لم يكن في جيب أحمد شعبان سوى 200 ريال حين حمل جسد صديقه "جمعة" الممزق بين ذراعيه. كانت آلة المياه قد سحبت جسده بقوة وحشية، تاركةً إياه بين الحياة والموت. ألقى صاحب العمل بالمئتي ريال في وجه أحمد، لا كثمن لإسعاف إنسان، بل كثمن للتخلص من مشكلة.
لم يدرك أحمد حينها أن وقوفه بجانب صديقه في المستشفى لمدة 12 يومًا ليس مجرد فعل شهامة، بل الثمن الذي يدفعه غاليًا: بلاغ "هروب" كيدي يحوله إلى هارب من العدالة، ويسلبه حقوق أشهر من العرق والتعب، وينهي "حلمه السعودي" بكابوس لم يفق منه بعد.
هذه اللحظة المأساوية لم تكن سوى الفصل الأخير في رحلة طويلة من القهر بدأت بحلم بسيط في مدينة السادات وانتهت بآمال محطمة وعودة للبدء من الصفر، حاله كحال آخرين من العمالة الزراعية المصرية التي تتعرض للاستغلال.
في هذا التحقيق، ترسم الشهادات التي جمعتها فكّر تاني، لعمال زراعيين مصريين، صورة قاتمة عن واقع العمالة الزراعية في بعض مناطق المملكة العربية السعودية. وهي قصص تكشف عن منظومة من انتهاك الحقوق، تبدأ بالوعود البراقة وتنتهي بالترحيل القسري، في قطاع غالبًا ما يكون مستثنى من أبسط قواعد الحماية.
من "الزكايب" في السادات إلى حلم الرياض
قبل أن تطأ قدماه أرض المملكة، كان لأحمد شعبان عالمه الخاص في مدينة السادات بالمنوفية. لم يكن عاملًا عاديًا، بل امتهن منذ صغره حرفة دقيقة وفريدة: إصلاح "الزكايب"، وهي أجولة صناعية ضخمة تُستخدم في نقل خامات السيراميك ومواد البناء. كان يستقبلها ممزقة، فيعيد خياطتها بمهارة لتعود صالحة للاستخدام.
"الدخل كان جيدًا"؛ يقول أحمد في شهادته لـ فكّر تاني: "لكن كل واحد عايز يطور من نفسه، وميفضلش بيشتغل عند الناس طول حياته". لم يكن دافعه التخلص الفقر فقط، بل الطموح المشروع في تأسيس عمل خاص به. هذا الطموح هو الذي جعله يقتنص فرصة السفر التي لاحت له عبر معارفه الذين كانوا على صلة بسعوديين يزورون مصر.
جاء العرض من رجل سعودي، وكان واضحًا: إدارة مشروع دواجن جديد على قطعة أرض يملكها والده، مقابل راتب شهري 1500 ريال. لم يكن هناك أي ذكر للزراعة. سافر أحمد بتأشيرة "عمالة منزلية" مليئًا بالأمل، وقضى عامًا كاملاً في المشروع، الذي فشل في النهاية.
ببرود، أبلغه كفيله: "والله يا أحمد، المشروع مبيحققش دخل كويس، وأنا بصرف عليه من غير جدوى، ولازم أوقف". وجد أحمد نفسه وحيدًا، أمام خيارين قاسيين: العودة إلى مصر، أو البقاء للبحث عن فرصة أخرى مع تحمل تكاليف تجديد إقامته بنفسه. اختار البقاء، متشبثًا بخيط أمل رفيع، ليبدأ فصل جديد أكثر قسوة.

مزرعة "الأمير": حيث تُسحق الكرامة وتُؤكل الحقوق
كانت وجهة أحمد التالية مزرعة أحد الأمراء في مدينة تبوك، وهي كيان ضخم يعمل به، بحسب شهادات عمال لـ فكّر تاني، ما يقرب من 115 عاملًا من جنسيات مختلفة. يصف أحمد المشهد قائلًا: "كان في هناك مايقلش عن 30 عامل سوداني، وحوالي 15 لـ 20 من باكستان وأفغانستان، احنا المصريين، كنا عشرة بس".
وبحسب الهيئة العامة للإحصاء السعودية عام 2015، فهناك 650 ألف عامل أجنبي في البلاد يعملون في القطاع الزراعي. ولكن هذا العدد يشمل، بالإضافة للعمالة الزراعية، التقنيين الزراعيين والبياطرة والعديد من المهن الأخرى. ولا توجد إحصائيات تحدد عدد العمالة غير النظامية في البلاد.
ولأن ظروف العمل في القطاع الزراعي شاقة والمقابل المادي ضئيل، لا نرى سوى النزر اليسير من السعوديين في هذين القطاعين. ولقد صرح مالك مزرعة سعودي في مقابلة تلفزيونية أنه من المستحيل أن يجد سعوديًا يقبل أن يعمل في مزرعته.
وحاولت فكّر تاني، التواصل مع رئيس مكتب التمثيل العمالي بالسفارة المصرية في الرياض، وكذلك مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية للحصول على تعليق رسمي حول قضايا العمالة الزراعية المصرية. لكن لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.
جاء التحاق أحمد بالمزرعة عبر مديرها المصري، الذي كان يلح عليه للعمل معهم، وهو نمط متكرر حيث يلعب أبناء الجنسية الواحدة دور الوسيط الذي يسهل أحيانًا استغلال مواطنيه.
بدأ العمل براتب 2500 ريال. وتسلم أحمد راتب الشهر الأول، لكنه كان الطُعم الذي أخفى خلفه سبعة أشهر من الجوع والإذلال. "بعد الشهر الأول انقطع كل شيء"، يقول أحمد. تحولت حياته إلى جحيم من المماطلة، أقصى ما يحصل عليه 500 ريال كل فترة بعد توسل وإلحاح.
أما الطعام، فكان قصة الإهانة الأكبر. إذ يروي كيف كان العمال ينتظرون انتهاء الأمير وحاشيته من تناول وجباتهم، ليأكلوا هم من "فضلة" طعامهم. ثم يجمعون ما تبقى في أكياس ويضعونها في الثلاجات لتكون زادهم لبقية الأسبوع، في مشهد يعيد إلى الأذهان عصور العبودية.
معاناة أحمد ليست فردية بل سياسة ممنهجة. يؤكد زميله مصطفى السيد هذه المأساة التي اضطر لتحملها حتى الآن أملًا في الحصول على كامل من مستحقاته وخوفًا من عدم إيجاد مصدر رزق آخر أو الترحيل.
"والله لحد دلوقتي لينا سنة وخمس شهور شغالين، وبناخد 100 أو 200 ريال بس كل كام شهر. والله ما عارف آخرتها ايه وامتى هناخد حقنا، بس الله يكون في العون"، يقول مصطفى بمرارة لـ فكّر تاني.
هذا الاستغلال المنهجي يترسخ في ظل سياسة "الدين مقابل الحرية". يروي طه، وهو أحد العاملين الذين عادوا إلى مصر، كيف كان على وشك فقدان والدته: "كان ليا مستحقات 17 ألف ريال، وقضيت 6 شهور اتوسل للإدارة عشان اخد فلوسي وارجع لوالدتي المريضة. كنت بقول لهم 'أمي بتموت، نفسي تشوفني قبل ما تموت، أبوس إيديكم'. وفي النهاية، لم يعطوه سوى 7 آلاف ريال فقط ليتنازل عن الباقي ويسافر.
وهنا، خيوط الاستغلال لا تخنق العامل وحده، بل تمتد آلاف الكيلومترات لتصل إلى بيته. تقول أم طه أن ابنها سافر خصيصًا لتغطية تكاليف علاجها الباهظ. إذ تعاني من الفشل الكلوي المزمن الذي يتطلب جلسات غسيل كلى منتظمة ومكلفة.
وبصوت واهن تقول أم طه لـ فكّر تاني: "الدكتور كان بيقول العلاج مينفعش يتأجل أكتر من كده، وابني هناك بياكل في نفسه. هو راح عشان يعرف يعالجني مش عشان يزود عليا المرض بالقلق. كل ما كان يكلمني صوته مخنوق، يقولي اصبري يا أمه، بس المرض مبيعرفش الصبر.. وطالما هنا مرمطة وهناك مرمطة يفضل جنبي أنا وأبوه أحسن".
أما إبراهيم منصور، وهو عامل خمسيني قضى معظم سنوات عمره في مزرعة أخرى بالقصيم، فله قصةً مشابهة: "كان ليا عندهم 50 ألف ريال، تعب سنين. ماعرفتش اتحصل إلا على 20 ألف بس، بعد ما يئست من المطالبة ومشيت، الواحد نفسه وقلبه مكسورين بعد ما سيبت أكثر من نص حقوقي… بعد العمر ده كله راجع إيد ورا وإيد قدام".
ماهر، وهو عامل زراعة آخر يعمل بأحد المزارع في منطقة الجوف، يفصّل هذه السياسة قائلًا لـ فكّر تاني: "في تمييز واضح. العمال المؤقتين اللي بييجوا بالشهر من الخارج، زي الباكستانيين، بيأخدوا رواتبهم. لكن احنا عمالة دايمة، احنا مربوطين وهم ضامنين وجودنا".. هكذا يُفسر الشاب الثلاثيني وعيه بالمنطق الاقتصادي الذي يسحقهم.
ويوضح: "في عمال ليهم أربع أو خمس سنين ماخدوش رواتبهم. أنا شغال بقالي 6 سنين، منهم سنتين بالكامل ماخدتش فلوسي. لكن عشان منظلمش الكل فيه ناس كويسين، يعني المسؤول المباشر عنا، شخص كويس ودايما بيسعى إننا ناخد رواتبنا بانتظام، لكن المشكلة في الإدارة العليا للمزرعة".
العامان اللذان قضاهما ماهر بلا راتب، بين 2021 و2023، كان لهما أثرًا مؤلمًا على زينب زوجته وأطفالهما الثلاثة.
تشرح زينب بأسى كيف أدى انقطاع زوجها عن إرسال الحوالات المالية إلى مواجهة مباشرة مع فواتير متراكمة وديون لا تنتهي. وتحكي لـ فكّر تاني عن معاناتها اليومية فتقول: "صاحب البيت كان كل أول شهر يهددنا بالطرد وفضلنا ندّاين من هنا ومن هنا عشان نسدد. والعيال نفسيتهم ساءت.. ابني الكبير كان بيسألني هو بابا مش بيشتغل؟ طب ليه مبيبعتش فلوس وسايبنا ليه ولا نسينا؟ أقوله إيه؟! أقوله إن عرق أبوه بيتسرق؟ ولا إن أبوك محبوس هناك؟ فضلنا ناكل ونشرب بالدين. وأبوه غرقان في الظلم".
على العكس من ماهر الذي قرر البقاء، عزم زميله عبد الرحيم على الرحيل بعد سبعة أشهر من هذا الجحيم، فجاءه الرد القاطع من الإدارة: "إن رحلت، فليس لك عندنا ريال واحد". لم يجد مفرًا سوى الهرب، تاركًا وراءه مستحقاته وباحثًا عن كرامته المهدورة.
"لقيت نفسي فجأت متشرد في الشوارع. كنت في القصيم، ونمت في الجوامع والشوارع لمدة 15 يوم. وبعدين سافرت الرياض، وهناك عشت أقسى أيامي. لمدة 15 يوم في حي الروضة، كان مصدر أكلي الوحيد من صناديق الزبالة"، يروي رحيم كيف لم يجد الرحمة.

القانون كسلاح: فخ "الهروب" الذي لا مفر منه
ما تعرض له أولئك المزارعين ليس مجرد جشع فردي من صاحب عمل، بل هو نتيجة مباشرة لثغرات قانونية عميقة في نظام العمل السعودي. فعلى الرغم من بعض الإصلاحات التي طرأت على نظام الكفالة، إلا أنها تظل غير كافية لحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
فقطاع الزراعة، على سبيل المثال، يُعتبر حالة خاصة حيث لا يخضع لنظام ساعات العمل المحدد، مما يترك العمال تحت رحمة أصحاب العمل في ظروف قاسية.
والطلب المتزايد على العمالة الزراعية المصرية، والذي لم يقتصر على دول الخليج بل امتد ليشمل دولًا أوروبية مثل اليونان، يخلق مفارقةً مريرة. فبينما تُظهر هذه الدول حاجتها الماسة لخبراتهم، تفشل آليات الحماية القانونية في ضمان أبسط حقوقهم، ما يفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات الاستغلال.
السلاح الأخطر في يد الكفيل هو بلاغ "الانقطاع عن العمل". هذا البلاغ يحول العامل فورًا إلى مخالف لنظام الإقامة، ويفقده كافة حقوقه ويعرضه للاعتقال والترحيل. وقد استُخدم ضد أحمد شعبان في نهاية رحلته بطريقة مأساوية، ليتحول القانون من أداة حماية إلى أداة قهر.
يروي شعبان تفاصيل الحادثة التي كانت سببًا في نهايته المأساوية: "جمعة صاحبي عمل حادثة، كان بيطفي مكاينة مياه وسحبه عامود وجسمه اتمزق. صاحب الشغل كان رد فعله صادم جدا، رفض المساعدة ورمالي 200 ريال أنقله للمستشفى".
حادثة صديقه "جمعة" لم تكن مجرد مأساة إنسانية، بل الذريعة التي استخدمها صاحب العمل للإبلاغ عنه كـ "هارب" أثناء انشغاله بإسعاف رفيقه، ليضيع حقه بالكامل.
هذه الممارسة، كما يوثق المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ليست فردية بل نمط متكرر حيث يتم استغلال جهل العمال بالقانون وصعوبة وصولهم للعدالة، خاصة في المناطق النائية والمعزولة كالمزارع، لفرض شروط عمل مجحفة وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية بما في ذلك الحق في الحصول على أجر عادل ومغادرة العمل عند انتهاء العقد.
وبحسب "شبكة حقوق المهاجرين"، وهي منظمة غير حكومية مقرها لندن، فإنه لشح العمالة الزراعية السعودية، هناك حاجة ماسة للعمالة الوافدة التي غالبًا ما توظف بطرق غير نظامية. وهذه الطرق قد تتم عبر تشغيل عمالة يومية تسكن في البلاد ممن لا يعرفون كفيلهم أو من ليس لهم كفيل من ضحايا تجار التأشيرات، أو استقدام عامل من بلاده لمهنة ما كسائق أو طباخ، مثلما جرى مع أحمد، ثم إجباره على العمل كمزارع لدى وصولهم للسعودية.
واللجوء للطرق غير النظامية له عدة أسباب، وفق تقرير الشبكة، أحدها أنه من الصعب على الكفيل الحفاظ على عماله لأنهم يضطرون للهرب من وظائفهم إما لأنهم خُدعوا وأجبروا على عمل لم يوافقوا عليه، وإما لأن عزلتهم وظروف عملهم اللاإنسانية تدفعهم لذلك.
ورغم أن وزارة القوى العاملة ووزارة الخارجية والهجرة المصريتين تؤكدان امتلاكهما مكاتب تمثيل عمالي في السعودية لتسوية شكاوى العاملين، فإن الواقع يُظهر فجوةً واضحة بين الجهود الرسمية وحجم المعاناة على الأرض.
ففي عام 2023، أطلقت مصر والسعودية حملة "اعرف حقك واطمن" لتوعية العمال بحقوقهم القانونية. غير أن ضعف التنسيق بين القاهرة والرياض وطول إجراءات التقاضي وغياب التمثيل القانوني الفعّال في المناطق الزراعية النائية، يجعل هذه المبادرات قاصرة عن حماية العمال من أنماط الاستغلال التي تتكرر رغم كل الوعود.

العودة وجراح لا تندمل
عاد أحمد إلى مصر في مايو من العام الجاري، ليبدأ من نقطة الصفر حيث مهنته القديمة في خياطة "الزكايب". ورغم محاولته المضي قدمًا، لا تزال مرارة الظلم تلاحقه.
ويتهم أحمد مديره المصري في المزرعة بأنه كان جزءًا من المؤامرة التي حيكت ضده. يقول بغصة: "باعني، مقابل عمولة 2000 ريال. كان عارف حقيقة الناس دي، ورغم كده كان بيزقني اشتغل معاهم". هذه "الخيانة" من ابن بلده تركت في نفسه جرحًا أعمق من ظلم الكفيل.
تُظهر الأرقام الرسمية بعض الجهود لاستعادة حقوق العمال، ففي إحدى السنوات، أعلنت وزارة القوى العاملة عن نجاحها في استعادة مستحقات مالية بقيمة 1.4 مليار جنيه. لكن هذه الأرقام تخفي خلفها آلاف القصص التي لا تصل إلى النور. قصص مثل أحمد ورفاقه، الذين تضيع حقوقهم في ثنايا البيروقراطية وصعوبة إثبات الحق في ظل غياب العقود الموثقة وقوة نفوذ الكفيل.
إن العمالة الزراعية تحديدًا هي الحلقة الأضعف، فهم "يعملون في مناطق معزولة بعيدًا عن أعين الرقابة، وغالبًا ما يتم إسكانهم في تجمعات تابعة للكفيل، ما يمنحه سيطرة شبه كاملة على حركتهم وتواصلهم مع العالم الخارجي"، بحسب باحثة في معهد بحوث الاقتصاد الزراعي، فضّلت عدم ذكر اسمها، في حديثها مع فكّر تاني.
وقصة أحمد والآخرون هي عرضٌ لمرض متجذر، وتكشف أن "الإصلاحات القانونية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بآليات رقابة صارمة على الأرض، وتغيير في ثقافة التعامل مع العامل الوافد كشريك في التنمية وليس كأداة للإنتاج يمكن التخلص منها"، بتعبير الباحثة.
وما لم يحدث ذلك، تظل الأرض التي يزرعها العامل المصري لا تروي عطشه في البحث عن حياة كريمة. "زرعنا أراضي مش أراضينا وسقيناها من عرقنا لكن عمرها ما طرحت لينا"، يقول ماهر.
* الأسماء الواردة في التحقيق مستعارة بناءً على طلب أصحابها.
