"لعبة وقلبت بجد".. كيف تعيد الدراما إنتاج التشكيك في ضحايا التحرش؟

 

انتشر مؤخرًا مقطع من إحدى حلقات مسلسل "لعبة وقلبت بجد"، يظهر خلاله البطل (أحمد زاهر)، ويعمل سائقًا يتبع أحد تطبيقات التوصيل، وهو في حالة ذهول من تصرفات إحدى الراكبات (ملك زاهر) التي استقلت السيارة بصحبته، وتعاني حالة هيستيرية، حيث تشعر طوال الوقت بالتهديد.

هذا السياق الدرامي، المصنوع لإظهار الفتاة وكأنها مصابة بحالة هستيرية وقلق مفرط من الخطف والسرقة والتعدي عليها، لا يراعي السياق الواقعي الذي تعيشه الفتيات يوميًا في الشارع المصري، ففي آخر 24 ساعة فقط، ظهرت 4 مقاطع فيديو في مناطق مختلفة ترصد وقائع تحرش، وهذا هو المُوثَّق منها فحسب، وهنا يُطرح السؤال: ماذا عمّا يجري ولا يصور، ويمر مرور الكرام وكأنه مشهد معتاد داخل المواصلات العامة؟

يفتقد المشهد التمثيلي حساسية التعامل مع الواقع، في ظل وضع راهن تُتهم فيه الفتيات بالجنون لمجرد دخولهن في حالة هيستيرية عند الحديث عن التحرش، وكأن كاتبَي العمل (علاء حسن ونسمة سمير) هبطا من كوكب آخر، ولم يكونا جزءًا من السياق الخاص بالحوادث التي تواجه النساء في الشارع من ضرب، وسحل، وتهديد، وتحرش. بعض هذه الحوادث يصبح بلغة العصر "تريند"، وبعضها الآخر يُطوى في النسيان، ليظل حبيس نفس صاحبته، متحولًا إلى صدمة نفسية (تروما) تتكرر مع كل موقف، وتتراكم.

وهنا يبرز السؤال الذي تكرر مؤخرًا بالتوازي مع واقعة حقيقية داخل أتوبيس نقل عام، هل أُصبنا نحن النساء بالجنون؟ هذا السؤال ورد أمام عيني بينما أشاهد مقطع الفيديو المنتشر للفتاة –صاحبة واقعة التحرش في الأتوبيس– حينما استمعت إلى بحة ورعشة صوتها وهي تصف الشاب الواقف أمامها بأنه متحرش. هذه الحالة الهيستيرية التي وصلت إليها الفتاة، عادت بي إلى لحظات شديدة الخصوصية وصلتُ فيها إلى نفس الحالة، فتداعت ذكرياتي مع الشارع ووسائل المواصلات التي عشتها بمفردي، ومع صديقات أخريات.

بعد وقت قصير من انتشار مقطع الفيديو، خرجت عناوين بعض المواقع الصحفية لتضع الفتاة في قالب "المريضة النفسية"، وردد الناس في التعليقات هذه النغمة، مستندين إلى كونها قدمت أكثر من بلاغ سابق بالتحرش، وكأن هذا دليل قاطع على هلاوس بصرية تعيشها الفتاة. ولم يسأل أصحاب هذه التعليقات أنفسهم: هل من الطبيعي، في بيئة اجتماعية ظهرت فيها خمس حالات تحرش في أقل من 24 ساعة -وهذا المُوثق فقط- أن نكون في حالة هدوء وسكينة؟

ففي خبر نُشر بتاريخ 11 فبراير الجاري، كشفت التحريات عن مقطع فيديو ظهرت فيه مجموعة من الشباب وهم يهددون فتاة داخل سيارتها، أنه: "حال استقلال فتاة سيارة ملاكي رفقة صديقتها، فوجئت بقيام قائد سيارة بحوزته سلاح أبيض، وبرفقته آخران، بالتحرش بهما لفظيًا والتعدي عليهما بالسب". وفي خبر آخر نُشر الأسبوع الماضي، حاول شخص تقبيل فتاة على سلالم مترو الأنفاق، وهذه مجرد أمثلة قليلة.

الإشكالية في هذا التنافر بين الدراما والواقع لا تكمن فقط في مشهد درامي عابر، أو في انفصال الكُتَّاب عن الوقائع الجارية، بل في منظومة كاملة من الخطاب الذي يُعيد إنتاج الشك في روايات النساء، ويضعهن دائمًا في خانة المبالغة، أو الوهم، أو الاضطراب النفسي. هذا الخطاب لم يظهر فجأة عبر السوشيال، بل يتغذّى عبر سنوات طويلة من التطبيع مع العنف اليومي، حتى أصبح الخوف نفسه محل سخرية –كما شاهدنا في مقطع فيديو الأتوبيس، حيث يبتسم الناس في أثناء مشاهدتهم الفتاة المنهارة– وتتحول آليات النجاة التي تطوّرها الفتيات في الشارع –مثل التصوير– إلى مادة كوميدية قابلة للاستهلاك، وتُستخرج منها الـ"ميمز"، التي تستغلها الصفحات لجمع التفاعلات.

