خيام لا تحمي.. غزة تحت "حصار الشتاء"

بعد مرور أكثر من عامين من الحرب والدمار يعيش قطاع غزة في الوقت الحالي واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا، فمع استمرار النزوح القسري داخل القطاع منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر 2023 وجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم داخل خيام وملاجئ مؤقتة تحولت من حل طارئ إلى واقع دائم ومن مأوى مفترض إلى عامل إضافي لتعميق المعاناة الإنسانية.

لم تُصمم الخيام لتحمل ظروف الشتاء القاسية ومع هطول الأمطار الغزيرة والعواصف العنيفة خلال الأسابيع الأخيرة تحولت الخيام إلى مساحات من الطين والمياه الراكدة وغرقت آلاف الخيام أو تطايرت بفعل الرياح تاركة العائلات بلا حماية من البرد أو المطر

الجارديان.. فشل المساعدات في أداء وظيفتها

أمطار أغرقت الخيام القماشية وبللت أغطية يفترشها النازحون أ.ف.ب

وفي هذا السياق فقد سلط التقرير الأخير لصحيفة الجارديان البريطانية، الضوء على البعد الأخطر للأزمة كاشفًا عن عددٍ كبيرٍ من الخيام المقدمة لإيواء النازحين لا يوفر الحد الأدنى من شروط المأوى الآمن كما أن العواصف الأخيرة تسببت في انهيار وتلف وتطاير آلاف الخيام ما يؤثر بشكل مباشر على نحو ربع مليون نازح، وقد خلص التقرير إلى أن الخيام التي تم تسليمها مؤخرًا بات استبدالها أمرًا ملحًا بعد أن كشفت الأمطار هشاشتها البنيوية وسوء تصميمها.

في تقييمها الصادم، ترصد الجارديان المساعدات الدولية وتُظهر تفاوتًا كبيرًا بين ما يُقدم وما يحتاجه النازحون فعليًا للبقاء على قيد الحياة. فوفقًا للصحيفة البريطانية، أثبتت الخيام القادمة من مصر والسعودية والصين "هشاشة هيكلية" جعلتها تنهار أمام أول اختبار حقيقي للمطر والرياح، في مقابل صمود نسبي للخيام التي وفرتها قطر والأمم المتحدة، لالتزامها بالحد الأدنى من معايير الأمان.
وهو تباين لا يقف عند حدود الخلل الفني أو نوعية القماش، بل يعري أزمة بنيوية أعمق في ضمير العالم؛ حيث تحولت معايير الإغاثة إلى أرقام في كشوف الشحن، دون اكتراث بمدى صلاحيتها لحماية أرواح تنهشها الحرب والبرد.

تسييس الإغاثة وتهميش الدور الأممي

ويشير التقرير إلى أن هذا الخلل ارتبط بمحاولات إسرائيلية لتهميش دور الأمم المتحدة وتجاوز القنوات الأممية، إذ لم يُسمح منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 بدخول سوى نحو 20 ألف خيمة من أصل 90 ألفًا كانت مقدّمة عبر المنظمات الدولية. وفي ظل القيود المفروضة على إدخال مواد البناء ومعدات الحماية من الفيضانات، تحولت العواصف الأخيرة إلى تهديد مباشر للحياة، وأسفرت عن سقوط قتلى نتيجة انهيار المباني.

امرأة تجلس بجوار أطفالها داخل ملجأ في مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة أ.ف.ب

الأزمة لا تتوقف عند رداءة الخيام بل تمتد إلى تفكيك منظومة العمل الإنساني نفسها فقد حظرت إسرائيل مؤخرًا نشاط 53 منظمة دولية غير حكومية وامتنعت عن تجديد تراخيص عشرات المنظمات العاملة في غزة والضفة الغربية. كما تلقت 37 منظمة إخطارًا رسميًا بإنهاء تسجيلها نهاية ديسمبر الماضي، مع إلزامها بوقف عملياتها خلال 60 يومًا، رغم سريان وقف إطلاق النار واستمرار الاحتياجات الإنسانية الحادة.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية للأزمة

هذا الواقع يحوّل الإغاثة من حق إنساني إلى أداة خاضعة للاعتبارات السياسية ويترك النازح الفلسطيني أمام خيارين قاسيين: خيمة لا تحمي، أو انعدام كامل للمأوى، الحياة داخل الخيام لا تعني فقط غياب الحماية المادية بل تخلّف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة خاصة على الأطفال وكبار السن فصعوبة الحصول على الغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، وغياب الخصوصية، كلها عوامل تقوّض الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

تكشف أزمة الخيام في غزة أن الكارثة الإنسانية لا تُقاس بعدد المساعدات بل بجودتها، ومعاييرها، والجهة المشرفة عليها. فحين تتحول الخيام إلى هياكل هشة، وحين يُهمَّش دور الأمم المتحدة، تصبح المساعدات جزءًا من الأزمة بدل أن تكون حلًا لها، وفي غزة حيث لا يملك النازح رفاهية الاختيار، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معًا مطروحًا بإلحاح: هل يُسمح بتقديم "مساعدات" لا تحمي الإنسان من المطر، بينما يُمنع عنه الحق في مأوى آمن وكرامة إنسانية؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة