يوميات صحفية برلمانية| مجانية العلاج "الكاذبة" وأزمة "ياسر جلال".. كواليس يوم طويل في مجلس الشيوخ

 

اثنان ونصف كيلومتر فقط هي المسافة الفاصلة بين معهد الأورام في فم الخليج ومجلس الشيوخ بالقصر العيني. ورغم قصرها، تكشف هذه المسافة وحدها الفجوة العميقة بين واقع يومي مرير يراه الناس، ورؤية حكومية لا تُجيد سوى الاستعراض بالأرقام.

ففي مقابل الزحام والتكدس أمام معهد الأورام والرصيف المواجه له، والذي يعكس بوضوح حجم الإقبال ومعاناة المرضى وأسرهم في الحصول على خدمة علاجية في وقت مناسب، كان المشهد داخل قاعة مجلس الشيوخ، أمس الأحد، مختلفًا تمامًا. هناك، اعتلى وزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، المنصة ليتحدث عن إنفاق يتجاوز تريليون جنيه على قطاع الصحة خلال السنوات العشر الأخيرة.

واستعرض عبد الغفار -الذي احتفظ بحقيبة الصحة في التعديل الوزاري الأخير، وحُرم من منصب نائب رئيس الوزراء- جهود وزارته و15 مبادرة رئاسية لتحسين الصحة العامة، بدءًا من القضاء على فيروس "سي" وصولًا إلى الكشف المبكر عن أورام الثدي.

ومن جانبه، التقط مساعد الوزير، محمد حساني، خيط الأرقام ليؤكد أنه قبل المبادرة الرئاسية كانت فترة العلاج تستغرق 270 يومًا تبدأ من أول زيارة حتى التشخيص، لتنخفض بعدها إلى 49 يومًا فقط، و11 يومًا للحالات المتقدمة.

12% من الوفيات

حديث الوزير ومساعده جاء ختامًا لجلسة عامة فتح فيها مجلس الشيوخ أزمة أمراض الأورام، بناءً على طلب مناقشة عامة تقدم به النائب حسين خضير وأكثر من عشرين عضوًا، استهدف استيضاح سياسة الحكومة بشأن الخطة القومية لمكافحة الأورام، وتوضيح مستجدات التشغيل التجريبي لأول مصنع لتصنيع أدوية علاج الأورام في مصر، خاصة مع إشارة "خضير" إلى أن مرض السرطان يمثل وحده 12% من إجمالي الوفيات حول العالم.

هذا الطرح حول الأورام كان بمثابة حافز طبيعي لتصعيد النقاش، في الجلسة ذاتها، نحو منظومة العلاج على نفقة الدولة، تلك المنظومة التي تكاد تكون البوابة الأساسية والأمل الأخير لقطاع كبير جدًا من المصريين في مواجهة السرطان وغيره من الأمراض المزمنة. وهنا، قدم النائب محمد صلاح البدري طلب مناقشة عامة بشأن سياسة هذه المنظومة.

وطالب البدري بمراجعة عاجلة للمنظومة في ظل التغيير العنيف الذي شهدته أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، لا سيما مع تحول هذا المسار لأحد أسلحة العدالة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن حجم الإنفاق على هذه القرارات تجاوز 30 مليار جنيه.

وأوضح أنه في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة، والارتفاعات المتتالية في أسعار المستهلكات العلاجية، أصبحت القيم المالية المحددة في قرارات العلاج على نفقة الدولة لا تتناسب إطلاقًا مع التكلفة الفعلية، مما جعل الكثير من القرارات الصادرة للمرضى غير كافية لاستكمال خططهم العلاجية.

مجانية كاذبة

ورغم توالي مطالب النواب بتحسين المنظومة العلاجية وتطوير الكشف المبكر، كانت البداية الحقيقية لوضع اليد على موطن الخلل من نصيب عضو مجلس الشيوخ السيد عبد العال، رئيس حزب التجمع، الذي أرجع القضية إلى جذورها، مؤكدًا أن مناقشة مكافحة الأورام والعلاج على نفقة الدولة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمادة 18 من الدستور، التي تنص على حق المواطن في الرعاية الصحية والتزام الدولة بتقديمها.

واعتبر عبد العال أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق وزارة الصحة بمفردها، بل تمتد لتشمل الحكومة بأكملها. وحدد عمق الأزمة في تدني حجم الإنفاق على الصحة والموارد المتاحة لها، والتي لم تصل بعد إلى الاستحقاقات الدستورية، مطالبًا الحكومة بالالتزام بالحد الأدنى للإنفاق الذي لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، وهي النسبة التي تؤكد المنظمات الحقوقية أنها لم تتحقق منذ إقرار دستور 2014 حتى يومنا هذا.

ولفت رئيس حزب التجمع إلى أن العلاج على نفقة الدولة وُجد أساسًا كمسكن لحل مشكلة التأمين الصحي الذي لا يغطي كل أطياف الشعب، مشددًا على أن الحل الجذري يكمن في الإسراع بتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل وتوفير مواردها المالية.

وفي السياق ذاته، حذر رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، حسام الخولي، من أن معدلات الوفاة نتيجة مرض السرطان في مصر تفوق المعدلات العالمية. وتطرق إلى أزمة التكلفة قائلاً: "تكلفة ربنا ما يجيبها لحد، كل عائلة مرت بحالة عندها وتعلم أنها تكلفة كبيرة جدًا". وتساءل عن إمكانية التعاون لتصنيع دواء محلي يخفض هذه التكلفة، معتبرًا إياه "الحل الوحيد".

بينما ركز النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، على أهمية تحسين خطط الاكتشاف المبكر وتنمية الثقافة المجتمعية، معتبرًا أن المعضلة الكبرى تكمن في الوقت المهدر الذي يستغرقه المريض حتى يصل للعلاج المناسب.

وبلغ النقاش ذروته بانفعال النائب عن حزب حماة الوطن، إسماعيل نصر الدين، الذي نفى تمامًا وجود ما يُسمى بالمجانية، قائلاً بوضوح: "أنا آسف أقول إن فيه ناس باعت عفش بيتها علشان تقدر تصرف على علاج مرض لعين، وأنا شفت سيدة جت لي مكتبي أول امبارح بتبكي وبتقول لي لم يتبق إلا هذا الحلق علشان أبيعه لأعالج زوجي".

إذن تصوير

وبعد هذه الجولة الثقيلة التي كشفت التناقض بين إنجازات الأرقام الحكومية وحقيقة معهد الأورام الماثلة في الشارع، وكأن ملف الصحة لم يكن كافيًا لإرهاق اليوم البرلماني، انتقلنا إلى أروقة لجنة الثقافة والإعلام لمناقشة ملف شائك آخر "مَن يملك حق التصوير في الشارع"؟

وضعت اللجنة على جدول أعمالها مقترحًا برغبة قدمه عضو المجلس المعين، الفنان ياسر جلال، يطالب فيه بوضع ضوابط للتصوير واشتراط الحصول على "إذن مسبق"، وهو ما توافق مع مقترح مشابه لعضو المجلس المعين ناجي الشهابي.

عرض جلال مقترحه مدافعًا عنه بأنه "لا يمس حق الصحفي أو حرية الصحافة"، ومبررًا إياه بالقول: "لابد من التنظيم، لا يمكن أن يكون مَن صوّر أقدام ممثلة صحفيًا". وانتقد فوضى التصوير في العزاءات والمناسبات التي رأى أنها انتقلت للشارع (واصفًا إياها بـ "واحد كسر على واحد يصوره وينشر على وسائل التواصل الاجتماعي"). غير أن جلال تجاهل تمامًا الأثر الإيجابي البالغ لتوثيق الكاميرات في الشارع، والذي أسهم في كشف جرائم معقدة الإثبات كالتحرش الجنسي.

تحدث الفنان المعين، الذي يبدو أكثر نشاطًا وحضورًا من أقرانه المعينين في المجلس، مستندًا إلى نصوص دستورية تصون الحياة الخاصة، وقوانين تجرم الاعتداء على القيم الأسرية. لكنه وقع في فخ الخلط بين ضوابط التسجيل الممنوحة للشرطة في قانون الإجراءات الجنائية، وبين التصوير العفوي أو الصحفي في الشارع، مصرًّا على أن الحصول على إذن هو ضرورة تنظيمية.

النقيب يرفض الإذن

جاء الرد الحاسم من نقيب الصحفيين، خالد البلشي، الذي شارك في الاجتماع وتصدى لمقترح جلال، معتبرًا أن أي اشتراط لـ"إذن مسبق" قيد صريح ومصادرة للحرية، وطرح تساؤلاته المنطقية: "من يمنح الإذن؟ ولمن يمنحه"؟

وإلى جانب رفضه لمبدأ الرقابة المسبقة، ذكّر البلشي الحضور بنص المادة 12 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، التي تشترط بالفعل الحصول على إذن لتصوير الشارع (وهو التصريح الذي يصدر عن وزارة الداخلية ويحتاج لتجديد شهري). ووصف النقيب هذا الإذن بأنه "كارثة على العمل الصحفي"، موضحًا أثره المدمر: "حرمنا من تغطية قضايا الحياة العامة، فانتقلنا لصحافة الجنازات".

ودعم البلشي موقفه بتوصية "لجنة تطوير الإعلام"، المشكلة من قِبل رئيس الوزراء، بتعديل تلك المادة، مشددًا على إجماع أعضاء اللجنة على أن "الحرية هي علاج أوضاع الصحافة". وفيما يخص التنظيم المهني، أكد دور النقابة الأصيل في المحاسبة والتوجيه، وطالب بإصدار قانون شامل لتنظيم تداول المعلومات.

وفي نهاية المطاف، انحازت اللجنة بالكامل لرؤية البلشي المستندة لموقف الجمعية العمومية للصحفيين. أما المفاجأة، فكانت التحول الدرامي في موقف الفنان ياسر جلال، فبعد أن بدأ الاجتماع مدافعًا بشراسة عن فكرة "الإذن المسبق"، اختتمه بإعلان تضامنه الكامل مع نقابة الصحفيين في ضرورة تعديل المادة 12، ليُسدل الستار على يوم برلماني طويل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة