السبت, يناير 17, 2026
spot_img

10 سنوات سجن.. وجماعة إرهابية من طفلين فقط (طلب خروج إنساني)

طفلان لم يكملا الـ18 ربيعًا، تم تقييدهما، بعد إخفاء أحدهما قسريًا لأكثر من أسبوعين في أغسطس 2024، ثم ظهرا في نيابة أمن الدولة بعد شهر من ذلك التاريخ، وصدر ضدهما يوم الثلاثاء 23 ديسمبر الجاري حكمًا بالسجن عشر سنوات، بالتهم المعتادة “الإرهاب وتكوين جماعة إرهابية”.

أمر الإحالة الذي وصل إلى المحاكمة ذكر أن الطفلين المتهمين في القضية أنشآ واستخدما موقعًا إلكترونيًا، وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى حساباتهما الشخصية للترويج لأفكار تدعو للتجمهر، واستخدام العنف، وتحريض المواطنين على الامتناع عن إيداع أموالهم في البنوك، أو سداد الضرائب المستحقة عليهم.

بحسب المادة الأولى من قانون مكافحة الإرهاب، فإن الجماعة الإرهابية، هي: “كل جماعة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل”، وهو ما يجعل كافة الاتهامات الواردة بحق الطفلين في هذه القضية مُخالفة للقانون.

معاملة الضحايا

المحامية زينب خير، استشاري حقوق الطفل، تقول لـ فكّر تاني: “الأطفال عمومًا يجب أن يعاملوا معاملة الضحايا، سواء كان الأطفال في نزاع مع القانون أو جانحين، حتى في حال تورطهم في جرائم مخالفة القوانين، لأنهم عادة ما يتم استخدامهم من قبل البالغين في حال ارتكابهم أي جرائم”.

المحامية زينب خير استشاري حقوق الطفل
المحامية زينب خير استشاري حقوق الطفل

وتشير استشاري حقوق الطفل إلى أنه لا يجب أن تكون الأحكام الصادرة على الأطفال مشددة، بل تكون لهم معاملة خاصةً، وردت في قانون الطفل فيما يخص المعاملة الجنائية للأحداث، سواء من ناحية تخصيص أماكن احتجاز لهم، أو الابتعاد عن الأحكام السالبة للحرية، والتوجه نحو التدابير الأخرى.

وتوضح أنه يجب أن تؤخذ تقارير الخبراء الاجتماعيين والنفسيين، الذين يُقيمون حالة الطفل، محل اعتبار.

وأدانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حكم محكمة الطفل الصادر بمعاقبة الطفلين بالسجن لمدة عشر سنوات بتهم “الإرهاب”، على خلفية نشاطهما الرقمي المزعوم.

وقالت المبادرة، في بيان أصدرته مساء الثلاثاء الماضي: “إن هذا الحكم القاسي جاء عقب محاكمة سريعة غاب عنها الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة، ودون أن تستمع المحكمة لأقوال الطفلين أو مرافعة محاميهما، فضلًا عن تجاهل كافة طلبات الدفاع”.

وكانت المبادرة – التي مثلت أحد الطفلين خلال المحاكمة – وثّقت تعرض الطفلين لـ”قائمة من الانتهاكات منذ القبض عليهما في 2024، انتهت بمحاكمتهما على اتهامات غير منطقية، ولا تتماشى حتى مع تعريفات قانون مكافحة الإرهاب”، وفق بيان للمبادرة.

بالمخالفة لقانون الطفل المصري

وبحسب المبادرة، فإن الحكم المشدد بحق الطفلين صدر بالرغم من أن تقرير الإخصائي الاجتماعي في المحكمة بشأن أحدهما وهو موكل المبادرة أكد أنه لا يوجد سبب لانحرافه أو مخاوف منه، وأوصى بتسليمه لأهله.

ولا تضم القضية أي متهمين بالغين، وقد نقل كلا الطفلين من محل سكنهما إلى القاهرة الجديدة، وعُرضا أمام نيابة أمن الدولة العليا شأنهما شأن البالغين بدلًا من نيابة الطفل، وهو ما حرم الطفلين، خلال فترة التحقيق، من كل ضمانات حماية المتهمين الأطفال، التي يكفلها قانون الطفل المصري، وفق المبادرة.

واتهمت نيابة أمن الدولة العليا الطفل الأول بتأسيس وتولي قيادة جماعة إرهابية، واتهمت الثاني بالانضمام لجماعة إرهابية، فيما اتهمتهما معًا بتمويل هذه الجماعة، والاشتراك في اتفاق جنائي لارتكاب جريمة إرهابية.

اعترافات غير مثبتة بأوراق القضية

المجلس القومي للطفولة والأمومة

بدأت أولى جلسات محاكمة الطفلين يوم 18 نوفمبر الماضي، ولكن المحكمة لم تسمح لفريق الدفاع عنهما بالحصول على نسخة من أوراق القضية، واكتفت بالسماح لهم بالاطلاع عليها سريعًا.

واستمعت المحكمة لمرافعة ممثل الادعاء، وكيل نيابة أمن الدولة العليا، التي تضمنت إشارات لاعترافات منسوبة لكلا الطفلين غير مثبتة بالأوراق، التي اطلع عليها الدفاع، ولم ترد بمحاضر التحقيقات، التي أتيحت لهم قراءتها.

وحاولت فكّر تاني التواصل مع المجلس القومي للطفولة الأمومة لمعرفة رأيه في الحكم الصادر بسجن الطفلين 10 سنوات، واتضح أن المجلس لا يعرف شيئًا عن الطفلين، ولا عن الحكم الصادر بحقهما، وتساءل المجلس عبر رسائل “الماسنجر” عن عمر الطفلين، وحين أبلغناه بأنهما لم يكملا الـ18 عاما، لم يرد، حتى وقت كتابة هذا التقرير.

عشر سنوات بلا استجواب

وحددت المحكمة جلسة الثلاثاء 23 ديسمبر الحالي لإصدار حكمها، متجاهلةً بذلك كل طلبات الدفاع الموضوعية كسؤال شاهد الإثبات، والتي قررت إنهاء نظر الدعوى والحكم فيها، ليس فقط دون السماع لمرافعة النيابة، بل ودون حتى استجواب الطفلين لسماع أقوالهما.

وكشف محامي الطفل الأول، محمد علي حمدان، لـ فَكّر تاني، كواليس القبض على موكله من منزله في 17 أغسطس 2024، مشيرًا إلى تعرضه للإخفاء القسري لمدة عشرة أيام قبل ظهوره، وهو لم يكمل عامه السابع عشر بعد.

وأوضح الدفاع أن تحريات الأمن الوطني تتبعت الطفلين عبر منصات التواصل الاجتماعي، لافتًا إلى أن نشاطهما لم يتجاوز اللعب المشترك لـ “بابجي”، ونشر مقطع فيديو وصفه المحامي بأنه “لا معنى له”. وأشار إلى أن موكله، الطالب بالصف الثالث الثانوي من محافظة الفيوم، حُرم من أداء امتحاناته نتيجة احتجازه لعام كامل حتى صدور الحكم الثلاثاء الماضي.

وأكد الدفاع التقدم بطلب استئناف على الحكم الصادر، حيث حددت المحكمة جلسة 31 يناير المقبل لنظره.

ومثّل محامو المبادرة المصرية في المحاكمة الطفل محمد عماد، المتهم الثاني في القضية، وهو أمريكي من أصل مصري يقيم مع عائلته في الولايات المتحدة الأمريكية، ألقي القبض عليه في 19 أغسطس 2024 من منزل أسرته، أثناء قضائه إجازة الصيف في مصر، ولم تتمكن الأسرة وقتئذ من معرفة سبب القبض عليه أو مكان احتجازه، وظل رهن الإخفاء القسري لأكثر من أسبوعين.

ظهر عماد بعد ذلك يوم 5 سبتمبر 2024 أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي حققت معه للمرة الأولى والأخيرة، دون مواجهته بأي أدلة على الاتهامات الموجهة له.

ووفق بيان المبادرة، فإن النيابة لم تعتمد في اتهامها إلا على محضر تحريات واحد فقط، حرره ضابط بقطاع الأمن الوطني.

كما تعاملت النيابة مع فترة الإخفاء القسري، التي تعرض لها عماد على أنها فترة احتجاز قانونية، إذ أصدرت قرارًا يستند للمادة  40 من قانون مكافحة الإرهاب، التي تسمح “بالتحفظ” على المتهمين مدة تصل إلى 14 يومًا قبل العرض على النيابة للتحقيق.

وتذكر المبادرة أن النيابة أغفلت نص المادة 41 من القانون نفسه، والتي تكفل للمتهم حق الاتصال بذويه، والاستعانة بمحام خلال فترة التحفظ، وهو الأمر الذي حُرم منهم محمد عماد وأسرته، التي ظلت لأكثر من أسبوعين لا تعلم مكان احتجاز طفلها.

وكان من المفترض أن يصدر الحكم ببراءة الطفلين الطفلين باعتباره الحكم المنطقي الوحيد، بسبب عدم معقولية الاتهامات، وغياب أدلة قاطعة تدين أيًا منهما، إلى جانب قائمة الانتهاكات، التي تعرضا لها بداية من القبض عليهما ووصولًا إلى محاكمتهما.

وشددت المبادرة، في ختام بيانها، على أن “استمرار الملاحقة القضائية لطيف واسع من المواطنين بمن فيهم الأطفال بدعوى الإرهاب، تظهر بجلاء إصرار الدولة، بعد عشر سنوات على صدور قانون مكافحة الإرهاب المعيب في معاقبة واضطهاد المواطنين بدلًا من التصدي الحقيقي لخطره، ومعاقبة الجناة الحقيقيين، الذين يعرضون الأطفال، وكل المواطنين لخطر فعلي”.

التعليقات

موضوعات ذات صلة