الميراث في الريف.. "تغريبة" حقوقية تقتلها سطوة العُرف والأطماع

تستحيل الأرض في وجدان الريف المصري من مهادٍ للسكينة إلى مقبرةٍ للعدل؛ فخلف كل "قيراط" مسلوب تكمن حكاية دماءٍ مؤجلة وصراخٍ مكتوم.

واقعة التعدي على طالبة الطب في "فاقوس" - التي لم يتردد أحد أقاربها الستينيين أمس في سحلها سبًا وضربًا علنًا في الشارع العام - لم تكن مجرد اشتباكٍ بدني؛ هي "طقس عدواني" يمارسه العُرف لإخضاع امرأةٍ تجرأت فطالبت بحقها.

هذا المشهد الصادم، الذي حرر عنه المحضر رقم 33415 لسنة 2025، اختزل مأساة 144 ألف نزاعٍ ينظرها القضاء سنويًا، حيث يتحول الميراث من "قسمة عدل" إلى "بابٍ ملعون" يفتحه الطمع ويغلقه التمييز.

ولا تتوقف هذه الحروب الباردة عند حدود القرى المنسية، بل تقتحم أسوار بيوت الصفوة أيضًا؛ فبينما أسدل الموت ستاره على صوت الإعلامي الراحل وائل الإبراشي، انطلقت نزاعات الميراث من خلف الجدران إلى ساحات المحاكم وصفحات الجرائد.

ووجدت أرملته، سحر الإبراشي، نفسها فجأة في مواجهة علنية مع شقيقة زوجها الراحل ومحاميها، إثر دعوى قضائية تطالب ببطلان تنازله عن إحدى أملاكه لصالح ابنته الوحيدة، بدعوى أن التصرف جرى أثناء "مرض الموت". هذه الواقعة الصاخبة أكدت أن الميراث حين يُطرح على الطاولة، يتحول إلى "مشرط" يمزق روابط الدم، ويخرج كل المسكوت عنه من أحقادٍ قديمة ورغباتٍ مؤجلة، لا تفرق بين بسطاء الريف ونجوم المجتمع.

وبينما تُشير أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن الحرمان هو "القدر المحتوم" لـ 95% من نساء الصعيد، تبرز الحقيقة المرة: في شرع التقاليد، الأرض "شرفٌ" لا يملكه إلا الرجال، وحق المرأة هو "القربان" الذي يُذبح لإبقاء الملكية داخل أسوار العائلة. وهذه المقصلة العُرفية لا تكتفي بسلب المال، بل تمتد لتغتال الأرواح، كما تجلى في قصة الصحفي محمود الجماس الذي سقط صريعًا بنزيفٍ غادر على يد عمه.

نحن أمام "تغريبة" حقوقية مؤلمة، تضع النساء بين مطرقة "الفقر القسري" وسندان "النفي العائلي"، في مجتمعٍ يرى في توريث المرأة "خديعةً" يسلم بها الرجال حصونهم للأغراب.

جدار العُرف: "الغريب" لا يسكن البيوت

تنتصب الأعراف في الريف المصري كسدٍ منيعٍ أمام نصوص الشريعة وأحكام القانون، متسلحةً بمفهومٍ ضيقٍ لـ "الرجولة" و"السيادة"؛ حيث يُنظر للأرض باعتبارها "شرف العائلة وكيانها" الذي لا يقبل القسمة على الأغيار.
يُعبّر حسن محمد، أحد كبار العائلات بالشرقية، عن هذا المنطق بوضوحٍ تام لـ فَكّر تاني، فيقول: "لو اتقسمت الأرض على البنات بكرا هتروح للي متجوزينهم، وبكدا سلمنا ممتلكاتنا لعائلات ملهاش صلة بينا".

هذا التبرير يحول النساء في مخيلة العائلة إلى "جسور" لتهريب الثروة إلى "أعداء افتراضيين" هم الأزواج، مما يستوجب - وفق هذا العرف - حرمانهن مقابل تعويضٍ مالي يعتبره الرجال "حفاظًا على ورث الأجداد".

خلف هذا الجدار الصلب، تقف نرمين محمد (48 عامًا) شاهدةً على قسوة "الرضوى" القسرية؛ فبعد رحيل زوجها الخمسيني، وجدت نفسها وحيدةً في مواجهة أعباء تربية أربعة أبناء وسط غلاءٍ طاحن. وحين حاولت بيع قيراطين ورثتهما عن زوجها لتجهيز ابنتها البكر، اصطدمت بصرخة العائلة: "مفيش غريب يدخل وسطنا".

