بيع الأمل: ما الذي تعد به النيوليبرالية جيل زد في مصر؟

بينما كان "سامح" يخطط في منتصف العقد الماضي لمستقبل مهني براق داخل أبراج نايل سيتي الفخمة، كانت "فتحية" تظن أن شهادتها الجامعية هي تذكرة العبور الآمنة نحو الاستقرار الوظيفي. اليوم، يجد "جيل زد" (Gen Z) في مصر نفسه في قلب مفارقة تاريخية؛ فهم الجيل الأكثر اتصالاً بالعالم والأكثر امتلاكاً لـ "المهارات الناعمة"، لكنهم أيضاً الجيل الأكثر اصطداماً بواقع "النمو الاقتصادي بلا وظائف".

في هذا المقال، نفكك الوعود النيوليبرالية التي تُسوق لهؤلاء الشباب كـ "حقائق مطلقة"، حيث يتم استبدال الحقوق الاجتماعية بـ "أيديولجية ريادة الأعمال"، وتتحول الواسطة والمحسوبية إلى "مهارات تواصل" في الدورات التدريبية. إنها قصة صناعة ضخمة تقتات على أحلام جيل كامل، تبيع له "الأمل" كمخدر موضعي بينما تتركه يواجه منفرداً أزمة هيكلية طاحنة تعيد تعريف معنى النجاح والفشل في المجتمع المصري المعاصر.

لقد كان يتخيل سامح الذي يقطن حي بولاق الدكرور نفسه عندما التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة في منتصف العقد الماضي، أن يعمل محاميا في مجال التجارة الدولية في أبراج نايل سيتي الفخمة على ضفاف النيل، ثم يعيش في أحد المجتمعات السكنية المسورة التي تم بناؤها حديثا على مشارف المدينة، لكن انتهي به الحال ،وقد التقيته هذا العام، يعمل مع أحد المهندسين مشرفا علي تشطيبات الشقق الداخلية.

فتحية، ابنة الطبقة الوسطي المصرية، وقد تخرجت من كلية التجارة جامعة حلوان، انتهي بها الحال إلي العمل في أحد مراكز الكول سنتر التي يستوطنها آلاف الشباب والشابات المصريين. والداها طبيبان، ولكنهما لا يتمتعان بشبكة علاقات تمكنها من العمل في أحد البنوك الاستثمارية المنتشرة في أنحاء القاهرة الكبري.

بين الحلم والواقع، أو بين التوقعات والمآلات، أو بين الخيالات والتحقق، سار شباب الطبقات الوسطي والوسطي الدنيا في مسارات كثيرة: عملوا في وظائف متواضعة على أمل الحصول على ترقية أو الانتقال إلي عمل أفضل، وحضروا دورات تدريبية ومعارض توظيف، وقدموا سيرهم الذاتية لشركات مرموقة، وخططوا بلا هوادة لشركتهم الناشئة التي يحلمون بها، وقرأوا كتب التنمية الذاتية، وشاهدوا برنامج "الشارك تانك" وتمنوا أن يكونوا أحد نجومه، واستمعوا إلي بودكاست من رواد أعمال متدينين أو غيرهم يقدمون "معادلة الفلاح" في الدنيا والآخرة أو وصفة "المال الحلال"، وتضرعوا إلى الله طالبين الهداية وأن يرزقهم المال الوفير، وجلسوا في المقاهي يتحدثون عن مستقبلهم المثالي، وتسكعوا في مراكز التسوق يتخيلون ما يريدون شراءه، وحاولوا الحفاظ على علاقات مع الفتيات، ورغبت الشابات في الزواج والجلوس في البيت، وتطلعوا للهجرة الشرعية وغير الشرعية لتغيير أوضاعهم وأحوال أسرهم.

في المشهد المصري المعاصر، أصبح الانتقال من كفالة الأهل إلى الاستقلال المالي صراعاً مطولاً، وغالباً ما يكون مستحيلاً، ويتسم بحالة من "الانتظار". بالنسبة لجيل من الشباب المتعلم ،وخاصة أولئك المنتمين إلى "الطبقة الوسطى"، أصبحت المؤشرات التقليدية للنضج -كالوظيفة الآمنة والزواج وتكوين الأسرة- بعيدة المنال بشكل متزايد. تثير هذه المقالة تساؤلات خطيرة جوهرها: كيف فشل الزمن الرأسمالي/النيوليبرالي في مصر في التعامل مع مشكلات هذه الفئة السكانية التي تمثل تقريبا ثلث السكان؟ وكيف يصنع الأمل ويسوق لهم، علي الرغم من أن الحديث عنه في زمن البيبي وقاحة -كما أعلن الممثل خالد صالح في رائعته "فبراير الأسود" ؟ وما هي الروايات المستخدمة في ذلك؟ وما هي الصناعات التي نمت خدمة لهذا السوق المتنامي؟ وأخيرا وليس آخرا، ما هي الخطابات الرسمية والدينية والإعلامية الحاضة علي دلك؟

الأزمة الهيكلية لسوق العمل

تكمن المشاكل التي يواجهها الشباب المصري في "فجوة" جوهرية بين النظام التعليمي وسوق العمل. تاريخياً، كانت الدولة المصرية تعمل بموجب "صفقة استبدادية"، تضمن وظائف في القطاع العام للخريجين مقابل التزامهم بالحياد السياسي. إلا أن الإصلاحات النيوليبرالية التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي وتسارعت وتيرتها خلال عهدي مبارك والسيسي، أسفرت عن "نمو اقتصادي بلا وظائف" وقطاع عام متقلص لم يعد قادراً على استيعاب مئات الآلاف من الخريجين الذين يدخلون سوق العمل سنوياً.

اليوم، يجد غالبية الشباب المصري أنفسهم محصورين في "كليات الشعب" - وهي معاهد حكومية مكتظة بالتجارة والقانون والعلوم الإنسانية، توفر شهادات معتمدة ولكنها لا تمنح سوى القليل من المهارات القابلة للتسويق بعد التخرج، وغالباً ما يتم دفعهم إلى وظائف "غير رسمية". يعمل ما يقرب من 70% من الشباب بدون عقود قانونية أو ضمان اجتماعي أو استقرار وظيفي. يخلق هذا الاندماج غير المستقر في سوق العمل بيئةً يعمل فيها الشباب حتى الموت، أو يعانون من موت بطيء لطموحاتهم أثناء قيامهم بأدوار متدنية المكانة كباعة متجولين أو سائقي توصيل أو موظفي مراكز اتصال.

الوعد النيوليبرالي: الجدارة و"الذات الريادية"

في خضم هذه الهاوية من الإقصاء، يقدم النظام الرأسمالي والليبرالية الجديدة وعداً قوياً ومغرياً: وهو أن النجاح الفردي في متناول أي شخص يمتلك "الموقف" الصحيح و"المهارات الناعمة". لقد حوّلت النيوليبرالية في مصر المجال الأخلاقي للمسؤولية بعيدًا عن الدولة وصوبته نحو الفرد. يكمن الوعد في أن سوق العمل مجال محايد قائم على الجدارة، حيث تحدد الموهبة والعمل الجاد -بدلاً من المحسوبية أو الخلفية الطبقية- مصير الفرد.

يُصوّر هذا الخطاب البطالة على أنها فشل شخصي أو خيار "ترف" حيث يكون الشباب "عنيدين" للغاية لدرجة تمنعهم من قبول وظائف صغري. يقال للشباب إن "عقليتهم الاشتراكية" المتمثلة في توقع وظيفة حكومية مدى الحياة هي فكرة عفا عليها الزمن، ويجب عليهم التخلي عنها لكي يترقوا في اقتصاد معولم. يتم تشجيع هذا "الجانب الريادي" على النظر إلى كل عقبة على أنها "نقطة ضعف يمكن التغلب عليها"، وإلى كل فترة استغلال على أنها "اختبار" أو "بذرة" للنجاح في المستقبل.

وصاحب ذلك خطاب رسمي (إذا تكلمت الحكومة) يحمل المسئولية للشعب أو للمؤامرات أو يناير أو الصراعات في الإقليم أو كورونا…، ويتضافر معهم جميعا خطابات دينية (إذا تكلم رواد الأعمال) تقدم من خلال عدد من البودكاستات التي تضفي معاني دينية علي هذه السردية.

الجوهر الاساسي المستخدم في هذه الصناعات جميعا هو إشاعة السردية الأساسية للرأسمالية وهي أن الجدارة الشخصية هي سبيل الإنجاز، والفرد هو من يقع عليه عبء النجاح. وفي مقابل هذه المشكلات الهيكلية لايزال أبناء الطبقة الوسطي والدنيا متعلقين بأهداب الحلم الرأسمالي، علي الرغم من تراجعه في الغرب موطنه الأصلي.

صناعات بيع الأمل

لقد أصبح بيع الأمل أمراً مؤسسياً من خلال صناعة مزدهرة تمتد عبر القطاعات العامة والخاصة وغير الحكومية. تزدهر هذه الصناعات من خلال الوعد بتوفير "الحلقة المفقودة" بين الوضع الحالي غير المستقر للشاب وتطلعاته إلى الطبقة المتوسطة المعولمة.

1. اقتصاد التدريب: شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية ومراكز التدريب الخاصة علي ريادة الأعمال. ذكر لي أحد اللاعبين الأساسيين في هذا المجال أن حجم سوق التدريب علي ريادة الأعمال تبلغ ٥٠٠ مليون جنيه سنويا.

تبيع هذه السوق منحًا دراسية في "المهارات الشخصية". تُعلّم هذه البرامج الخريجين اللغة الإنجليزية للأعمال، و"إدارة الوقت"، و"تقديم الذات". غالباً ما يُضفون طابعاً جمالياً على القطاع الخاص الدولي الراقي، ويُلزمون الطلاب بارتداء البدلات الرسمية والتدرب على المصافحة، مما يوفر لهم "تجربة مؤقتة من الإشباع" تُحاكي الحياة العالمية التي يرغبون بها.

2. النظام البيئي لريادة الأعمال: منذ عام 2009، شهدنا طفرة في "حاضنات الأعمال" وقمم الشركات الناشئة ومنصات التدريب. تروج هذه الكيانات، أو المعارض المختلفة التي يرعاها البنك الدولي أو مؤسسات التمويل الدولية، لفكرة "الملياردير العصامي"، مستخدمةً شخصيات مثل ستيف جوبز لإقناع الشباب بأن "امتلاك الجرأة الكافية للاعتقاد بإمكانية تغيير العالم" هو استراتيجية مهنية ناجحة.

3. التوظيف والمنصات الرقمية: تقوم منصات التوظيف عبر الإنترنت بتسويق نفسها على أنها "مراكز تسوق ضخمة للوظائف عبر الإنترنت". يصوّرون البطالة على أنها "مشكلة تواصل" يمكن حلها من خلال سيرة ذاتية مكتوبة بشكل أفضل، مستفيدين فعلياً من البيانات والاهتمام اليائس للطبقة العاملة الهشة.

4. معارض التوظيف: تُقام هذه الفعاليات غالباً في فنادق فخمة، وتُعدّ بمثابة مظاهر مادية للجدارة. تتيح هذه المعارض للشباب الشعور بأنهم "متحركون" من خلال توزيع السير الذاتية على الشركات المرموقة، على الرغم من أن العديد من هذه الشركات تستخدم هذه المعارض في المقام الأول لأغراض "التسويق" بدلاً من التوظيف الفعلي.

"عمل الأمل": الخطابات العاطفية والفردية

إن الآليات التي يتم من خلالها بيع الأمل هي في الأساس آليات عاطفية، تعمل من خلال إنتاج "أجواء عاطفية" محددة، وينتج عن ذلك ما يطلق https://www.sup.org/books/middle-east-studies/labor-hope
عليه هاري بيتيت "جهد الأمل"، وهو جهد عاطفي مطلوب للحفاظ على حالة نفسية تمكن المرء من الاستمرار في التعامل مع سوق استغلالي.

وتستخدم سردية السيادة الفردية قصص نجاح الخريجين أو المدربين لتوفير "الشجاعة والاقتناع". وإذا فشل الفرد، فإن الخطاب يوجهه لإجراء تحليل "SWOT" (نقاط القوة، نقاط الضعف، الفرص، التهديدات) لنفسه بدلاً من الهياكل التي تمنعه من حلمه، مما يخفي أوجه عدم المساواة الهيكلية مثل الوصول الطبقي إلى التعليم النخبوي أو رأس المال الاجتماعي.

ويجري ترجمة الواسطة إلى "التواصل؛ حيث يتم إعادة تسمية المحسوبية التقليدية كمورد "حديث" و"متاح" يسمى "التواصل". يُقال للشباب إن بإمكانهم بناء "شبكاتهم المهنية" الخاصة عبر موقع لينكدإن، مما يوحي بتكافؤ الفرص، على الرغم من استمرار التسلسل الهرمي.

ويلعب "الحلم الأمريكي" وأيقونات هوليوود دورا في تدعيم هذه السرديات؛ إذ غالبًا ما يُغذّى السعي وراء الأمل بالروايات المعولمة، مثل فيلم " السعي وراء السعادة". يُقدّم الأبطال الذين يتغلبون على العنصرية والتشرد من خلال مثابرتهم الفردية "نموذجًا" للشباب المصري ليستوعبوا لوم الذات بدلا من افتقارهم إلى الحراك الاجتماعي.

وفي هذه الأجواء يتم تهجين الدين بالجدارة؛ حيث يجري دمج التدين في الاقتصاد الأخلاقي القائم على الجدارة. تستخدم شعارات مثل "عليك أن تفعل ما هو مطلوب منك، والله سيتكفل بالباقي" لتصوير البحث عن وظيفة وتنمية المهارات على أنها واجبات أخلاقية ستؤدي في النهاية إلى مكافأة إلهية، مما يُبقي الشباب منخرطين في أعمال منخفضة الأجر وبلا مستقبل معلوم.

الطبيعة "القاسية" للأمل النيوليبرالي

إن بيع هذا الأمل هو في جوهره "قاسٍ" بالمعنى الذي حددته الأكاديمية والمنظرة الثقافية الأمريكية البارزة لورين بيرلانت: "علاقة تعلق بشيء أو خيال تشكل في الواقع عائقاً أمام ازدهار المرء". فمن خلال إبقاء تركيز الشباب على أوجه قصورهم المتصورة -كقلة "المهارات الشخصية"، أو ضعف اللغة الإنجليزية، أو…، أو …، تضمن صناعة الأمل بقاءهم مشاركين مطيعين في نظام عمل غير مستقر.

هذا الأمل بمثابة "مخدر" يوفر تشتيتًا مؤقتًا عن "الموت الاجتماعي" الذي يصاحب فترة الانتظار، ولكنه لا يقضي على الأسباب الهيكلية لاستبعادهم. يسمح ذلك للشباب بالبقاء في حالة جمود، لكن التأجيل المستمر للحل يؤدي إلى استنزاف نفسي وحزن طويل الأمد. بالنسبة للكثيرين، تصبح الهجرة هي الحل المكاني النهائي لهذا الجمود الوجودي، إلا أن هذا أيضاً غالباً ما يكون "تفاؤلاً قاسياً" حيث يجدون أنفسهم عالقين في "وضع مؤقت دائم" في الخارج.

إن صناعة الأمل في مصر ليست نتاجاً ثانوياً للرأسمالية، بل هي آلية مركزية لاستقرارها وإضفاء الشرعية والقبول علي سياسات النظام الاقتصادية من خلال الترويج للفكرة الجذابة القائلة بأن "الموقف يرسم النجاح".

نجحت بنية تحتية ضخمة من التدريب والتوظيف وريادة الأعمال والخطابات الرسمية والدينية في استغلال الطاقة التغييرية الكامنة وتحويلها إلى استراتيجيات فردية للبقاء.

نسعي في قابل الأيام أن نستكشف -بإذنه تعالي- التفاصيل الدقيقة لهذه العملية التصنيعية. سنبحث في "المهارات الشخصية" المحددة التي يتم تسليعها، والأثر النفسي لـ"التنقل الوظيفي الأفقي"، والسياسات الجندرية لعمل الأمل، و"صناعة الهجرة" التي تروج للغرب باعتباره المدينة الفاضلة المثالية القائمة على الجدارة. سنتساءل عما إذا كان من الممكن أن يظهر "عمل جماعي قائم على الأمل" لتحدي الحواجز الهيكلية التي تخفيها هذه الروايات الفردية بفعالية كبيرة. ما نستهدفه هو كشف "قناع الجدارة" لإظهار الحقائق الهيكلية والعاطفية للطبقة الوسطى المصرية التي سحقها ثم هرسها الزمن النيوليبرالي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة