأثقال البارالمبي، عن رفضها القاطع للتعديل قائلة "نحن لسنا أصحاب عاهات". وتمنت الاكتفاء بتطبيق قانون 2018، مثمنة دور الرئيس بالقول "أعطانا كل حقوقنا في القانون، وهذه التعديلات لا تصلح".
يُذكر أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية كانت قد تحفظت في ورقة بحثية سابقة على التعريف الجديد الذي تقترحه الحكومة، محذرة من تداعياته التي تتعامل مع ذوي الإعاقة من منظور "العجز الطبي" فقط، وهو توجه يخالف الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تركز على كرامة الشخص واستقلاليته وليس إعاقته، وهو الاعتراض نفسه الذي تبناه المجلس القومي لذوي الإعاقة.
أما مقترح تمديد فترة استبدال السيارات إلى 15 عامًا، فأثار نقاشًا طويلًا كشف عن تخبط حكومي شديد، حيث تتذرع الحكومة بحصول غير المستحقين على السيارات كمبرر للتقييد. وفي هذا السياق، لفتت النائبة نجلاء محمود الانتباه إلى تعنت الجمارك، مشيرة إلى عدم الإفراج الجمركي عن سيارتها المخصصة لها منذ عام 2024. كما تساءل وكيل لجنة التضامن، النائب أحمد فتحي، باستنكار "هل كل السيارات المتوقفة في الجمرك، التي تدفع 400 جنيه يوميًا كأرضيات، تعود لغير مستحقين؟".
مفاجأة في اللجنة الاقتصادية
بينما كانت المناقشات تتصاعد في لجنة التضامن، ووسط تركيزي مع مشروع القانون الذي يبدو أنه سيمر-وإن كان ببعض التحسينات- هبط خبر جديد ومفاجئ قادم من أروقة لجنة الشؤون الاقتصادية.
فبعد أقل من شهر واحد على انتخابه، تنازل النائب المستقل حسن عمار عن مقعد وكيل اللجنة. وعلى الفور، أُجريت انتخابات داخلية فاز فيها النائب سامي شاهين، ممثل حزب الجبهة الوطنية، بالتزكية!
حاولت الإسراع إلى مقر لجنة الشؤون الاقتصادية للتحري عن الخبر ودوافعه، لكنني ما زلت أتوه في ممرات وأدوار مبنى العاصمة الإدارية المعقدة والضخمة، التي تشبه إلى حد كبير "بيت جحا". وبسبب ذلك، وصلت متأخرة بعد أن غادر النواب والموظفون مقر اللجنة.
لكن في طريق عودتي إلى غرفة الصحفيين، صادفت قياديًا في هيئة مكتب اللجنة في الممر. سألته عما حدث، فنفى بشدة وجود أي خلافات أو ترتيبات حزبية أدت إلى تنازل عمار وتصعيد شاهين، قائلًا إن الأمر لا يعدو كونه "قرارًا شخصيًا" من عمار.
ورغم هذا النفي القاطع، ما زلت أجد صعوبة في تصديقه. فما حدث سابقة لم أشهد لها مثيلًا في المجلس طوال عشر سنوات من التغطية البرلمانية. وما يزيد من شكوكي هو أن النائب حسن عمار لا يرد على هاتفه، مما يتركني في حيرة أبحث عن الإجابة، لماذا يترك نائب مقعد الوكيل بعد أقل من شهر على فوزه به؟
هموم على باب المجلس
لطالما كان مجلس النواب ملجأً للاحتجاجات تارة، أو لتقديم التماسات المظلومين تارة أخرى. لكن آخر لجوء جماعي شهدته أمام أبواب البرلمان كان في عام 2016، في مقره التاريخي بوسط القاهرة، ولم أرَ بعده أي تجمعات أو احتجاجات مشابهة.
أما اليوم، وفي مقر العاصمة الإدارية الجديدة -التي لا يزال الوصول إليها يمثل رحلة قاسية ومكلفة- يبدو أن القهر وقلة الحيلة قد دفعا نحو 50 مواطنًا من أولياء أمور مرضى ضمور العضلات لتكبد مشقة السفر والتجمع أمام البوابة رقم (2)، آملين في تسليم استغاثة عاجلة لرئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي.
طالب أولياء الأمور المكلومون بتدخل رئيس المجلس لمخاطبة وإلزام كل من وزارة الصحة، والتأمين الصحي، وهيئة الشراء الموحد، بتوفير الأدوية المعتمدة عالميًا لأبنائهم. كما شددوا على ضرورة تفعيل دور صندوق الطوارئ ليشمل الأمراض الوراثية النادرة، ومنها هذا المرض الشرس الذي يهدد حياة أطفالهم يوميًا.
وأمام هذا المشهد القاسي، يبقى السؤال المعلق: هل يسمعهم أحد؟ هل يسمعنا أحد؟