فالفتاة التي تتحدث بصوت مرتعش، أو تنظر حولها بقلق، أو تحاول أن توهم من أمامها بأنها على اتصال بالشرطة، لا تؤدي عرضًا هستيريًا نابعًا من خلل نفسي، بل تمارس شكلًا من أشكال الدفاع النفسي في مساحة غير آمنة. هذه التفاصيل الصغيرة التي يختزلها العمل الدرامي في ابتسامة ساخرة من السائق، هي في الواقع خلاصة تجارب متراكمة من التهديد الحقيقي -سواء تكوّن هذا التراكم من خبرة مباشرة أو من قصص محيطة- ومن ذاكرة جسدية تعرف جيدًا معنى أن تكوني مُستباحة.

والأخطر، أن السخرية الدرامية لا تبقى داخل حدود الشاشة كما يعتقد البعض، بل تنتقل سريعًا إلى المجال العام فتمنح شرعية جديدة للتشكيك في الضحايا. فحين يرى المشاهد نموذجًا لفتاة خائفة تقدم بوصفها مبالِغة أو مضطربة، يصبح من السهل عليه أن يعيد استخدام هذا القالب في الواقع، فيواجه أي استغاثة نسائية بالسؤال ذاته: "هل تتوهم؟"، خاصة وأن فعل التحرش يصعب إثباته لأن المتحرش يقوم بفعلته في الخفاء. وهنا، تتحول الدراما من مجرد حكاية إلى أداة لتشكيل الوعي، وإعادة إنتاج اللامبالاة والتشكيك.

ربما السؤال الأدق ليس: هل أُصبنا نحن النساء بالجنون؟ بل: أي قدر من العنف اليومي يجب احتماله قبل أن يصبح الخوف ردّ فعل طبيعيًا؟ وما المسؤولية التي تتحملها الدراما حين تختار أن تضحك على هذا الخوف بدلًا من أن تُصغي إليه؟ ولماذا يُطلب من الضحية أن تُثبت عقلانيتها بدلًا من أن يُسأل الواقع نفسه عن اختلاله؟ وفي هذا السياق، الذي تعلو فيه حالة التشكيك في النساء بشكل مستمر، وتتكاتف فيه الشائعات ضد حقائق تمر بها المرأة، لا تكون الحساسية تجاه الألم الإنساني ترفًا فنيًا، بل شرطًا أساسيًا لأي عمل يدّعي ملامسة الواقع، وهو ما يفتخر به صُنّاع العمل. والدراما التي تفشل في رؤية خوف النساء بوصفه خبرة حقيقية تراكمت نتيجة مواقف فعلية وأخبار يومية مرعبة، تخاطر بأن تصبح جزءًا من المشكلة، لا مرآةً لها.

نحن في سياق يجعلنا نلتفت خلفنا في كل لحظة، خلال استقلال الميكروباص، وعلى سلالم المترو، أثناء محاولة خلق مساحة آمنة باستقلال سيارة خاصة، وفي أثناء اللجوء إلى المواصلات العامة. إنها حالة من القلق المستمر تضعنا تحت ضغط لا ينقطع، ضغط لا يراه كثيرون لأنه لا يترك أثرًا ماديًا واضحًا تلاحظه العيون، لكنه يتراكم في الداخل على هيئة ثقب من التوتر يتسع مع كل موقف، ويخلق استعدادًا غريزيًا لأي خطر محتمل. نُجبر على حساب خطواتنا، وطريقة جلوسنا، ونبرة أصواتنا، وحتى نظراتنا، وكأننا نتحرك داخل مساحة اختبار مستمر لسلامتنا الشخصية، لا داخل شارع من المفترض أنه ملك للجميع.

في هذا السياق، لا يُصبح الخوف استثناءً، بل يتحول إلى رفيق يومي غير مُعلن، نتعامل معه نحن النساء بقدر من الاعتياد القاسي. ومع الوقت، تتشكل لدى النساء خرائط داخلية يعتقدن أنها ستساعدهن على النجاة، أماكن يُفضَّل الوقوف فيها، وطرق يُستحسن تجنبها، وأوقات يُعاد ترتيب اليوم كله هربًا منها. هذه الاستراتيجيات الصامتة لا تُرى في الأعمال الدرامية غالبًا، لأنها لا تبدو "درامية" بالمعنى التقليدي، لكنها في الحقيقة أكثر واقعية من أي مشهد مُفتعل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة