ندوب عدم اليقين: خريف "جيل زد" في مصر والمنطقة العربية

في غرفة صغيرة يملؤها ضوء شاشة هاتف باهت، يجلس "يوسف" (18 عامًا) يقلّب في منشورات العالم الافتراضي، ليس بحثًا عن التسلية، بل هربًا من ضجيج الأفكار الذي لا يهدأ في رأسه.

يوسف، الذي يمثل ملايين الشباب في منطقتنا، يشعر بأنه يعيش في "فراغ ثقيل"؛ فهو لا يملك مرضًا جسديًا يراه الناس، لكنه يحمل في صدره ندوبًا حفرها القلق من مستقبل ضبابي وواقع مثقل بالضغوط. يقول بمرارة: "العالم يطلب مني أن أكون منتجًا وناجحًا، بينما أنا أكافح فقط لأجد سببًا واحدًا يجعلني أغادر فراشي في الصباح".

قصة يوسف هي المرآة التي تعكس أزمة جيل كامل؛ جيل "زد" الذي وُلد في زمن عنوانه عدم اليقين، وباتت صحته النفسية هي الثمن الصامت الذي يدفعه كل يوم، ولكن، ماذا يحدث عندما يشيخ الأمل قبل أصحابه؟

فبينما يتحدث العالم عن "جيل زد" بوصفه جيل التكنولوجيا والفرص الرقمية، يختبئ خلف الشاشات في منطقتنا العربية واقع أكثر قتامة؛ جيلٌ يواجه "خريفًا" مبكرًا يذبل فيه الاستقرار النفسي تحت وطأة الحروب، والفقر، والوصمة الاجتماعية.

في هذا المقال، نفتح الملف الأكثر تكتمًا وإيلامًا: الصحة النفسية لـ 140 مليون شاب عربي. لماذا يعاني واحد من كل ستة مراهقين من اضطرابات مشخصة؟ وكيف تحولت "ندوب عدم اليقين" إلى عبء اقتصادي واجتماعي يهدد مستقبل المنطقة؟

نغوص في الأرقام الصادمة، ونرصد الفوارق الجندرية الموجعة، لنكشف لماذا تشعر فتياتنا بالانكسار النفسي، ولماذا يختار فتياننا الصمت حتى فوات الأوان. إنها ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من "ربيع" هذا الجيل قبل أن تبتلعه ندوب عدم اليقين.

الواقع النفسي للأجيال الشابة

تضم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حاليًا ما يقرب من 140 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عامًا، وهو ما يمثل حوالي ربع إجمالي سكان المنطقة.

تُشكل هذه الشريحة الديموغرافية، التي يُشار إليها غالبًا باسم جيل زد وجيل ألفا المبكر، فرصةً هائلةً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. إلا أنها في المقابل تواجه أزمةً عميقةً وغالبًا ما يتم تجاهلها فيما يتعلق بصحتها النفسية ورفاهيتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتشير التقديرات إلى أن حوالي واحد من كل ستة مراهقين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا - أي أكثر من 15 مليون شخص - يعانون من اضطراب عقلي تم تشخيصه.

وعندما يتم توسيع النطاق العمري ليشمل الشباب (10-24 عامًا)، يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية في المنطقة إلى حوالي 22.5 مليون شخص. وعلى الرغم من ارتفاع معدل انتشار هذه الحالات، لا تزال الصحة النفسية واحدة من أكثر مجالات الصحة العامة التي تعاني من نقص الموارد والوصم في المنطقة.

أبرز المشاكل

تتفاوت حالات الصحة النفسية في المنطقة بشكل كبير، حيث تتراوح بين الضيق النفسي الخفيف والاضطرابات ذات الأهمية السريرية.

تبدأ هذه الحالات عادةً في وقت مبكر من العمر؛ إذ تبدأ حوالي 50% من جميع الاضطرابات النفسية في سن 14 عامًا، وتستقر 75% منها في سن 24 عامًا. وهذا يجعل العقد الثاني من العمر نافذة حاسمة للتدخل لمنع الإعاقة طويلة الأمد.

تُعد اضطرابات القلق والاكتئاب من أبرز اضطرابات الصحة النفسية بين الشباب في المنطقة.

في عام 2019، تم تحديد اضطرابات القلق باعتبارها أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا. تشير البيانات الإقليمية من المسح العالمي لصحة الطلاب في المدارس (GSHS) إلى أن نسبة كبيرة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يعانون من أعراض القلق المزمن.

وعلى سبيل المثال، أفاد 18.4% من الطلاب في الأردن و13.7% في لبنان بأنهم لم يتمكنوا من النوم ليلًا بسبب القلق "في معظم الأوقات" أو "دائمًا" خلال العام الماضي.

أما بالنسبة للأطفال الصغار والمراهقين في بداية سن المراهقة، فإن الاضطرابات النمائية والسلوكية هي السائدة. يُقدّر أن الإعاقة الذهنية النمائية مجهولة السبب واضطرابات طيف التوحد تؤثر على ما يقارب 7% من الأطفال دون سن العاشرة في المنطقة.

كما أن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) واضطرابات السلوك منتشرة أيضًا، لا سيما بين الأولاد الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا.

ومع تقدم المراهقين في العمر ودخولهم مرحلة الشباب، يتحول العبء نحو الاضطرابات النفسية الداخلية مثل الاكتئاب والقلق، والتي تمثل جزءًا كبيرًا من سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة (DALYs).

ويمثل الانتحار وإيذاء النفس المتعمد أخطر نتائج سوء الصحة النفسية، وهما من الأسباب الرئيسية للوفاة بين الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في عام 2019، كان الانتحار ثالث سبب رئيسي للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا في المنطقة، حيث بلغ عدد الوفيات ما يقرب من 1800 حالة وفاة سنويًا.

تُعدّ الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار شائعة بشكل مثير للقلق؛ إذ تكشف بيانات مسح الطلاب أن ما بين 14.1% و23.3% من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا قد فكروا جديًا في الانتحار، وأن ما بين 9.8% و22.5% منهم قد حاولوا الانتحار خلال الاثني عشر شهرًا الماضية.

ضعف الصحة النفسية: محددات وأسباب

تتأثر الصحة النفسية للأجيال الشابة في المنطقة بما تُعرّفه اليونيسف بثلاثة "مجالات تأثير": عالم الطفل، والعالم المحيط بالطفل، والعالم ككل.

أولًا: عالم الطفل والمراهق

بالنسبة للأطفال الصغار، يُعد الارتباط الصحي بمقدمي الرعاية العامل الأساسي المحدد لرفاهيتهم. ومع ذلك، يتعرض العديد من الأطفال في المنطقة لبيئات رعاية سامة. تعرض ما يقرب من ثلاثة أرباع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و14 عامًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للتأديب العنيف، بما في ذلك العدوان النفسي أو العقاب البدني في المنزل.

في دول مثل مصر، يتجاوز هذا الرقم 90 بالمائة. تؤدي تجارب الطفولة السلبية هذه إلى إجهاد سام، والذي يمكن أن يعيق نمو الدماغ ويزيد من خطر الإصابة باضطرابات الصحة العقلية في المستقبل.

وتلعب الصحة النفسية للأمهات دورًا حاسمًا أيضًا؛ إذ تعاني حوالي واحدة من كل أربع نساء في المنطقة من اكتئاب ما بعد الولادة، مما قد يؤثر سلبًا على نمو الطفل والترابط بين الأم والرضيع.

ثانيًا: العالم المحيط بالطفل والمراهق

تزداد أهمية العلاقات مع الأقران والعلاقات الاجتماعية خلال فترة المراهقة. يُعد التعرض للتنمر والإيذاء من الأقران عامل خطر واسع الانتشار في المنطقة العربية.

وأفاد ما بين 18 و70 بالمائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا بتعرضهم للتنمر خلال شهر فائت. علاوة على ذلك، أفاد ما يصل إلى 50% من الطلاب بتورطهم في شجار جسدي أو تعرضهم لاعتداء جسدي.

ولقد أدت البيئات الرقمية إلى ظهور مخاطر جديدة، حيث يتعرض ما يقرب من واحد من كل عشرة مراهقين في المنطقة للتنمر الإلكتروني. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تسهل التواصل، إلا أنها تساهم أيضًا في المقارنة الاجتماعية وتدني احترام الذات.

ثالثًا: العالم على نطاق واسع

تتأثر المنطقة بشكل كبير بالعوامل السياسية واسعة النطاق، بما في ذلك النزاعات والنزوح والفقر. يعيش ما يقرب من 61 مليون طفل (طفل واحد من كل ثلاثة) في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المتضررة من النزاعات، وهو ما يرتبط بارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب.

وجدت دراسة أجريت عام 2021 على الأطفال المتضررين من النزاع في سوريا أن 36% منهم يعانون من الاكتئاب و27% يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. أكثر من 8 ملايين طفل في المنطقة هم لاجئون أو نازحون داخليًا، ويواجهون مخاطر مثل الانفصال عن أسرهم، وفقدان الروابط، وانقطاع الوصول إلى الخدمات.

يُعد الفقر عاملًا حاسمًا آخر؛ ففي دول مثل السودان واليمن، يعيش ما يقرب من نصف السكان تحت خط الفقر الوطني. تؤدي الصعوبات الاقتصادية إلى زيادة الضغوط الأسرية، وغالبًا ما تجبر المراهقين على العمل في ظروف قاسية، وهو ما يرتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق.

وقد فاقمت جائحة كوفيد-19 هذه النتائج من خلال زيادة العزلة الاجتماعية، وتعطيل الخدمات، وتعريض المزيد من الأطفال للعنف المنزلي أثناء فترات الإغلاق.

الفروق بين الجنسين

توجد فوارق كبيرة بين الجنسين في انتشار وطبيعة مشاكل الصحة النفسية، وغالبًا ما يكون ذلك مدفوعًا بالمعايير الجنسانية الجامدة والتوقعات الاجتماعية:

  • الفتيات والشابات: تعاني الفتيات من عبء أكبر من الاضطرابات النفسية الداخلية، مثل الاكتئاب والقلق. تشير التقديرات النموذجية إلى أن انتشار القلق والاكتئاب أعلى بين الفتيات منه بين الفتيان في جميع الفئات العمرية في الدول العشرين التي شملتها الدراسة في المنطقة.

في أواخر فترة المراهقة وبداية مرحلة البلوغ، تُعد الأمراض غير المعدية - بما في ذلك الاضطرابات النسائية والسرطانات - السبب الرئيسي لسوء صحة الفتيات، حيث تمثل 49% من إجمالي عبء الأمراض لديهن. غالبًا ما ترتبط أسباب هذا الانتشار بالعوامل الاجتماعية والمعايير الجنسانية التي قد تحد من كرامة الفتيات وحرية تنقلهن وتعليمهن.

في دول مثل العراق واليمن والسودان، يتم زواج ما يقرب من ثلث الفتيات قبل سن الثامنة عشرة. يرتبط زواج الأطفال والحمل المبكر ارتباطًا وثيقًا بتدهور الصحة النفسية واكتئاب ما حول الولادة. كما أن الفتيات أكثر عرضة لخطر التعرض للعنف الجنسي والعنف من الشريك الحميم، وهما عاملان قويان محفزان لاضطراب ما بعد الصدمة والأفكار الانتحارية.

  • الأولاد والشباب: يعاني الأولاد من عبء أكبر من الاضطرابات الخارجية، مثل اضطرابات السلوك واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

كما يعانون من معدلات وفيات وإصابات أعلى بكثير؛ إذ يبلغ معدل وفيات الأولاد ضعف معدل وفيات البنات تقريبًا، ويعود ذلك أساسًا إلى إصابات حوادث النقل والعنف.

وفيما يتعلق بالانتحار، يمثل الأولاد ما يقرب من ثلثي جميع حالات الوفاة بسبب الانتحار في المنطقة. ففي سلطنة عمان، يبلغ معدل الانتحار بين الأولاد ما يقرب من خمسة أضعاف معدله بين الفتيات. يُعزى هذا التفاوت جزئيًا إلى استخدام الذكور لوسائل أكثر فتكًا، وإلى الأعراف الاجتماعية التي تثني الأولاد عن طلب المساعدة.

كما أن الأولاد أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات محفوفة بالخطر، بما في ذلك تعاطي التبغ والمخدرات؛ إذ إن استخدامهما أعلى بشكل ملحوظ بين المراهقين الذكور مقارنة بالفتيات.

فجوة خدمات الصحة النفسية

إن تقديم خدمات الصحة النفسية بفعالية يعرقله وجود عوائق هيكلية كبيرة. لا يزال دمج هذه الخدمات في الرعاية الصحية الأولية للأطفال والمراهقين والأمهات هدفًا لم يتحقق إلى حد كبير.

1- انخفاض الأولوية والتمويل: ينصب التركيز الوطني بشكل أساسي على الصحة النفسية للبالغين والرعاية المتخصصة في المستشفيات. في البلدان متوسطة الدخل، يتم تخصيص أكثر من 70% من الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية للمستشفيات النفسية بدلًا من الخدمات المجتمعية.

عالميًا، تنفق الحكومات 2% فقط من ميزانياتها الصحية على الصحة النفسية، وفي منطقة شرق المتوسط ينخفض هذا الرقم إلى 1.3%. يساهم هذا النقص في فجوة علاجية هائلة؛ فعلى سبيل المثال، لا يتلقى ما يصل إلى 71% من الأشخاص المصابين بالذهان الخدمات اللازمة.

2- القدرة الاستيعابية للقوى العاملة: يفتقر العاملون في الرعاية الصحية الأولية للقدرة على إدارة احتياجات الأجيال الشابة. يوجد أقل من 10 عاملين في مجال الصحة النفسية للأطفال والمراهقين لكل 100,000 شخص في أغلب البلدان.

وعلى الرغم من برامج التدريب، يشعر العديد من مقدمي الرعاية بعدم كفاءتهم في إدارة حالات الأطفال، ويعتمدون على إحالة المرضى إلى أخصائيين مثقلين بالأعباء. كما يوجد نقص حاد في المتخصصين مثل أطباء نفس الأطفال وممرضي الصحة النفسية لتوفير الإشراف.

3- الوصمة الاجتماعية كحاجز: لا تزال الوصمة من أقوى العوامل التي تعيق طلب الرعاية. تدفع المفاهيم الخاطئة العائلات لطلب المساعدة من المعالجين التقليديين أو الدينيين أو التخلي عن الرعاية تمامًا لتجنب النبذ الاجتماعي. كما تنتشر الوصمة داخل النظام الصحي نفسه؛ ففي العديد من البلدان، يؤدي محاولة الانتحار إلى ترسيخ هذه الوصمة ومنع الأفراد من طلب المساعدة المنقذة للحياة.

ختامًا نقول: تتسم الحالة الصحية النفسية الحالية للأجيال الشابة في منطقتنا بارتفاع هائل في الاحتياجات غير الملباة، وظهور الاضطرابات في سن مبكرة، وتعرض كبير للضغوط البيئية والاجتماعية القاسية. إن ترك هذه "الندوب" لتكبر وتتفاقم ليس خيارًا، بل هو انتحار بطيء لمستقبل المنطقة وتنميتها.

ورغم ضخامة التحديات، إلا أن المنطقة تمتلك اليوم فرصة فريدة لبناء أنظمة مرنة تُقدّر الصحة النفسية وتعززها وتحميها باعتبارها حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.

إن حماية الصحة النفسية لجيل "زد" ليست مجرد مسألة طبية، بل هي الرهان الحقيقي لضمان تمكين شبابنا من بلوغ كامل إمكاناتهم وبناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة. لقد حان الوقت لتتحول الصرخات الصامتة خلف الجدران إلى سياسات فاعلة على الأرض، قبل أن نفقد جيلًا كاملًا تحت وطأة الإهمال والوصمة.

المزيد من الإحصاءات في هذه التقارير:

  1. UNICEF Middle East and North Africa Regional Office, Burnet Institute and WHO Eastern Mediterranean Regional Office (2024). Integration of Mental Health and Psychosocial Support in Primary Health Care for Children, Adolescents, Pregnant Women and New Mothers in the Middle East and North Africa Region. Regional Report 2024.
  2. United Nations Children’s Fund (2021). The State of the Worlds Children 2021: On My Mind – Promoting, protecting and caring for childrens mental health. UNICEF, New York.
  3. UNICEF Middle East and North Africa Regional Office and Burnet Institute (2023). Young Peoples Health and Wellbeing in the Middle East and North Africa Region: Initial secondary analysis of quantitative data for selected indicators of health and wellbeing among 10-24-year-olds in 20 countries.
  4. World Health Organization (2022). World mental health report: transforming mental health for all. Geneva: World Health Organization.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة