في أزقة القاهرة التي لا تنام، وبين طاولات المقاهي التي يمتزج فيها دخان الشيشة بوميض شاشات الهواتف الذكية، لا يكتفي شباب مصر اليوم بانتظار الغد، بل يصيغون ملامحه بأحلامهم القلقة وطموحاتهم المتمحورة حول الذات.
خلف كل رقم في تقرير أبسوس “توقعات 2026: نسخة مصر“، نجد قصة شابٍ يخطط لتطلعاته الشخصية، وشابةٍ تؤمن أن مقعد القيادة بانتظارها، وجيلًا كاملًا يرقص على الحافة بين تفاؤلٍ مفرط بواقع محتمل وقلقٍ حذر من مكانة وظيفته في عالم الذكاء الاصطناعي.
إنهم “جيل زد” في مصر؛ الجيل الذي يحمل في حقيبة ظهره رغباته الذاتية وطموحه المهني وتكنولوجيا المستقبل، معلنًا بوضوح أن عام 2026 لن يكون مجرد رقم في التقويم، بل لحظة هامة لإعادة تحديد ملامح طموحه الشخصي.
مع مشرق عام 2026، يبرز انقسام جيلي واضح في قلب مصر. فبينما يرسم التقرير صورةً لأمة يغمرها التفاؤل عمومًا، تكشف نظرة فاحصة على البيانات أن جيل زد (الذين تتراوح أعمارهم اليوم بين 13 و24 عامًا) يعيشون هذا المستقبل بمستوى من الشدة – سواء في الأمل أو القلق – يفوق بكثير نظراءهم الأكبر سنًا.
في المقاهي التي عمت أنحاء القطر ودورات ريادة الأعمال التي تفشت في كل مكان، لا يكتفي الشباب بانتظار المستقبل، بل يطالبون به. فمن آرائهم حول المساواة بين الجنسين والنمو الاقتصادي إلى مخاوفهم العميقة بشأن سوق العمل وخداع الذكاء الاصطناعي، يُمثل شباب مصر طليعة مجتمع يشهد تغيرًا عميقًا.
فجوة التفاؤل
يُبرز المقياس الأساسي للتقرير – وهو التفاؤل العام – أول انقسام رئيسي. فبينما يعتقد 82% من عامة السكان أن عام 2026 سيكون عامًا أفضل من عام 2025، ترتفع هذه النسبة إلى 86% بين جيل زد. قارن هذا بالفئة العمرية 45 عامًا فأكثر، حيث يبلغ التفاؤل 79%، على الرغم من أنه لا يزال مرتفعًا. وهذا ليس مجرد تفاؤل أعمى، بل هو موقف استباقي.
يكشف التقرير عن “موجة قرارات” يقودها الشباب. إذ يخطط 88% من جيل زد لوضع قرارات شخصية لعام 2026، وهي أعلى نسبة بين جميع الفئات العمرية.
وبالمقارنة، فإن 64% فقط من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فأكثر يعتزمون القيام بالأمر نفسه. ويأتي هذا في سياق اتجاه بدأ في عام 2025، حيث كان 52% من جيل زد قد حددوا أهدافهم بالفعل، أي ما يقرب من ضعف نسبة 34% المسجلة في الفئة العمرية الأكبر سنًا.
بالنسبة للشباب المصري، فإنه يُنظر إلى عام 2026 على أنه فرصة لإعادة ابتكار الذات، بينما يظل الجيل الأكبر سنًا أكثر ارتباطًا بالوضع الراهن.
آمال كبيرة ومخاوف اقتصادية
ولعلّ أكثر الاتجاهات تعقيدًا بين جيل زد المصري هو نظرتهم إلى الاقتصاد. فعلى المستوى الكلي، يعتقد 85% منهم أن الاقتصاد المصري سيشهد انتعاشًا في عام 2026، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة 77% بين الفئة العمرية 35-44 عامًا والفئة العمرية 45 عامًا فأكثر اللذين يشاركونهم هذا الرأي. كما أنهم الأكثر تفاؤلًا بشأن الاقتصاد العالمي، حيث يتوقع 81% منهم أداءً أقوى مقارنة بـ 78% من الفئة العمرية الأكبر.
إلا أن هذا التفاؤل الكلي ينهار عند اصطدامه بالواقع الشخصي لسوق العمل.
يُعدّ جيل زد أكثر الفئات قلقًا بشأن التوظيف؛ إذ يعتقد 71% منهم أنه سيكون من الصعب إيجاد وظيفة في عام 2026، وهو شعور يشاركه 72% ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا. في المقابل، ينظر 53% فقط من الفئة العمرية 35-44 عامًا – وهم على الأرجح من استقروا بالفعل في وظائفهم – إلى سوق العمل بمثل هذا الخوف.
يُؤدي هذا الخوف من الركود المحلي إلى هجرة محتملة للعقول والمواهب، والتي يعتقد الشباب أنها حتمية. فبينما يتوقع 75% من المصريين هجرة المهنيين المهرة إلى الخارج عام 2026، تصل هذه النسبة إلى ذروتها عند 82% بين جيل زد. 71% فقط ممن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا يرون أن هذه الهجرة الجماعية محتملة. أما بالنسبة للشباب، فيبدو أنهم أصبحوا أكثر استعدادًا للإعجاب بوطنهم مصر من بعيد إذا لم يتحسن سوق العمل المحلي.
قيادة مسيرة المساواة
ويتطلع جيل زد في عام 2026 إلى تغيير اجتماعي ما في العلاقة بين الجنسين. تُظهر البيانات تقدمًا واضحًا في الآراء تجاه المساواة بين الجنسين تبعًا للعمر. يتوقع 81% من جيل زد زيادة مشاركة المرأة في السياسة والمناصب القيادية، مقارنةً بـ 73% ممن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا.

يتفاقم هذا التفاوت بشكل ملحوظ فيما يتعلق بفجوة الأجور بين الجنسين. إذ يعتقد ثلاثة أرباع (76%) من جيل زد أن عام 2026 سيشهد أخيرًا حصول النساء على أجور متساوية مع الرجال مقابل العمل نفسه. هذه النظرة المثالية أقل شيوعًا بين الأجيال الأكبر سنًا، حيث يعتقد 68% فقط ممن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا و64% ممن تتراوح أعمارهم بين 35 و44 عامًا أن المساواة في الأجور أمر غير مرجح.
وبالنسبة لأصغر المصريين سنًا، لم تعد التقاليد الاجتماعية للماضي مقبولة.
أزمة الثقة في الذكاء الاصطناعي
وباعتبارهم أول جيل من أبناء العصر الرقمي الحقيقيين، يتميز جيل زد في مصر بتواصله الواسع وتشككه الشديد في التكنولوجيا – أكثر من أي فئة عمرية أخرى. فبينما يتوقع 80% من جيل زد – في عام 2026 – قضاء وقت أطول في التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت مقارنةً بالتواصل المباشر (وهي نسبة أعلى قليلًا من نسبة 77% لمن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا)، إلا أنهم أيضًا الأكثر حذرًا من الأدوات الرقمية التي يستخدمونها.
يرى الشباب أن صعود الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا فريدًا. يُعدّ جيل زد الأكثر قلقًا بشأن الخداع الناتج عن الذكاء الاصطناعي؛ إذ يعتقد 83% منهم أنهم سيواجهون صعوبة في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المزيف، مقارنةً بـ 72% ممن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا. كما أنهم الأكثر ترجيحًا للنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه قاتل للوظائف، حيث يتوقع 79% منهم فقدان وظائف قائمة بسبب هذه التقنية، مقارنة بـ 66% من الفئة العمرية الأكبر سنًا.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، إلا أنهم ما زالوا أكثر تفاؤلًا من كبار السن بشأن الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، حيث يتوقع 77% منهم أن يخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة، في حين أن 61% فقط ممن تزيد أعمارهم عن 45 عامًا يرون أي إمكانية لخلق وظائف من قطاع الذكاء الاصطناعي.
يشير هذا إلى أن جيل زد ينظر إلى التكنولوجيا على أنها قوة متقلبة يجب عليهم إتقانها، بدلًا من كونها مفيدة تمامًا أو مدمرة تمامًا.
الاهتمام بالبيئة
وعندما يتعلق الأمر بالبيئة، فإن الشباب أقل ميلًا بكثير لقبول نهج سلبي. فبينما يتوقع 70% من جيل زد حدوث المزيد من الظواهر الجوية المتطرفة – وهو ما يتماشى مع المعدل الوطني – إلا أنهم أكثر ميلًا بشكل ملحوظ إلى توقع أن تتخذ الحكومة إجراءات قوية.
يعتقد 69% من جيل زد أن الحكومة المصرية ستضع أهدافًا أكثر صرامة لخفض انبعاثات الكربون، مقارنة بـ 63% فقط من الفئة العمرية 45 عامًا فأكثر. وعلاوة على ذلك، فإن جيل زد أكثر ثقة قليلًا بشأن دور التكنولوجيا في هذا المجال، حيث يعتقد 57% منهم أن التكنولوجيا الرائدة يمكن أن توقف تغير المناخ، مقارنة بـ 54% من الفئة العمرية الأكبر.
العيش مع ضغوط الحياة اليومية
ومن المثير للاهتمام أن الشباب أكثر تفاؤلًا بعض الشيء بشأن الصعوبات اليومية للحياة في مصر. فبينما يتوقع 60% ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا (وهم على الأرجح آباء وأمهات شباب ومسافرون يوميًا) أن تزداد حركة المرور سوءًا بشكل ملحوظ وأن تزداد أوقات السفر، فإن 56% فقط من جيل زد يشاركونهم هذا التشاؤم.
وبالمثل، فيما يتعلق بسوق الإسكان، يُعدّ جيل زد أقل الفئات توقعًا لارتفاع تكلفة شراء أو استئجار منزل. فبينما يتوقع 87% ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا (وهي الفئة العمرية الرئيسية لبدء شراء منزل) ارتفاع الأسعار، لا يُبدي سوى 72% من جيل زد نفس القلق. قد يعكس هذا مستوى من الانفصال عن واقع سوق العقارات أو شعوراً عاماً بالتفاؤل بأن الاقتصاد سيستقر.
جيل الطموح الفردي
يُبيّن تقرير “توقعات 2026” أن جيل زد في مصر ليس مجموعة متجانسة تتحرك ضمن سياق جماعي تقليدي، بل هو جيل يقوده الطموح الفردي في المقام الأول. إنهم يمثلون مزيجًا فريدًا من الواقعية الحذرة والتطلع الذاتي؛ فهم الأكثر تفاؤلًا بشأن إمكانات البلاد، ويرون فيها مساحة لتحقيق ذواتهم، إلا أنهم في الوقت نفسه الأكثر تفانيًا في التنمية الشخصية ووضع “قراراتهم الفردية” فوق أي اعتبار آخر، لذا فإنهم الجيل الباحث عن تحقيق هذه الأحلام والقرارات في أي مكان.
الوطن عند جيل زد هو مكان تحقيق الحلم.
إن توجهات هذا الجيل لعام 2026 تؤكد بوضوح أنهم لا ينتظرون حلولًا جماعية أو وعودًا مؤسسية، بل يسعون وراء نجاحاتهم المستقلة. بالنسبة لهم، المساواة وحماية البيئة والتحول الرقمي ليست مجرد قضايا مجتمعية، بل هي بيئة ضرورية ليتمكنوا من التفوق كأفراد. وبينما كان الجيل الأكبر يميل للعمل ضمن أطر ثابتة، يهرع شاب جيل زد لتأمين مستقبله الخاص، مسلحًا بمهاراته الرقمية، ومستعدًا للنجاح بمفرده – أو حتى الإعجاب بوطنه من بعيد، إذا لم يجد في الداخل ما يلائم تطلعاته الشخصية.
إن نجاح مصر في المستقبل القريب سيعتمد، إلى حد كبير، على مدى قدرتها على فتح الأبواب أمام هؤلاء الشباب الذين يقودهم شغفهم الخاص قبل كل شيء.
