التوت والنبوت في زفاف "مشاكل"

يقال إن فُلانًا يخبِطُ خبطَ عشواء، حين يتصرَّف بغير تخطيطٍ وأناة.

وفي معلقته الميمية يصف زهيَّرُ بن أبي سلمى الموت بساحاتِ الوغى، قائلًا: "رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ ومَنْ تُخطئ يُعَمَّرْ فيَهْرَمِ".

والمعنى أن الموت في الحروبِ لا ينتقي ضحاياه؛ فمِنَ المحاربين من يقضي نحبه، ومنهم من يفلت من رشقات السهام وطعنات النصال، لِيُعمَّر حتى يُردَّ إلى أرذل العمر.

والعشواءُ مفردةٌ مؤنثة، مذكرها الأعشى، ومعناها التي يضعف بصرُها ليلًا، وكانت تُطلق على الناقة الكليلةِ العينين إذ تتخبَّطُ في سيرها على الكثبان، بليالي البادية غير المُقْمِرة.

أما العشوائيةُ، فاشتقاقٌ أحدث نسبيًا، ويُعدُّ تعبيرُ "تخطيطٍ عشوائيٍّ" من الأخطاء الدارجة، ذلك أن العشوائية حالةٌ تُتخذ فيها القرارات بغير تخطيطٍ ودون دراساتِ جدوى، كما يحدث بالأنظمة الشمولية.

ومن وصف عشوائية القرار، وما ينجمُ عنها من بلاءٍ مقيمٍ وشرٍ مستطير، انحدر مصطلحُ "المناطق العشوائية"، ليُعرِّف التجمعات السكانية التي أقيمت خارج التخطيط العمراني، ودون ترخيص قانوني، وتفتقرُ إلى واحدٍ أو أكثر من مقومات السكن الآدمي، وقد يُشكِّلُ العيش فيها تهديدًا للحياة.

وبعيدًا عن التعريف القانوني الجامد، فالواقع أن العشوائيات هي آخر المتاح من الملاذات التي اضطر المعدمون إلى سكناها، بعد أن ضاقت حَيَواتهم واستحكمت حلقاتها.

إنَّ الجوعَ يُغري الأُسدَ بالجِيَفِ، كما يقول شاغل الدنيا ومالئ الناس؛ المتنبي.

عشوائيات في مصر - مواقع الكترونية

اهتمام أكاديمي وتجاهل حكومي

 على مدى العقود الأربعة الماضية، استحوذت ظاهرة العشوائيات على اهتمام علماء الاجتماع، في حين دأبت الحكومات المتعاقبة على صك أذنيها عن دقات نواقيس الخطر.

كثيرًا ما حذرت الدراسات السوسيولوجية من أن تلك التجمعات السكنية، تؤسس -أو يتأسس فيها- ثقافة منبتة الصلة بالمجتمع الأم؛ ثقافة "انفصالية واعتراضية" لا تقيم للأعراف والعادات والتقاليد وزنًا.

على هذا الأساس، فالعشوائيات ليست مجرد نطاق مكاني بائس ومهمل، بل هي أشبه بـ"مستوطنات" مغلقة جغرافيًا ومُنغلقة ثقافيًا.

وعلى النحو ذاته، تبدو "الكمباوندات" الأرستقراطية التي توخَّى قاطنوها بدورهم تجنُّب "الأغيار" من عوام الشعب.

كلتاهما، ظاهرة عمرانية وسوسيولوجية، تهدد مجتمعًا يكاد يتشقق شقوقًا طبقية لا بد من ترميمها الآن.. الآن قبل فوات الأوان.

بعد ما رأيناه، بعيون ملؤها الدهشة والامتعاض، من الكوميديا السوداء بحفل زفاف "كراون مشاكل" على حفيدة شعبان عبدالرحيم، يبدو أن الخطر الذي طالما كان مسكوتًا عنه رسميًا، وخاضعًا للتجاهل الشعبي قد بات قاب قوسين، يلاحق الجميع ملاحقة عيني ذئب بفريسته.

ناس لا يشبهون الناس كما نعهدهم؛ لكنهم شئنا أم أبينا ناس.

متوحشون شديدو الفظاظة ومتحرشون؛ لكنهم شئنا أم أبينا ناس.

جهلاء وعبثيون ومدمنون غالبًا وغوغائيون؛ لكنهم شئنا أم أبينا ناس.

والأهم من ذلك أنهم يشكلون جزءًا منا، كما نحن جزء منهم، شئنا أم أبينا.

سؤال في غير محله: مَن هؤلاء؟

 إزاء الدهشة التي عقدت الألسنة، طغى السؤال: مَنْ هؤلاء ومِنْ أي جحيم جاءوا؟

كان السؤال ساذجًا وفوقيًا متعاليًا في آن.

لم يخرجوا كالعفاريت من قمقم؛ إنهم مواطنون مصريون تنكَّرت لهم الحكومات المتعاقبة على مدى عقود، فإذا بهم يصطنعون "نظامهم"، بعيدًا عن كل ما هو رسمي.

من الملاحظات عميقة الدلالة في العشوائيات، وكذلك في الأحياء الشعبية، أن لفظة "الحكومة" تكاد تكون مرادفًا حصريًا لجهاز الشرطة، وتحديدًا للحملات الأمنية.

إذا قيل مثلًا إن "الحكومة نزلت"، فالمقصود أن قوةً بوليسية في محيط المكان لإلقاء القبض على "واحد منهم"؛ هم "الغلابة" المغلوبون على أمرهم.

اختزال الحكومة معنويًا في اليد الأمنية الباطشة، قد يعلِّل سر العزلة النفسية التي يحسها أولئك المنسيون إزاء المجتمع الأم، ويفسِّر بالتوازي أسباب نزوعهم إلى "الانزواء الحِمائي" داخل نطاقهم المقفول.

في دراسته المعنونة "العشوائيات في مصر: إشكاليات اجتماعية وثقافية"، الصادرة عن المركز القومي للبحوث نهاية الألفية، ينبه عالم الاجتماع الحضري؛ الدكتور علي ليلة إلى أن العشوائيات تنتج "مواطنة محلية" لا وطنية؛ فأفرادها يتعلَّقون بها تعلقًا مُتعصبًا، لأنهم يشعرون بأنهم غير مرئيين ولا كينونة لهم خارجها.

هذا الشعور المرير يفضي إلى وعي جمعي ينصهر في "صهد التهميش".

حين يحس الإنسان بأنه في وطنه كاللقيط؛ يأبى ذووه الاعتراف به، يجنح لا شعوريًا، وفي رد فعل مضاد، إلى ازدراء هذا الوطن والتمرد عليه.

كذلك تلتبس في الأذهان من أثر النبذ، تعريفات الصواب والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح، وتتبدد المثاليات في روائح الصرف الصحي، والأزقة القذرة والملتوية كالديدان الشريطية، والعشش الصفيحية بين قطعان الحيوانات الضالة، والقوارض.. وأحيانًا الأفاعي والعقارب.

هنالك؛ لا تحتسب قيمة الأفعال بمردودها المعنوي، بل بما تؤديه من وظيفةِ تحايلٍ انتهازية، وربما غير شريفة، لتأمين قوت اليوم، فتلك هي قوانين الصراع من أجل البقاء.

إن الدولة في ذهنية "الإنسان العشوائي" ليست سوى مخبر شرطة غليظ القبضة، وموظف مرتشٍ فاسد، وخدمات لا تصل إليه، فلماذا ينتمي إليها؟

وطبيعيٌ في مثل هذه الظروف أن ينشأ اقتصاد غير رسمي، وغير مستقر، وبلا ضمانات أو غطاء تأميني؛ اقتصاد يمكن اختزاله في عبارة "على الله"، التي يردون بها إذا سُئِلوا عن مصادر استرزاقهم.

وتشمل هذه الـ"على الله" طيفًا واسعًا من المهن الشاقة التي لا تتطلب علمًا أو تأهيلًا فنيًا، مثل العتالة ورفع الركام والمخلفات، فضلًا عن أعمالٍ ليست دون ذلك مشقة، تمتهنها النساء وتمتهن كرامتهن كالخدمة في المنازل.

ناسٌ لم يحظوا بالحد الأدنى من التعليم، ما من علاج إذا مرضوا، ولا تتوفر لهم الحدود الدنيا من الكرامة الإنسانية، تطحنهم الفاقة طحنًا؛ فليس غريبًا، والحال كذلك، أن يكونوا كما رأيناهم في حفل زفاف "مشاكل".

الكراسي التي تطايرت في الهواء، واللكمات التي سُددت للوجوه، والملابس التي تقطَّعت إربًا، والقاذورات اللفظية التي اندلقت من شفاه الرجال والنساء والكبار والصغار على السواء، وحالات تحرش الكل بالكل، في حفل الزفاف، لم تكن سوى مشهدٍ أفقيِّ لما يحدث بصورة اعتيادية يوميًا، في البؤر العشوائية القريبة منا جدًا والبعيدة عنا كل البعد.

ملامح فظة لحالة انفصال شاملة

 ومن الملاحظات البالغة الدلالة في المشهد المزري، أن أولئك "العشوائيين" اصطنعوا لأنفسهم رموزهم الخاصة من لحم ودم: هذا شبيه العندليب الأسمر، وذاك المصارع "أندرتيكر"، وتلك زبيدة ثروت، أو جعفر العمدة… إلى آخره.

نجوم يشبهونهم، لا أولئك الذين لا يحلمون حتى بالاقتراب منهم، نجوم "شعبويون" ينتسبون إلى ثقافتهم وواقعهم، ويحاكون، ولو بصورة كاريكاتورية، نماذج لشخصيات أحبوها من بعيد.

ولهم إلى جانب ذلك، لهجة محكية بمفردات خاصة، ونبرة صوت خشنة، وصبغات شعر فاقع لونها لا تسر الناظرين، وطريقة تأنق "بشعة" بكل ما للبشاعة من معنى، لكنها طريقتهم التي تروق لهم، ولا يعنيهم من قبل ومن بعد رأي "الآخرين"... الذين هم نحن، لأنهم ببساطة لا يروننا كما لا نراهم.

فوضى كبيرة في فرح كروان مشاكل
فوضى كبيرة في فرح كروان مشاكل

ولمَّا كانت الواردة تجلو الشاردة، فإن فسيفساء المشهد و"عشوائيته" تحيلنا بدرجة ما، إلى ظهور جماعات "الهيبز" في الولايات المتحدة نهاية الخمسينيات، ثم امتدادها إلى القارة العجوز بداية الستينيات.

كانت ظاهرة "الهيبز" بمثابة صرخةٍ احتجاج أطلقها شباب الطبقة الوسطى بوجه الرأسمالية المتوحشة، وضد جرائم الحرب في فيتنام وغيرها، وكان وراءها وعي أخلاقي عميق بقبح الإمبريالية الغربية.

عقب انتشارهم كالنار في الهشيم، اعتزل "الهيبز" المجتمع، وسرعان ما ابتكروا موسيقى ذات إيقاعات بسيطة وحميمية وارتجالية، تجنح إلى التمرد الصدامي على الأنماط الموسيقية والغنائية الشائعة.

على النحو ذاته، ورغم اختلاف السياق المعرفي وتباين الدوافع، يحتج "العشوائيون" بالموسيقى، فلديهم أغاني المهرجانات بإيقاعاتها المتنطعة المتكررة الصاخبة، وما تروّج له كلماتها من العنف والبذاءة، وصولًا إلى استحسان الحرام والفخر باقتراف الموبقات والكبائر.

حياة اجتماعية موازية لا تشبه الحياة، وحالة "انعزال طوعي" نشأت عن ظروف جبرية وشديدة الظلم والقسوة.

عودًا إلى دراسة الدكتور علي ليلة، التي رُميت كغيرها في أدراج متخذي القرار، فقد اختتمها الراحل بتحذيرات خطيرة، في صدارتها أن أولئك المهمشين بعد أن يكرسوا، تراكميًا، نمطَ حياةٍ مضادًا للمجتمع، سيشكلون ما يشبه التجمعات الصديدية تحت الجلد، حتى يتداعى سائر الجسد من أثرها.

والأخطر من ذلك أن ظروفهم الطاحنة، ستمثل بيئة خصبة لانتشار الجرائم الجنائية، كما ستجعلهم ذوي قابلية عالية للتجييش سياسيًا من قبل أي عناصر متطرفة مخربة.

حين نتحدث عن هذه الجزئية، فليس بِدعًا من القول أن الدولة التي استغلت أولئك بعد أن "أفقرتهم وجَهَّلتهم سياساتها"، فابتاعت أصواتهم الانتخابية بأقل القليل، وحشدتهم و"رقَّصتهم" بخيوط الإملاق كعرائس الماريونيت، مقابل وجبة لا تغني عن جوع في بعض الأحيان، لا ينبغي أن تطمئن إزاء احتمالات ارتداد السحر على الساحر.

في الحكاية الأخيرة؛ "التوت والنبوت" من ملحمة "الحرافيش"، للراحل نجيب محفوظ، يبلغ التصاعد الدرامي ذروته حين ينبثق المقهورون من الأزقة، كالحمم الثائرة من فوهات البراكين، ممتشقين النبابيت ليغيروا واقعهم بعد أن يئسوا من حدوث أي تغيير بحياتهم.

هل واردٌ أن نرى "العشوائيين" يجترحون الفعل ذاته؟

ليس حتمًا بالصورة نفسها، ولا بالخشونة ذاتها، لكن المؤكد أن عدم اجتثاث الأزمة، سيبقي النيران مستعرة تحت الرماد.

الحل ليس في نقل الناس من مكان إلى آخر، أو تشييد تجمعات سكنية ذات شوارع معبَّدة وعمارات شاهقة، بل في دمج أولئك "المواطنين المصريين" في "وطنهم" على أساس الاعتراف أولًا بأنَّ لهم حقوقًا أصيلة لا ينبغي التنصل من تأديتها.

إن سؤالَ: مَنْ هؤلاء؟ الذي اندفق هادرًا إثر فوضى حفل زفاف "مشاكل"، كان سؤالًا منهجيًا خاطئًا، والسؤال الحتمي الذي لا مفر منه، هو: كيف ولماذا أُهمِلَ هؤلاء حتى صاروا هؤلاء؟

2 تعليقات

  1. مقال رائع . سرد مهندم . مفردات راقية لكنها سلسه . مقال مدروس يقطر احترافية و موهبة
    يحضرنى هنا مجتمع و عصابات الهيب هوب الأمريكية ام أنها طبقة ارقى من العشوائين او يمكن اعتبارها ترقية للغوغائة ؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة