عن "جهاز مستقبل مصر".. فؤاد وكامل: اتفقا على غياب الدولة واختلفا على كل شيء آخر

كان يُفترض بالمشاركين في اللقاء الذي أعده حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، تحت عنوان "قانون تنظيم جهاز مستقبل مصر"، أن يتبادلوا وجهات النظر عن قانون عمل الجهاز، غير أن الأمسية التي استضافها الحزب بمقره أمس الأحد، وشارك فيها الأكاديمي مصطفى كامل السيد والبرلماني محمد فؤاد، تحولت إلى مناظرة بين جبهتي تأييد ومعارضة، تدافع الأولى عن القانون وترى إمكانية مروره ببعض التعديلات، بينما ترفضه الثانية جملةً وتفصيلًا.

هذا التباين في وجهات النظر الذي سيطر على قاعة الندوة، بدت معه القاعة فريقين، يمثل الأول محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، ويمثل الثاني مداخلة أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل وإلى صفه الجمهور، وهو اصطفاف تبلور بعد أن عبّر فؤاد عن حتمية مرور القانون سواء بشكله القديم أو بعد التعديل، قائلًا إن "احنا بنتكلم عن جهاز شغال من 2017، يعني هو ما جاش اتعمل في القانون ده"، وقبل أن يطرح وجهة نظره عن مشروع القانون وموقف الحزب من الجهاز، حرص النائب محمد فؤاد على شرح الهيكل التشغيلي لجهاز مستقبل مصر، موضحًا تشكيله من 3 أذرع أساسية، أولها منصة "تمكين" الخاصة بالاستصلاح الزراعي والتنمية المستدامة، وثانيها "أهرامات النيل"، وهو ما شبهه فؤاد بالصندوق السيادي الاستثماري، وأخيرًا منصة "داعم".

وأقر مجلس النواب القانون، بعد إجراء عدد من التعديلات على النسخة التي وصلته كمشروع قانون في 6 يوليو الجاري، على بعد أيام من توصيات الرئيس في خطابه تجاه عمل جهاز مستقبل مصر، وهو إقرار شابه أيضًا الاختلاف بين وجهتي نظر متباينتين، إذ مثّل حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي جبهة الاعتراض ورفض مشروع القانون باعتباره يجعل من الجهاز كيانًا موازيًا للحكومة، في حين قرر حزب العدل الليبرالي أن يعمل على المتاح من التعديلات، وكأن ما دار داخل قاعة النواب كان بروفة مصغرة للمناظرة نفسها التي ستتكرر أمام جمهور اليسار.

ثم عاد فؤاد ليخوض الجولة الثانية من هذه المواجهة أمام حضور يساري، باعتبار أن الداعي للقاء كان حزب "التحالف الشعبي الاشتراكي"، فطرح منهجيته للتعامل مع قانون قدمته الدولة بنفسها، سعيًا للتحصل على أقل قدر ممكن من الضرر، مشيرًا إلى أن انتزاع بعض التعديلات يُعد مكسبًا في حد ذاته، ورأى أن مثل تلك القوانين لا يمكن التعامل معها بمبدأ "أن تنسحب وتحدف عليه طماطم، لأنه جاي جاي ومن غيرك". واستنكر النائب البرلماني الابتعاد عن التعاطي مع القوانين التي تدعمها الدولة، حيث يرى إن "إحنا خلاص بنرمي التراب على السياسة ونقعد نتكلم إحنا لوحدنا في غرفنا المغلقة ولن يتعاطى معنا أحد بأي جدية خالص إلا لمّا تتكلم على تخريج الأمر"، لذلك اختار فؤاد، حسب قوله، "الاشتباك حتى وإن بدا عبثيًا، وهو كان عبثي الحقيقة يعني".

ويرى فؤاد نجاح وجهة نظره في إثبات جدارتها بعدما استجابت الحكومة للتعديلات المقترحة من خلال "إلغاء جزء كبير من الاستثناءات، إخضاع أنشطة للضرائب، العلاقة بين الخزانة العامة، وإلغاء الحد الأقصى"، وقد مثلت الاستثناءات التي لا حصر لها للجهاز مخاوف لدى فؤاد وأقرانه في العدل، بسبب الهيكل الذي يقوم عليه الجهاز في الأساس، إذ يشير إلى قيام "داعم" بـ"الدور التشغيلي للدولة"، ما يمكنها من بناء المدارس والمستشفيات وكافة القطاعات الخدمية، وهو ما يخلق مجالًا لتداخل الأدوار ويطرح تساؤلًا عن "دور الدولة".

وفي مواجهة هذا الطرح، استعد أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل للاشتراك في المناظرة من زاوية مختلفة تمامًا، فبدأ بالتنازل عن سؤال "دور الدولة" أصلًا، لأنه عدّ الجهاز بالكامل تدشينًا لدولة موازية، قائلًا إن "الجهاز عنده استقلال مالي وإداري وفني، فلا أحد يتدخل في أموره"، ووصف كامل الجهاز في صلاحياته بأنه "سلطة فوق الحكومة"، والسبب بالنسبة إليه أن "الجهاز هو اللي بيكلف الوزارات بتنفيذ بعض المشروعات، وهذا مما يؤكد إنه هو جهاز فوق السلطة".

ويشير كامل إلى سطوة الجهاز على عمل ما يقرب من 6 وزارات مختلفة، أبرزها الزراعة والاستثمار والصناعة، كما أن الوزارات المختلفة تحضر اجتماعات الجهاز دون أن يكون لها الحق في الاعتراض على عمله، ويستدل كامل بحديث رئيس الجمهورية في آخر مؤتمرات الجهاز، حين أشاد بعمله وبتعاون 6 وزارات معه لتحقيق مهامه، وهو ما يعني بالنسبة إلى الأكاديمي "عدم جدوى الجهاز".

بينما أصر الحضور على عدم تجاوز أمر غياب الدولة ودورها، خاصة مع تولي الجهاز مسؤولية تنظيم الاستثمارات الأجنبية التي هي في الأصل من مسؤولية وزارة الاستثمار، وطرح فؤاد سؤاله عن "دور الدولة" أيضًا ليكون مرجعًا للتقييم، متسائلًا إن كان هناك عقد اجتماعي واضح يشير إلى دور الدولة، ويرى أن الدولة تصرح بشكل غير معلن بتخليها عن مهامها التشغيلية وإسنادها إلى الجهاز من خلال صندوق "داعم".

واتفق فؤاد ومصطفى كامل في الرؤية مجددًا، على الرغم من موقعيهما المتقابلين في المناظرة، بعدما قال كامل إن وزارة المالية على سبيل المثال تمتلك فقط 48% من الدخل الحكومي، ما يعني عدم وجود الدولة بشكل أساسي من قبل، مضيفًا "الحكومة تتخلى عن توفير دورها في التعليم والصحة"، وصاحب ذلك إشارة بالموافقة من النائب محمد فؤاد. ووسط صراع الجبهات، توقف النائب محمد فؤاد أمام مفارقة الندوة الكبرى وسخريتها اللاذعة، فعلى غير المعتاد وجد الليبرالي النائب محمد فؤاد نفسه يدافع عن "الملكية العامة" للدولة في مواجهة تغول الصناديق الاستثمارية الكبرى، بينما كان الحضور اليساري غارقًا في نقد مسارات الخصخصة وبيع الأصول، وعلق فؤاد ساخرًا وسط القاعة قائلًا إنه "مستغرب نفسي كليبرالي بأدافع عن الملكية العامة للدولة، في حزب يساري مع أن اليسار هنا بيدافع عن الخصخصة، هفضل أضحك على ده طول عمري"، في تلخيص للعبث الأيديولوجي الذي يطبع المشهد السياسي المصري بشكل أكبر.

أما كامل فاستنكر غياب أسباب طرح القانون داخل البرلمان في ذلك التوقيت، وعدم ذكر ذلك في مشروع القانون، واضعًا فرضية لتوضيح خلفية التحول عن الإدارة العسكرية بشكل كامل، حيث كان جهاز مستقبل مصر بالكامل يقع ضمن مسؤوليات وزارة الدفاع، ليتحول إلى جهاز مدني رغم بقاء مديره العسكري، اللواء بهاء الغنام، وتقوم فرضية كامل على خضوع الدولة لتوجيهات البنك الدولي بالتخفيف من قبضة القوات المسلحة على القطاعات المختلفة، مضيفًا على نحو تكميلي أن "في الأساس امتداد نفوذ القوات المسلحة يقلل من النمو الاقتصادي"، ويعترض كامل على المساحة الأكبر التي يأخذها الجهاز مع الوقت، قائلًا إنه "كمتخصص، ليس لدي ما يثبت نجاح عمل الجهاز".

وفي ختام الندوة عادت القاعة بدأت، جبهتان متقابلتان تتقاطعان أحيانًا وتتباعدان في أحيان أخرى، ولم تحسم الأمسية جدل مشروعية الجهاز أو حدود صلاحياته، لكنها كشفت أن المواجهة بين فؤاد وكامل، رغم اختلاف مدخليهما، التقت في نقطة واحدة وهي أن سؤال "دور الدولة" ظل معلقًا بلا إجابة قاطعة من أي من الطرفين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة