في واقعة كاشفة لعمق الاختلال في المنظومة العقارية، بيعت قبل أيام "فيلا" بمنتجع "القطامية هايتس" بنحو 866 مليون جنيه.
المفارقة الصادمة تظهر عند حساب الضريبة العقارية المقدرة على هذه الوحدة وحدها، والتي تزيد على 58 مليون جنيه، وهو رقم يكشف فجوة هائلة عند مقارنته بالحصيلة الإجمالية للدولة التي لا تتجاوز سنويًا ما بين 4 إلى 6 مليارات جنيه، رغم أن حجم الثروة العقارية في مصر يقدر بنحو 10 تريليونات جنيه.
ورغم الطفرة العمرانية وبناء عشرات "الكومبوندات" الفاخرة، وتضاعف أسعار العقارات خلال العقد الأخير، لا تزال الحصيلة الضريبية تمثل 0.5% فقط من قيمة هذه الثروة، مما يطرح تساؤلات ملحة حول من يدفع الضريبة ومن يفلت منها؟
من يدفع ثمن فورة العقارات الفاخرة؟
تتجلى المفارقة بوضوح عند النظر إلى لغة الأرقام التي رصدتها غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية؛ إذ شهدت أسعار العقارات قفزات جنونية تراوحت بين 10 إلى 20 ضعفًا خلال العشرين عامًا الماضية.
ولم يتوقف الأمر عند الأسعار، بل امتد لعدد اللاعبين في السوق، حيث قفز عدد شركات التطوير من 270 شركة فقط إلى نحو 15 ألف شركة حاليًا، مع تركيز استثماري هائل على "الإسكان الفاخر" الذي يتجاوز سعر الوحدة فيه حاجز الـ 5 ملايين جنيه، وهو ما كان يُفترض "نظريًا" أن ينعكس فورًا على قفزة موازية في حصيلة الضريبة العقارية.
لكن الواقع، كما يشرحه المهندس داكر عبد اللاه، عضو شعبة الاستثمار العقاري، يكشف عن خلل هيكلي في توزيع الأعباء؛ إذ تتحمل الطبقة المتوسطة العبء الأكبر في دفع الضريبة، حيث تأتي أكثر من 60% من الحصيلة الإجمالية من شقق سكنية في مناطق متوسطة وشعبية وتستخدم كسكن أساسي.
وفي المقابل، تُفرض على الأغنياء وملاك العقارات الفاخرة نسب ضريبية أقل بكثير مقارنة بدخلهم الحقيقي وقيمة أصولهم، بينما تظل الطبقة الفقيرة غالبًا خارج المنظومة ومعفاة من الضريبة.
هذا التفاوت يحمل تداعيات تتجاوز مجرد الأرقام، لتمس جودة حياة المواطن مباشرة؛ فالقانون يحدد توجيه 25% من كامل حصيلة الضريبة لتطوير العشوائيات، و25% أخرى من حصيلة كل محافظة لصالح تطوير قطاعي التعليم والصحة بها.
ومع ذلك، وبحسب "عبد اللاه"، لا يشعر المواطن الملتزم بالسداد في المناطق المتوسطة بتحسن ملموس في هذه الخدمات أو في البنية التحتية، مما يعمق الشعور بغياب العدالة.
رسميًا، تستهدف وزارة المالية في موازنة العام المالي الحالي (2025/ 2026) زيادة الحصيلة بنسبة 15% لتسجل نحو 3.166 مليار جنيه. وتظهر البيانات تدرجًا بطيئًا في المستهدفات والنتائج خلال السنوات الماضية، حيث سجلت 2.753 مليار جنيه في عام (2024/ 2025)، و2.730 مليار جنيه في (2023/ 2024)، و1.820 مليار جنيه في (2022/ 2023)، و1.842 مليار جنيه في (2021/ 2022)، وهي أرقام تظل متواضعة أمام تقديرات "عبد اللاه" التي تشير إلى أن الحصيلة الفعلية تتراوح سنويًا بين 4 و6 مليارات جنيه في ظل ثروة عقارية تتجاوز 10 تريليونات جنيه.
كيف تُحسب الضريبة؟
لفهم جذور الأزمة، يجب النظر في الآلية المعقدة لاحتساب الضريبة؛ حيث تُفرض بنسبة 10% من القيمة الإيجارية السنوية للوحدة، ولكن ليس من إجمالي القيمة، بل بعد خصم نسبة مصاريف محددة: تُخصم 30% للوحدات السكنية، و32% للوحدات غير السكنية، وذلك مقابل جميع المصروفات التي يتكبدها الممول بما فيها الصيانة.
وتتولى مهمة تحديد هذه القيمة لجان متخصصة تسمى "لجان الحصر والتقدير"، التي تتشكل برئاسة مندوب عن مصلحة الضرائب العقارية، وعضوية مندوب عن المحافظة التي يقع بها العقار، بالإضافة إلى عضو يمثل المكلفين بأداء الضريبة في نطاق اللجنة يختاره المحافظ المختص.
وتعتمد هذه اللجان في تقديراتها على معايير تفصيلية قد تبدو للبعض مبالغًا فيها، حيث تشمل الموقع الجغرافي، طبيعة المنطقة والشارع، ومدى القرب من الشواطئ أو الحدائق والمتنزهات العامة.
وتمتد المعايير لتشمل مستوى البناء (فاخر، وفوق متوسط، ومتوسط، واقتصادي، وشعبي) ونوعية مواد البناء المستخدمة (خرسانة مسلحة، وطوب مصنع، وحجر، وطوب لبن، وخشب، وصاج)، وصولًا إلى المرافق المتصلة بالعقار (كهرباء، ومياه، وصرف صحي، وتليفونات، وطرق ومواصلات)، حتى أن البعض يشير إلى أن وجود أشجار بالشارع قد يدخل ضمن الحسابات التي ترفع القيمة الإيجارية المقدرة.
جدل الإعفاءات وتأثيرها العكسي
على الجانب التشريعي، أحدثت التعديلات الأخيرة التي وافق عليها مجلس الشيوخ تحولًا جذريًا في خريطة التحصيل.
ينص القانون رقم 196 لسنة 2008 أصلًا على إعفاء السكن الخاص الرئيسي الذي تقل صافي قيمته الإيجارية السنوية عن 24 ألف جنيه.
لكن التعديلات الجديدة رفعت هذا الحد إلى 50 ألف جنيه (صافي القيمة بعد خصم مصاريف الصيانة)، وهو ما أدى عمليًا إلى خروج نحو 43 مليون وحدة سكنية من أصل 45 مليون وحدة من الوعاء الضريبي، ولم يتبقَ سوى مليوني وحدة فقط تطبق عليها الضريبة، مما يثير مخاوف حقيقية من انخفاض الحصيلة بدلًا من ارتفاعها، مع التأكيد على أن الضريبة تُفرض على "الشقة الثانية" للمالك أيًا كان سعرها أو قيمتها.
ولا تقتصر الإعفاءات على السكن، بل تشمل كل وحدة في عقار مستعملة في أغراض تجارية أو صناعية أو إدارية أو مهنية يقل صافي قيمتها الإيجارية السنوية عن 1200 جنيه، حيث يخضع ما زاد عن ذلك للضريبة.
كما تضم قائمة الإعفاءات الواسعة: الأحواش، ومباني الجبانات، والمباني تحت الإنشاء، والأبنية المملوكة للجمعيات المسجلة، والمؤسسات التعليمية، المستشفيات والمستوصفات والملاجئ والمبرات التي لا تهدف للربح، والمقار المملوكة للأحزاب السياسية، وأبنية مراكز الشباب والرياضة، والمنظمات العمالية المخصصة لإدارتها.
كما يمتد الإعفاء ليشمل العقارات المملوكة للجهات الحكومية الأجنبية بشرط "المعاملة بالمثل"، والدور المخصصة للمناسبات الاجتماعية غير الهادفة للربح.
ويرى مسؤول بالضرائب العقارية أن هذه التيسيرات سلاح ذو حدين؛ فالتجارب السابقة أثبتت أن زيادة التيسيرات قد ترفع الحصيلة عبر تقليل التهرب، مستشهدًا بتجربة وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، الذي خفض ضريبة الدخل من 42% إلى 20% واعتمد الثقة في إقرار الممول، مما جعل تكلفة التهرب "السجن" أكبر بكثير من تكلفة السداد، وهو المنطق الذي تحاول الدولة تطبيقه الآن لتقليل آلاف المنازعات القضائية التي تستنزف وقت لجان الطعن دون جدوى مالية.
هل تنجح التكنولوجيا فيما فشل فيه البشر؟
بعيدًا عن لغة الأرقام والقوانين، يكشف الواقع الميداني عن أزمة "لوجستية" حادة تعطل شريان التحصيل، يلخصها "أحمد .م.ش"، الموظف بمصلحة الضرائب العقارية، مشيرًا إلى أن تجميد "الحجز الإداري" بالمخالفة للقانون يُعد أحد الأسباب الجوهرية لضعف الحصيلة. فالتحصيل أصلًا يقوم على مسارين: "التحصيل الودي" عبر الصراف، وفي حال الامتناع يتم اللجوء لـ "التحصيل الجبري" عبر الحجز الإداري، وهو المسار المعطل حاليًا.
وتتفاقم الأزمة مع اعتماد المنظومة حتى الآن على العنصر البشري بشكل كامل، حيث لا يحمل قسيمة السداد أو ماكينة التحصيل الإلكتروني إلا "الصراف" فقط.
المفاجأة التي يفجرها الموظف هي توقف تعيينات الصيارفة تمامًا منذ 17 عامًا، مما أدى لتناقص أعدادهم بشكل حاد وأثر سلبًا على تغطية المناطق، وهو ما يستدعي ضرورة تعيين صيارفة جدد أو تمكين مأموري الضرائب من القيام بمهمة التحصيل جنبًا إلى جنب مع الصيارفة أسوة بالمصالح الإيرادية الأخرى.
ويقترح الموظف حلًا جذريًا يتمثل في توقيع بروتوكول مع الوزارات الخدمية لربط تقديم الخدمات (المحلية وغيرها) بسداد الضريبة العقارية، بالإضافة إلى تفعيل تجميد الأرصدة البنكية للممتنعين بأمر قضائي، وهو إجراء معمول به قانونًا.
ولا تقتصر المشاكل على التحصيل، بل تمتد لـ "مدخلي البيانات" الذين تعتمد عليهم المصلحة في بناء قاعدة بيانات سليمة تقلل الطعون. "ر.س"، موظف إدخال بيانات، يؤكد أنه نجح في إدخال بيانات 42 ألف وحدة في وقت قياسي لضمان جودة الأرشيف الرقمي.
ورغم ذلك يعاني وزملاؤه من تأخر مستحقاتهم المالية، مما يهدد كفاءة هذه الحلقة الحيوية في المنظومة.
روشتة "عبد اللاه": عدالة التوزيع والتحفيز المحلي
للخروج من هذا النفق المظلم، يقدم المهندس داكر عبد اللاه مقترحًا هيكليًا يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والممول. يبدأ المقترح برفع حد الإعفاء ليصل إلى ما يعادل 4 ملايين جنيه (كقيمة سوقية)، مما يضمن خروج ملايين الوحدات الخاصة بالأسر المتوسطة من دائرة الضغط، ويحصر التركيز في "القادرين فقط".
ولتحقيق التوازن، يقترح نظامًا تصاعديًا للنسب الضريبية: خفض النسبة على السكن الأساسي الحالي من 10% إلى 5% فقط، ورفعها إلى 15% للوحدات المغلقة، وتصعيدها إلى 20% للعقارات الاستثمارية الكبيرة.
تتضمن الروشتة أيضًا آلية لتقليل النزاع والتهرب، تعتمد على إعادة التقييم كل 5 سنوات، ووقف التقدير العشوائي، وربط التقييم بدخل المنطقة وعمر العقار ومستوى الخدمات.
والأهم هو مقترح "اللامركزية المالية"، حيث يطالب عبد اللاه بتخصيص 70% من حصيلة الضريبة لصالح المنطقة التي جُمعت منها مباشرة لتطوير خدماتها، وتوجيه الـ 30% المتبقية للخزانة العامة، مما يخلق حافزًا لدى المواطن للسداد حين يرى عائد أمواله في شارعه وحيه.
الحكومة: رهان التكنولوجيا وحصار "الكومبوندات"
في مواجهة هذه التحديات، تتحرك الحكومة في مسار موازٍ يعتمد على "تسهيل الإجراءات وحصار المتهربين".
يؤكد مسؤول بالمصلحة أن الوزارة تعمل على إلغاء حق المصلحة في الطعن على تقديرات الضريبة لحماية الممول من تضاعف المطالبات، مع تطوير تطبيق إلكتروني يتيح السداد عبر وسائل الدفع المختلفة وإرسال المطالبات مباشرة على الهاتف المحمول.
ولتشجيع المتأخرين، تقرر إعفاؤهم من غرامات التأخير في حال سداد المستحقات خلال 3 أشهر من تاريخ صدور القانون.
وفي خطوة حاسمة لضبط "سوق العقارات المغلقة" في الكومبوندات والقرى السياحية، ألزمت التعديلات الأخيرة إدارات هذه المنتجعات بتقديم بيانات تفصيلية (أسماء الملاك، الأرقام القومية، مساحات الوحدات) خلال عمليات الحصر الخمسي والسنوي.
وامتد نطاق الإلزام ليشمل شركات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز الطبيعي، التي باتت مطالبة بتزويد الضرائب العقارية ببيانات العملاء والمستندات اللازمة لحصر العقارات وتقدير قيمتها، لسد أي ثغرة قد يتسلل منها المتهربون، وتحديد الحالات المعفاة بدقة مثل العقارات المتهدمة أو غير المستغلة لظروف قهرية.