بالنسبة لنرمين، لم يكن "الغريب" سوى زوج حفيدتها المستقبلي، لكن بالنسبة للعُرف، كان ثغرةً يجب سدها بالمنع والحرمان، لتكتشف أن "جدار العرف كان أعلى وأصلب من صرخة حاجتها".

هذا الانسداد الاجتماعي يجد شرعيته في "المجالس العرفية"، التي تعمل كقضاءٍ موازٍ يلتف على الحقوق الصريحة.

يوضح أحمد عزمي، أحد المحكمين العرفيين، أن هذه المجالس تحكم على أساس العرف الذي يرى أن نصيب البنت "مش شرط يكون زي الولد"، وغالبًا ما تنتهي المشكلة بفرض مبلغٍ مالي يُسمى "الرضوى".

لكن هذه "الرضوى" في حقيقتها هي الثمن الذي تدفعه المرأة مقابل التنازل عن حقها الشرعي تحت الضغط، وغالبًا ما يكون أقل بكثير من القيمة الفعلية.

هنا يتجلى "الإكراه المعنوي" في أبشع صوره؛ تصفه دعاء خليفة (اسم مستعار) بأنه "ابتزاز عاطفي" يضع المرأة أمام معادلةٍ ظالمة: إما التنازل عن الأرض بدعوى الحفاظ على "شرف العيلة"، أو قبول مبلغٍ زهيدٍ يُدفع كأنه "صدقة" أو "إحسان متقطع" يُقسط على سنوات طويلة، مما يحول الميراث من ملكيةٍ مستقرة إلى تسولٍ مهين من ورث الأب.

فخاخ العقود وأرقام "الرضوى" الزائفة

تتحول مأساة الحرمان من "الضغط المعنوي" إلى "نزيفٍ مالي" مُقنن حين تُمارس العائلات عملية تصفيةٍ ممنهجة لحقوق النساء عبر فخاخٍ قانونية وعقودٍ تُصاغ تحت وطأة الإكراه.

في هذا الفضاء، لا تُقاس قيمة الأرض بالسوق، بل بمقدار ما تستطيع "الوصاية الذكورية" انتزاعه من تنازلات.

تجسد مريم عيسى، السيدة الأربعينية من محافظة الشرقية، هذا الانكسار المالي في أبشع صوره؛ فبعد عقدٍ من رحيل زوجها، ومسؤوليتها عن إعالة ابنٍ وحيدٍ وخمس بنات، سعت للمطالبة بميراث والدتها المتوفاة منذ خمسة عشر عامًا لتجهيز بناتها.

دُعيت مريم لـ "جلسة عرفية" في منزل شقيقها الأكبر، وبحضور ابنه وبعض الكبار، تحول المجلس إلى مسرحٍ للإكراه؛ حيث أُجبرت هي وشقيقاتها الثلاث على التوقيع على تنازلٍ رسمي عن أرضهن مقابل 80 ألف جنيه فقط لكلٍ منهن، في حين أن القيمة الحقيقية لنصيب الواحدة منهن تبلغ نحو 530 ألف جنيه.

استغل الشقيق نفوذ ابنه "المقبل على التعيين في أحد الأجهزة السيادية" لإرهاب شقيقاته، ووضع فخًا في العقد خلا من أي إشارة للمبالغ المتبقية، بل تضمن شرطًا جزائيًا "انتحاريًا" يغرم من يعترض مليون جنيه.

وحين طالبت مريم بحقها لاحقًا، واجهها الشقيق ببرودٍ قائلًا: "مالكيش حاجة عندي"، بينما تملص كبار العائلة من مسؤوليتهم قائلين: "هذا شقيقك، ليس لنا دخل". لتجد مريم نفسها أمام "مقصلة" قانونية تمنع المحامين من تولي قضيتها خشية نفوذ ابن أخيها.

"هندسة الحرمان" هذه تتكرر بصورٍ شتى؛ ففي قريةٍ أخرى بالشرقية، وجدت زينب محمد (أم لثلاثة أطفال) نفسها مجبرةً على قبول 120 ألف جنيه "يتم تقسيطها" عليها، مقابل تنازلها عن نصيبها البالغ 3 قراريط من أرض أبيها.
وافقت زينب وهي تعلم أنها تتقاضى "ثمنًا بخسًا"، لكنها بررت استسلامها لـ فَكّر تاني بقولها: "لو رفضت ماكنتش هاخد لا حق ولا باطل"، مشيرةً إلى رعبها من المحاكم ومن لجوء الرجال إلى "تزوير الوثائق والسيطرة بالقوة".

أما رضا مرزوق (35 عامًا)، من منيا القمح، فقد واجهت خيار "البيع المشروط"؛ إذ حصرت العائلة حقها في البيع لإخوتها الذكور فقط، وبسعرٍ يقل عن نصف ثمن السوق، وإلا اعتُبر بيعها لـ "الأغراب" عارًا.

تروي رضا بمرارة: "حسيت إني باخد صدقة مش ورث، وكأن ملكيتي واقفة على مزاج إخواتي"، لتتبدد أحلامها في تأسيس مشروعٍ يوفر لها دخلًا ثابتًا يؤمن مستقبلها.

وحتى حين تحاول المرأة ممارسة حقها في التصرف بملكيتها، تصطدم بجدار الصلة المقطوعة؛ كما حدث مع آلاء منصور في الدقهلية، التي باعت حصتها في منزل العائلة لقريبٍ من الدرجة الثالثة لتنفق على أبنائها، فكانت النتيجة "قطيعة دم" مع شقيقتها التي اعتبرت دخول "الغريب" خرقًا للخصوصية وإهانة لذكرى الوالدين.

هكذا تكتمل الدائرة: يُسلب المال، وإذا استُرد، تُذبح الروابط الإنسانية على مذبح "الخصوصية العائلية".

عجز التشريع أمام تغول العُرف

على الأرض، يقف القانون المصري، بنصوصه الواضحة، عاجزًا أمام منظومةٍ عُرفية تُديرها القبلية والذكورية في أقاليم مصر؛ فرغم أن المادة 49 من قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 تنص صراحةً على معاقبة من يمتنع "عمدًا" عن تسليم الوارث نصيبه الشرعي بالحبس مدة تصل إلى 3 سنوات وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن "انسدادٍ" في شرايين العدالة.

ويوضح المحامي أحمد سمير، لـ فَكّر تاني، أن العقوبة الحالية "غير رادعة"؛ إذ يفضل الكثير من الرجال دفع الغرامة أو حتى قضاء العقوبة على أن يتنازلوا عن مساحاتٍ من الأراضي لصالح النساء.

ويضيف سمير أن المسار القانوني ذاته مُلغم بالعقبات؛ تبدأ من صعوبة استخراج "إعلام الوراثة" في ظل اختفاء المستندات الرسمية بالقرى، وصولًا إلى ضغوط التصالح الإجباري التي تغل يد المحكمة، مما يجعل القانون مجرد "أداةٍ نظرية" في مواجهة نفوذٍ عائلي يتغول على الحقوق.

هذه الفجوة بين النص والواقع تؤكدها دراسة الدكتورة سلوى محمد المهدي، أستاذة علم الاجتماع، التي كشفت أن 95.5% من نساء سوهاج وقنا محرومات من ميراثهن "فعليًا".

وترسم الأرقام التي أوردتها الدراسة خريطةً لـ "الاستبداد العائلي"؛ حيث يرفض 84% من رجال أسيوط و88% من رجال سوهاج حصول المرأة على حقها، وحتى في الحالات النادرة التي تؤول فيها الملكية للمرأة، فإن 73% من سيدات أسيوط و60% من سيدات سوهاج لا يملكن سلطة "التصرف" فيما ورثن.

هذا العجز ليس قانونيًا فحسب، بل هو "فقرٌ في الملكية"؛ إذ تُشير الإحصاءات الرسمية لعام 2000 إلى أن النساء في مصر لا يملكن سوى 7.5% فقط من إجمالي الأراضي، وهو رقمٌ يعكس كيف نجح العُرف في تحويل المرأة من "شريكةٍ في الثروة" إلى "عالةٍ" تنتظر إحسان الذكور.

محمود الجماس "قربان" الأطماع

إذا كان حرمان النساء من الميراث يُغلَّف بستار العُرف و"الرضوى" القسرية، فإن النزاع حين يحتدم بين الرجال أنفسهم يخلع رداء "الصلح" ليرتدي كفن الموت. "شاب في منتهى الأدب والخلق والتواضع"، هكذا وصف يوسف محمد زميله الراحل محمود الجماس لـ فكّر تاني؛ الصحفي الشاب الذي لم تكن صفحات "الحوادث" التي يغطيها في جريدة "الفجر" سوى مسرحٍ لنهايته الشخصية.

لم يكن محمود يتخيل أن حلمه المهني سيجهضه "غدر الأقارب". تروي الحكاية أن والده كان يستشعر الخطر الكامن في عيني شقيقه، الذي لم يتردد في التوعد علنًا: "مش هفرحك بابنك". وبالفعل، حين دخلت قطعة الأرض المتنازع عليها "كردون المباني" واستحالت مطمعًا ماليًا ضخمًا، لم تعد لغة الحوار تجدي نفعًا.

القصة بلغت أكثر فصولها مأساوية حين نزل محمود لمساعدة والده في تلك الأرض؛ فهاجمه عمه وأبناؤه بضراوةٍ وحشية، لينتهي الأمر بالصحفي الشاب غارقًا في نزيفٍ داخلي داخل غرفة العناية المركزة، قبل أن يرحل عن عالمنا تاركًا وراءه حزنًا غائرًا في قلوب زملائه، وصرخةً تطالب بالقصاص من عُرفٍ يرى في "الميراث" غنيمةً تستحق القتل، وفي "الدم" ثمنًا بخسًا لحفنة أمتار.

الميراث ثمنًا لـ "الأمومة" و"الستر"

إن نزيف الميراث حتى وإن لم يبلغ مداه إلى حدود القتل المادي، فإنه غوصه في بحور القتل المعنوي لا تقل قسوة وضراوة، وهنا أرواحًا أخرى غير الجماس تُزهق ببطء خلف الجدران المغلقة، حيث لا يُسلب من المرأة نصيبها في الأرض فحسب، بل تُصادر هويتها وحقوقها الإنسانية والبيولوجية بمباركة العُرف، ليصبح الحرمان هنا "نوعًا آخر من الموت" لا يترك أثرًا للرصاص، بل يترك ندوبًا لا تندمل في جسد وروح الضحايا كما حدث في قرية "أبو حماد" بالشرقية، مع نعمة محمد (42 عامًا)، التي استثناها والدها من الميراث تمامًا لأنها "لم تُرزق بأطفال". وبرر فعلته بخشيته أن يورث زوجها الأرض بعد وفاتها، وكأن "رحم" نعمة هو الذي يحدد أحقيتها في ملكية أبيها.

تروي نعمة بمرارة: "كنت ناوية أبيع نصيبي وأجرب العلاج يمكن ربنا يرزقني، لكن الرد كان: خلي جوزك يصرف عليكي". هكذا حُرمت نعمة مرتين؛ من حلم الأمومة، ومن حقها في الأرض الذي كان قد يفتح لها بابًا للعلاج.

ولا يقتصر الأمر على "حرمان العقم"، بل يمتد إلى "فخ التجهيز". تروي دنيا عبد السلام كيف استغلت والدتها "جهاز العروسة" لتبرير سلب الميراث، قائلةً للبنات: "ورثكوا اتصرف في جهازكوا"، بينما نال الذكور البيوت والأراضي.
هذا الانحياز الذي تمارسه النساء أنفسهن (الأمهات) ضد بناتهن، يُرسخ عقيدة أن "الستر" هو البديل النهائي للحقوق المالية، وأن المطالبة بالأرض تعني "خسارة السند" العائلي.

وحتى في منيا القمح، تكرر المشهد مع أميرة صابر (38 عامًا)، التي وجدت أن التمسك ببيت العائلة يعني "العار" ودخول "الأغراب". وقد انتهى بها الأمر للتنازل مقابل مبلغٍ هزيل لتربية أبنائها بعد فشل زواجها، لكن الثمن كان "قطيعةً" أبدية مع شقيقتها.

وتختتم المؤسسات الدينية، كالأزهر ودار الإفتاء، هذا المشهد بالتأكيد على أن هذا الحرمان هو "أكلٌ للمال الحرام" وظلمٌ بَيّن. وتشدد الدكتورة زينب السعيد، أمينة الفتوى بدار الإفتاء، على أن الميراث حقٌ ثابت لا يملك أحدٌ سلبه، وأن الأعراف التي تخالف شرع الله هي محض ضلال. لكن، وبينما تصدح الفتاوى بما تؤكد أنه حق، تظل آلاف النساء في ريف مصر وصعيدها يرسفن تحت قيود "مقصلة العُرف"، بانتظار عدالةٍ لا تكتفي بالنصوص، بل تملك القدرة على إنفاذ الحق فوق رؤوس المتغولين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة