"انت قاعد فين يا اخوي ..انت بينهم هنا، رُد عليه يا اخوي"، صرخات أطلقها محمد الصعيدي ابن مركز ومدينة قنا، بعد أن شاهد أشلاء وجثث ضحايا عبارة السلام 98 أمام مستشفى قنا العام، تلك الرحلة التي لا زالت أصداؤها، حتي بعد مرور 19 عاما محفورة في الذاكرة.
رفض محمد، في بداية الأمر، الذهاب إلى القاهرة لإجراء تحليل الـ D.N.A وفضّل المكوث على رصيف ميناء سفاجا لعدة ايام أملًا في العثور علي جثة شقيقه، بعد أن علم من مقرب له أن هناك عددا من الجثث والأشلاء تم انتشالها، ولا بد من إجراء هذا الفحص ليتعرف على شقيقه، وقتها وقع في حيرة كبيرة قائلا:"أترك أخي وأسافر القاهرة لعمل هذا الفحص أم أظل بجواره علي الرصيف".
حين يطاردك السراب
وهنا جاء صوت العقل من ابن عمه ليأخذ مكانه علي الرصيف في سفاجا حتى يذهب محمد إلى القاهرة لعمل الفحص اللازم، ولاقى معاناة كبيرة جدا، بحسب وصفه، بين المعامل وحتي خروج العينة، يقول:" انتظرنا أسابيع، وللأسف لم نتمكن من العثور على الجثة، بعد هذه الرحلة القاسية، بسبب الإجراءات المتعددة، وظللنا لأشهر منتظرين الخروج حتى ندفن جثته، ونعود بها إلى أمي، ولكن الأقدار شاءت ألا يحدث هذا" .
واستعاد محمد، في حديثه مع فكّر تاني، مشاهد إنزال أشلاء الجثث، وهى محملة في سيارة شحن كبيرة، ووقتها ارتفع صوت بكائه، حتى وجد نفسه علي سرير بغرفة المستشفى، وهنا أدرك أن الرحلة لن تنتهي، وسيكون الأمر صعبا للغاية، ومرت السنين، وإلى اليوم ينتظر عودته، رغم علمه بأن حلمه سراب يقول:"ولكنه حلم يطاردني كل ليلة".
في سكون ليل الثاني من فبراير لعام 2006 انطلقت صرخات مدوية من عمق البحر الأحمر، حيث اصطدمت أمواج البحر بالعبارة السلام 98 والتي أودت بحياة أكثر من 1400 مغترب مصري كان يحلم برؤية أهله وذويه منهم فقراء كل مكان في مصر، ومن الصعيد مصر الذي رد على صرخاتهم بصرخاته المدوية، كان المصريون على متن العبارة السلام، عقب مغادرتها ميناء ضباء السعودي متجهه لميناء سفاجا المصري وعلي بعد 57 ميلا بحريا من مدينة الغردقة نشب حريق داخل غرفة محرك السفينة، من هنا بدأت الكارثة، بحسب تقارير صحفية نشرت وقتها.
أشلاء المغتربين في مدافن الصدقة
بعد وقوع الكارثة وغرق الكثير، وانتشال المئات من الجثث والأشلاء اصطف محمد، ابن الخامسة والعشرين عاما، علي رصيف ميناء سفاجا في انتظار خروج جثمان شقيقة أحمد، الذي كان علي متن السفينة، مضي يوم تلو الآخر، والكل ينتظر خروج الجثامين، وكانت المفاجأة في انتشال أشلاء وجثث ممسوخة المعالم، لم يستطيع أحد التعرف علي أقاربه، وبدأت رحلة "D.N.A" .

العبارة السلام 98 كانت من أكبر الكوارث التي تعرضت لها مصر، وإلى اليوم لا يزال هناك مفقودون، وتم دفن الأشلاء، بعد عدم التعرف عليها في مدافن الصدقة بمحافظة قنا، خلف مقابر السيد عبدالرحيم القنائي .
لم تكن رحلة البحث عن الجثث سهلة بالنسبة لأهالي الصعيد، الذين كان حزنهم مضاعفا بين الموت وفقدان الجثامين، غطت الحيرة وجوه الكل حيث إن ثقافة الـ dna لم تكن وصلت لهم، وقتها، يقول أشرف دنداروي، عامل مشرحة علي المعاش بقنا، لـ فكّر تاني:" كنت موجودا في لحظة تسلم جثث العبارة السلام، وكانت أغلبها أشلاء، وكان المشهد صعبا للغاية،وبعد مضي وقت كبير، وعدم التعرف علي الكثير منها تم دفنهم بمقابر جماعية بالمحافظة".
مشاهد قاسية بين المشرحة والقبر
ونوّه الدندراوي إلى أن الاشلاء في الحوادث يتم حفظها داخل الثلاجات لمدة طويلة جدا وبالنسبة لي فإن رؤية الجثث المتفحمة مشهد صعب وقاسي، حتى في إجراءات تسليمها لذويها، والفحص المذكور يكون في القاهرة، وكانت لي تجربة مع أحد أقاربي تفحمت جثته بحادث سير واستغرقنا أياما ما بين معامل القاهرة والنيابة حتي نصل به للمقابر، وحتي نظرة الوادع نحرم منها، فالجثمان يكون مغلفا بأكياس بلاستيكية سوداء، ولا يسمح بفتحة نهائيا حتي دخوله القبر، والأشلاء أقسى من كون الجثة كاملة، وكنا بالمشرحة نقوم بغسل الجثث الكاملة المعالم في الحوادث العادية، ولكن غير ذلك يكون صعبا.
وأكد مدير أحد المستشفيات بقنا، رافضا ذكر أسمه، أن ثلاجات حفظ الموتى بها العديد من أشلاء مصابي الحوادث والجرائم ولا يتم دفنها إلا بعد صدور قرار رسمي من النيابة العامة بالإفراج عنها ودفنها، وللأسف حتي يصدر ذلك القرار تظل عهدة بثلاجات حفظ الموتى سنوات عديدة والبعض من أصحاب هذه الأشلاء توفاهم الله، أو سافروا أو تم تركيب أعضاء جديدة بدلا من التي فقدوها .
وأشار إلى أن مشهد أشلاء الجثث في العبارة السلام 98 لا يزال محفورا في الذاكرة عندما سقط جزء من قدم أحد الأشلاء، التي كانت داخل سيارة الشحن التي حملتهم من سفاجا لقنا، بالطبع وجود معامل في الصعيد سيوفر الكثير علي الأهالي في مثل هذه الظروف والأحداث يكون الأمر صعب جدا وفكرة السفر والانتظار علي الأرصفة وفي الشوارع مشاهد لا تنسي، وسوف تظل محفورة في ذاكرة أهالي الصعيد.
الأرض مقابل الجثة.. الأم تناشد الرئيس
أعراف الصعيد تختلف عن أي مكان آخر، فهنا بالنسبة للصعايدة الجثمان ودفنه شيء كبير، وهذا قد يدفع البعض في كثير من الأحيان إلى بيع مصوغات ذهبية أو حتي قطعة أرض، تقول السيدة غفران النجعاوي، عندما قتل نجلي علي يد أحد الأشخاص في السعودية طلبت من رئيس الجمهورية أن أحصل علي جثمانه قائلة لـ فكّر تاني:" ياريس بناشدك أحضن جثمان ولدي لو حدفع اللي ورايا واللي قدامي عشان يبات في حضني وادفنه بيدي".

قدسية الموت من مصر القديمة للحديثة
وأشار صابر عادل، أبن مدينة قنا إلى أنهم في الصعيد يبيعون الأرض مقابل الحصول علي جثث ذويهم ودفنهم في مقابر عائلتهم، وعدم الحصول على الجثة بالنسبة هم يعد عارا كبير، ويؤكد لـ فكّر تاني أنهم طالبوا بأن يكون هناك مراكز تحاليل، حتي في أسيوط وهي قريبة منا بدلا من السفر للقاهرة.
ويرى الباحث في التراث المصري، أحمد سعد جريو، أن الصعيد اتخذ قدسية الموت وجمع الجثمان والأشلاء من قبل المصريين القدماء، الذين كانوا يتخذون من الجنوب الغربي مقابر لهم، وحتي فكرة الأربعين يوما، والحصول علي الجثمان وجمع الأشلاء، جاءت من قيام ايزيس بجمع أشلاء جثمان اوزوريس ودفنها، لذا نجد أن هذه الفكر متوارثة عند أهل الصعيد.
الفحص ضروري والجثث متفحمة
يقول هيثم محمد، محام بالاستئناف العالي، إن العديد من الحوادث التي تقع علي الطرق نحتاج فيها استخراج الأوراق الرسمية، التي تثبت وفاة الشخص وللأسف تقع الكثير من الحوادث المؤلمة، التي لا يتم التعرف فيها علي الجثث، ويكون الفحص مطلوبا بشكل ضروري .
وأكد هيثم لـ فكر تاني أن المعامل في القاهرة متعددة وأسعارها متفاوتة بحسب نوع كل قضية، ولكن الظرف نفسه يكون مؤلما، فنجد الجثث متفحمة، والجثث الممسوحة المعالم ،وأخرى لا يبقى منها سوى أشلاء، وهذا الأمر تحيط به الشكوك ويكون فيها اختلاط بين النوع ما بين سيدة أو ذكر، مسلم أم مسيحي، والفحص مكلف ففي واقعة حرق اتوبيس قنا علي طريق أسيوط كانت الجثث متفحمة بشكل كبير جدا ولم نستطيع التفريق بين الجثث، وكان الحل الوحيد الفحص لمعرفة الجثث.
وهذا ما أكده، مينا فتحي، ابن مدينة قنا، الذي ظل أياما يبحث عن جثة شقيقة الطبيب مكاريوس، الذي راح ضمن الضحايا وكانت جثته متفحمة والفحص كان ضروريا لإنهاء الاجراءات، وعندما علم بالخبر خرج مسرعا، حتى أنه أكمل ارتداء ملابسه في الشارع، يقول:" لم أكن أعلم طبيعة مثل هذه الاجراءات، وحضر والدي للقاهرة، بعد أن غادرت مسرعا من قنا لأسيوط ومنها الي القاهرة وبدأنا رحلة الفحص التي استغرقت عدة أيام، كل دقيقة في مثل هذه الاوجاع تكون محفورة بالذاكرة، ولصعوبة هذا الامر لم تتمكن فكّر تاني من مقابلة الأب والأم .
ويسرد بشوي راضي،ابن مدينة نجع حمادي، شمال محافظة قنا، رحلة البحث عن جثة شقيقة مكاريوس في واقعة محطة مصر التي تفحمت جثته في الحريق المروع بمحطة مصر في عام 2019 وراح ضحيته عدد من المواطنين ما بين قتلي ومصابين، شقيقى كان مهندس ومسافر من قنا الي القاهرة وكان من المفترض أن يسافر من محطة قطار القاهرة الي مطار القاهرة الجوي الي دبى ولكن شاءت الاقدار أن يتغير كل هذا الأمر ووقتها كان الامر صعب جدا وظللنا في الشارع علي الرصيف في عز البرد ننتظر أن يتم سحب العينة للتعرف علي الجثة ،ووقتها تدخل محافظ قنا اللواء عبدالحميد الهجان لظروف صحية لوالدتي وتم الفحص .
وأشار بشوي إلى أن الصليب الذي كان في يد شقيقه ليس العلامة الوحيدة فقط لوجود عدد آخر من المسيحيين في الحادث ذاته، يعني بعض الأحيان العلامات المميزة ليست الحل حيث يجب الفحص للتأكد من العثور علي الجثمان بشكل دقيق ولكن هذا الامر مرهق ومكلف ومحزن علي الوالدين والأشقاء .
رحلة الفحص بين معامل القاهرة
تقول المحامية مروة عبدالرحيم ، ناشطة حقوقية متخصصة في قضايا المرأة بمحافظة قنا، إنه لا يوجد معامل فحص بالصعيد لـ"D.N.A "ولذا نلجأ في القضايا التي تخص الجرائم الكبرى أو قضايا النسب أو الحوادث الكبرى لمعامل القاهرة وبالطبع الأمر مكلف بالنسبة لأهالي الصعيد البسطاء وكثير يفتقر إلى حق الحصول علي قوت يومه تكاليف الفحص كانت في حوالي 7 الاف جنية ووصلت حاليا لـ 20 ألف جنيه تقريبا.
وأشارت المتخصصة في قضايا المرأة، خلال حديثها لـ فكّر تاني، إلى أن التكلفة تتحملها الزوجة وبالنسبة لها مكلف جدا، وكثير من الأهالي يرفضون اللجوء لقضايا إثبات النسب بسبب تكلفة الفحص ورسوم القضية واتعاب المحاميين فترفض القضية والدخول في دوامة القضايا وترفض إثبات نسب أولادها .
قضية فرحة في الصعيد الجوّاني
وأكدت عبدالرحيم أن بعض القضايا، خاصة المتعلقة بالنسب أتبرع بحقوقي المادية، وأحيانا أساهم في الدفع، وكانت لي قضية مشهورة في واقعة فرحه وقضية إثبات نسب ابنتها والتي كانت قضية حصلت علي حيز إعلامي كبير، فهي من القضايا الغريبة علي المجتمع الصعيدي، أن ترفع سيدة دعوي قضائية علي ابن عمها لإنكار نسب ابنته بعد الزواج بها عن طريق السنة، وهذا الزواج منتشر بشكل كبير، كما هو معروف في قري الصعيد الجواني، ورغم قسوة ما حدث الا أن الامر كان تحدي لنا ، وبالطبع توفير معامل في الصعيد لعمل الفحص سيكون أفضل خاصة أن بعض القضايا والحوادث والجرائم تحتاج الي أنجاز وتوفير نفقات.
وطالبت المحامية مروة عبدالرحيم بضرورة أن يكون هناك معامل الفحص في اسيوط أو قنا لتكون قريبة من الأهالي الصعيد بدلا من عناء السفر ، خاصة أن الصعيد كبير وتعداد سكان أقل محافظة يتعدى الــ3 ملايين نسمة حفاظا علي كرامة المواطنين من عناء السفر بحثا عن حقوقهم في أروقة المعامل بالقاهرة .
وبدورها سعت فكّر تاني لمعرفة عدد مراكز التحاليل في جمهورية مصر العربية ، ولكن لم نجد عددا محددا ومعلنا لعدد مراكز تحليل DNA في مصر، لكن يوجد العديد من المعامل والمستشفيات والمراكز البحثية التي تقدم خدمات تحليل DNA في مصر من بينها المركز القومي للبحوث، معامل البرج، وبعض المستشفيات الجامعية مثل جامعة عين شمس، و هناك بعض المعامل الخاصة التي تقدم خدمات تحليل الحمض النووي في القاهرة .
أسعار تحاليل الـdna
وتقول الدكتورة صابرين سيد ،طبيبة بشرية، لـ فكّر تاني:" إن سعر العينة لتحليل "D.N.A" يصل إلى 5955جنيها، وفي حال قضايا النسب يكون سعر العينة للأب والابن 11الفا و 910 جنيهات، وبالطبع تختلف الرسوم من معمل لآخر، ولكنها اختلافات طفيفة ويكون التحليل عبارة عن عينة دم أو غيرها من العينات.
وأكد ثروت محمد، أحد العاملين في مراكز تحليل طبية متخصصة، تختلف ثمن العينة بحسب نوعها وتراوح من 500 إلى 5 آلاف جنيه أو أكثر وتحليل البصمة الوراثية ما بين 1000 الي 10000 الاف جنيه مصري أو أكثر، ولكن المشكلة الأكبر في عدم وجود معامل في محافظات الصعيد والذهاب إلى القاهرة لإجرائه.
وفي نهاية التقرير تتلخص القصة في عدم وجود خطة لإنشاء معامل تكون تابعة للمعامل المركزية في القاهرة لتخفيف العبء على أهالي الصعيد، فعدم وجود معامل يكبّد الأهالي الكثير من المشاق فهم يدفعون ثمن كبير للحصول علي حقوقهم سواء في الحياة والموت أو حتي في الحصول علي جثث وأشلاء ذويهم لدفنها وحق القاء النظرة الاخيرة ووداعهم، بكل خطوة يدفع فقراء الصعيد لدفن موتاهم .