تُكمل مبادرة "براح آمن" هذا العام عشرة أعوام من العمل النسوي في مناهضة العنف ضد النساء، بعد أن بدأت كمبادرة رقمية انطلقت من تجربة فردية لفتاة تعرضت للحبس المنزلي. ومع اتساع دائرة العمل، تحولت إلى مساحة جمعت شهادات وحكايات نساء وفتيات من محافظات وخلفيات اجتماعية مختلفة، بعضهن خرجن من دوائر العنف، وأخريات ما زلن داخلها.
في سنواتها الأولى، اعتمدت المبادرة على الفضاء الرقمي باعتباره المساحة الأكثر إتاحة لسماع أصوات النساء، في ظل محدودية الموارد وندرة المساحات الآمنة على أرض الواقع.

ومن خلال المناصرة الرقمية، ساهمت "براح آمن" في كسر الصمت المحيط بالعنف الأسري، وإخراجه من نطاق الشأن الخاص إلى المجال العام، بوصفه قضية اجتماعية تستدعي النقاش والمساءلة.
ومع مرور الوقت، توسع عمل المبادرة ليشمل التوثيق المنهجي لحالات وتجارب العنف، وإنتاج محتوى معرفي يوضح أشكاله المختلفة، ويعيد تعريف المصطلحات التي طالما استخدمت لتبرير العنف أو إخفائه. كما ركزت على بناء خطاب يربط العنف بالسياقات الاجتماعية والقانونية، ويضع تجارب النساء في سياقها الكامل.
وفي عامها العاشر، تواصل "براح آمن" عملها في الأرشفة والتوثيق بوصفهما جزءًا أساسيًا من حفظ الذاكرة النسوية، ومسارًا مستمرًا لدعم أصوات النساء، وإبقاء قضايا العنف الأسري حاضرة في النقاش العام، في وقت ما تزال كثير من النساء يفتقرن إلى مساحات آمنة للتعبير.
عدالة تعويضية للنساء
في حديثها مع فكّر تاني، تحكي تسنيم منير مديرة برنامج الانتاج المعرفي في براح آمن أنها بدأت التعرف على المبادرة في عام 2016 من خلال متابعة نشاطهم الرقمي، وكان التناول وقتذاك، قضايا العنف الأسري وحماية الفتيات، مثل فكرة الحبس المنزلي كعقاب.
"مكنتش فاهمة يعني إيه عنف أسري!! لأني وقتها كنت فاكرة إن العقوبات المنزلية هي حاجة عادية ومعتادة زي المنع من الخروج أو مثلا مصادرة التليفون".
مع الوقت أدركت تسنيم واقع العنف ضد الفتيات وأرسلت رسالة إلى المبادرة تعبيرًا عن اهتمامها بالقضايا التي تناقشها. ثم تابعت أعمال المبادرة حتى انضمت إليها كمتطوعة، وعملت بعدها كباحثة على قواعد البيانات، لشغفها بقضايا العدالة للنساء في المجال الخاص والحقوق المرتبطة بالعنف الأسري وتأثيره على حياة النساء العامة.

خلال عملها، تأثرت تسنيم بمفهوم العدالة التعويضية الذي تتبناه المبادرة، معتبرة أن العمل فيها ليس مجرد إنتاج معرفي، بل هدفه الأساسي السعي لتحقيق العدالة، سواء عبر التأثير على القوانين أو تقديم الدعم وتمكين النساء، فتقول: "إحنا هدفنا في الأساس السعي لأجل العدالة.. عشان نقدر نوصل أصوات الستات نفسهم".
على مدار السنوات العشر الماضية، عملت مبادرة براح آمن من خلال عدد من الوحدات المتخصصة لمناهضة العنف ضد النساء إيمانًا بحق النساء في العدالة التعويضية. ومن خلال وحدة الدعم النفسي قدمت المبادرة خدمات الدعم والرعاية النفسية للنساء الناجيات من العنف، إلى جانب دعم العاملات في هذا المجال.
كما وفرت وحدة الدعم القانوني استشارات قانونية، وشرحت الإجراءات المرتبطة بقضايا العنف، وتابعت الجوانب القانونية ذات الصلة بحقوق النساء.
وبالتوازي مع ذلك، عملت وحدة الدعم الاجتماعي على مساندة النساء اللاتي اضطررن إلى مغادرة منازلهن بسبب العنف، من خلال المساعدة في توفير أماكن آمنة مؤقتة ودعمهن في التخطيط لحياتهن.
كما تولت وحدة المناصرة والتواصل تنفيذ حملات لإيصال أصوات النساء في الفضاء العام، بينما قامت وحدة الرصد والتوثيق بمتابعة أخبار العنف الأسري وإصدار تقارير دورية. وإلى جانب ذلك، ركزت وحدة الأبحاث والتدريب على إنتاج دراسات وتقديم تدريبات تسهم في رفع الوعي وبناء معرفة حول قضايا العنف ضد النساء.
رصد وتوثيق
منذ تأسست براح آمن، اعتمد عملها على توثيق تجارب النساء والفتيات مع العنف، ومع تزايد عدد الشهادات التي وصلت عبر الرسائل ووسائل التواصل الاجتماعي، طورت المبادرة آليات توثيق إلكترونية منظمة، تتيح جمع المعلومات الأساسية المرتبطة بكل حالة، مثل نوع العنف، والفئة العمرية، وطبيعة العلاقة بين الناجية والجاني، إلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالتجربة. ساعد ذلك على تحليل العنف بوصفه ظاهرة مركّبة، لا حدثًا فرديًا معزولًا.

ويقوم التوثيق النسوي في براح آمن على مبدأ حماية الناجيات، حيث يتم اخفاء جميع البيانات التي قد تكشف الهوية، باعتبار الأمان شرطًا أساسيًا لأي عملية توثيق. وبهذا المعنى، لا يقتصر التوثيق على تسجيل الوقائع، بل يسهم في بناء معرفة نسوية، وكشف الأنماط البنيوية للعنف، وحفظ ذاكرة اجتماعية لا تهمل أصوات النساء.
كما بدأت براح آمن رصد أخبار العنف ضد النساء منذ عام 2017، عبر متابعة منتظمة لعدد من المواقع الصحفية المصرية، ونشر ملخصات أسبوعية، ثم إصدار تقارير دورية. تطورت أدوات الرصد تدريجيًا من تسجيل نوع العنف ونص الخبر إلى بناء قواعد بيانات أكثر تفصيلًا، ترصد أنماط العنف والانتهاكات وسياقاتها المختلفة.
ومع الوقت، اتجهت المبادرة إلى تحليل العنف بوصفه ظاهرة مركبة، تأخذ في الاعتبار عدد المتضررات، وتداخل أشكال العنف، والعوامل الجغرافية والاجتماعية. ومنذ عام 2022، أصبحت الناجية محور عملية الرصد، مع توسيع نطاق المتابعة ليشمل العنف الرقمي والعنف الواقع على اللاجئات.

ويُعد الرصد اليوم أحد ركائز الإنتاج المعرفي النسوي في براح آمن، حيث تُستخدم لغة واضحة تُسمّي العنف كجريمة وانتهاك، وتحوّل الأخبار والأرقام إلى معرفة تساعد على فهم واقع العنف ضد النساء، رغم محدودية التغطية الإعلامية لبعض المناطق والحالات.
توضح نيرة حشمت مؤسِسات المبادرة لـ فكّر تاني، أن الرصد كان أحد الركائز الأساسية لعمل المبادرة منذ 2017، حيث بدأت بتجميع الأخبار وتحليلها بشكل سنوي لتقديم بيانات دقيقة عن العنف ضد النساء، مع التركيز على العنف المركب الذي يجمع بين أشكال متعددة من الاعتداء قبل وقوع جريمة القتل، فتوضح: "الست اللي اتقتلت دي هي اتضربت واتعنفت واتشتمت قبل ما نوصل لمرحلة القتل.. كل جريمة مابنلاقيش جريمة واحدة ،هي فعلًا كذا جريمة مع بعض".
وتشير نيرة أيضًا، إلى أن التحديات ازدادت خلال عام 2020 مع انتشار جائحة كورونا، حيث بقيت النساء في البيوت مع المعنفين، ما استدعى تقديم دعم نفسي عبر الإنترنت، وإطلاق برامج تثقيف نفسي وجلسات توعية حول حقوق النساء الجنسية والجسدية.
"بقينا شايفين إنه مهم إن إحنا نتكلم عن الدعم النفسي، إحنا مش عايزين عدالة جنائية وبس، ولكن إحنا عايزين عدالة تعويضية.. الدولة عليها إنها تحمينا وتعوضنا عن الجزء اللي فقدناه من الأمان أو الاطمئنان".
كسر الصمت الرقمي

بدأت "براح آمن" حملاتها الرقمية في عام 2017 بحملة "جوه البيت" التي كشفت العنف الأسري داخل المنازل عبر توثيق الشهادات وتعريف أنماطه، تلتها في 2018 حملة "حضور وانصراف" التي ناقشت العنف ضد النساء في مساحات العمل وربطته بتأثيره على حضورهن في المجالين العام والخاص، مع تناول الأطر القانونية المنظمة لذلك.
وفي 2019، ركزت حملة "وأد منزلي" على جرائم قتل النساء المرتبطة بخطاب "الشرف"، محللة أبعادها الثقافية والقانونية، بينما سلطت حملة "مؤقت دائم الضوء" في 2020 على تصاعد العنف الأسري خلال جائحة كورونا، في ظل غياب الحماية والمسارات الآمنة، مع قراءة للبيانات وتقييم أوضاع البيوت الآمنة.
وركزت حملة "حق مدني" عام 2021 على قضايا الأحوال الشخصية، مثل الزواج الإجباري والطلاق الغيابي، وربطت بين النصوص القانونية والعنف الواقع على النساء، ثم حملة "الراية الحمرا" في 2022، التي ناقشت العلاقات العاطفية غير الآمنة وقدّمت أدوات للتعرف على أنماط العنف وحدود الأمان والموافقة.
ومع اتساع دائرة النزاعات المسلحة، جاءت حملة "نساء تحت الأنقاض" في 2023 لتسليط الضوء على العنف ضد النساء في أوقات الحرب، خاصة في غزة، ثم حملة "ظلال النزاع" في 2024، التي تناولت أوضاع النساء في مناطق الحروب والسلم السلبي، مع التركيز على العنف المركب.
وفي 2025، أطلقت المبادرة حملة "عدالة مش رأفة"، التي ناقشت مواد "الرأفة" في قانون العقوبات المصري، واستخدامها لتخفيف العقوبة عن مرتكبي جرائم قتل النساء، مطالِبة بتعديل النصوص التمييزية وسن قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء.