قرأت منشورًا على حسابات عددٍ من الأصدقاء على الفيس بوك، يتحدثون عن دعوى أمام الإدارية العليا رفعها الأستاذان: علي السيد علي الفيل، وأحمد محمد عبدالرحيم، المحاميان، حملت رقم 7805 لسنة 72 شق عاجل ضد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات بصفته.
كما تابعت ما نُشر عبر المواقع عن إحالة محكمة النقض لنفس الدعوى للدستورية العليا (وكمان حددت لها جلسة)، وصرحتُ ـ حينها ـ صحفيًا أن كل هذا محض أوهام، فلا توجد ثمة دعوى بهذا الرقم أمام النقض، ولا أحالتها بالطبع للدستورية، ولا تم تحديد جلسة لنظرها.
ولكن الدعوى أمام الإدارية العليا فهذا صحيح.
وطالبت الدعوى بقبول الطعن شكلًا وبصفة مستعجلة:
1- والتصريح بالتوجه إلى المحكمة الدستورية لحل إشكالية التناقض بين المواد 104 و106 من الدستور من جانب، والمادة 107 من نفس الدستور من جانب آخر، فيما يتعلق بانتهاء ولاية المحكمة الإدارية العليا، وبدء الاختصاص الولائي لمحكمة النقض.
2- والقضاء ببطلان الحكم الصادر في الطعن رقم 5988 لسنة 72، والتي كانت طلباته وقف القرار المطعون فيه الصادر عن الهيئة الوطنية للانتخابات بتاريخ 18-11-2025، فيما تضمنه من الإبقاء على نتائج القوائم في الدوائر التي ثبت فيها الفساد الجوهري وأدى إلى بطلان نتائج الفردي، والقضاء مجددًا ببطلان وإلغاء نتائج الانتخابات الخاصة بالقوائم، واعتبار العملية الانتخابية كأن لم تكن، مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية.
عندما نطالع صحيفة الطعن ونقرأ أسباب مطالبة العريضة بالتصريح للمدعين بالتوجه للمحكمة الدستورية العليا لحل إشكالية التناقض بين المادتين 104 و106 من الدستور من ناحية، والمادة 107 من ناحية أخرى، سنجد المطالبة موضوعية للغاية، فهناك تعارض واضح وحاسم وقطعي، ولا يحتمل التأويل، بين المادتين المذكورتين والمادة المتعارضة معهما، وسأحلل ذلك فيما بعد، وسأحاول الإجابة عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بهذا التعارض، وهل من صلاحيات المحكمة الدستورية (فك) هذا التعارض بين مواد متعارضة من الدستور؟!
وهل من حقها ـ المحكمة الدستورية ـ تفسير هذا التعارض؟!
وإن كان ذلك من حقها، وتصدت له، وحكمت بالتناقض فعلاً، وطالبت مجلس النواب بفك هذا التعارض وتقديم تعديلات لتأخذ المسار الدستوري، ويتم دعوة الشعب المصري للاستفتاء على هذه التعديلات!
وهل ستكون تلك فرصة مناسبة لتقديم تعديلات أخرى (بالمرة) على بعض مواد انتخابات الرئاسة، كالمادة 140 الخاصة بمدد الرئاسة؟!
وهل سيكون واجبًا في حال حكمت الدستورية بوجود تعارض وطالبت بإزالة هذا التعارض، فهل يجب حل البرلمان بغرفتيه نتيجة لهذا التعارض، وهل سيكون ذلك سريعًا أم سيكون في منتصف مدته ومع اقتراب انتخابات الرئاسة؟!
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات، وسأحاول الإجابة عنها، ولكنني سأجعل هذا المقال بابًا لفتح التساؤلات للإجابة عنها بشكل أكثر توسعًا من الخبراء والفقهاء الدستوريين والقانونيين.
الإدراية العليا
ولكن قبل الإجابة عن الأسئلة الخاصة بالمحكمة الدستورية، هناك سؤال مهم عن موقف الدعوى عندما تتصدى الإدارية العليا لها.
هل ستقبلها من حيث الشكل؟!
بداية، أعتقد أن المحكمة الإدارية العليا سترفض الدعوى من حيث الشكل، ولن تنظر للموضوع من الأساس. لماذا؟!
لأن الدعوى خاصة بالانتخابات، وهو طعن على حكم صادر من نفس المحكمة الإدارية العليا.

وفي مطالبة الدعوى بالقبول شكلًا، فلم تُعطِ الدعوى أهمية للشكل سوى لتوفر المصلحة، اعتمادًا على أن الطاعنين محاميان، ولهما مصلحة مباشرة في إجراء العملية الانتخابية بنزاهة، واستند الطلب على نصوص دستورية قد تقنع المحكمة بتوافر المصلحة، وإن كانت رفضتها مسبقًا لغير المرشحين باعتبارهم أصحاب المصلحة المباشرة.
ولكن الدعوى لم تتصدَّ لمخالفة الطعن لنص قانوني جامع مانع بقانون الهيئة الوطنية للانتخابات رقم (198 لسنة 2017)، وتحديدًا المادة (13) الخاصة بالفصل في الطعون، والتي تنص على:
(تفصل المحكمة المختصة في الطعون على قرارات الهيئة بحكم نهائي غير قابل للطعن فيه، خلال عشرة أيام من تاريخ قيد الطعن، دون العرض على هيئة مفوضي الدولة، ويتم تنفيذ الحكم بمسودته ودون إعلان.
وتنشر الهيئة ملخص الحكم في الجريدة الرسمية، وفي جريدتين يوميتين واسعتي الانتشار على نفقة خاسر الطعن).
وطبعًا الفقرة الثانية من المادة (12) حددت حصرًا اختصاص المحكمة الإدارية العليا بالفصل في الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها.
ولا أعرف كيف لم يتصدَّ الطعن لهذه المادة ويبرر الطعن على حكم لها خاص بالانتخابات، وبالتالي فاعتقادي أن المحكمة الإدارية العليا سترفض الطعن شكلًا، ولن تتعرض المحكمة للشق الموضوعي على أهميته.
ولكن الفرصة لم تنتهِ تمامًا أمام الطاعنين، فمن الممكن أن يتوليا طعنًا جديدًا للمرة الأولى على نتيجة أي دائرة من الدوائر الملغاة من الإدارية العليا، أو تلك الملغاة من الهيئة نفسها، أو دوائر الإعادة بالمرحلة الثانية التي أُجريت الأربعاء والخميس 17-18 ديسمبر الحالي، ولم تُعلن الهيئة الوطنية للانتخابات نتائجها مع كتابة هذا المقال، وحينها ستكون لدعوى مبتدأة، وستكون مقبولة شكلًا إن رُفعت في مواعيدها القانونية، ومن ثم ستتصدى المحكمة لطلب السماح للطاعنين بالتوجه للدستورية العليا.
المحكمة الدستورية
فهل تتصدى الدستورية لفك التضارب بين مواد دستورية متضاربة؟!
سنفترض جدلًا أن المحكمة الإدارية العليا ـ إذا رُفعت أمامها دعاوى جديدة في النتائج التي ستعلنها الهيئة فيما بعد ـ استجابت لطلبات المدعين، وسمحت لهم بالتوجه للمحكمة الدستورية، وأعتقد أنها ستسمح لأن الدفع قوي للغاية، وسأشرحه فيما بعد.
فما موقف المحكمة الدستورية؟!
هل أعطاها الدستور أو قانونها الحق في التصدي لمثل هذه المشكلة؟!

1- تنظم المادة (192) من الدستور اختصاصات المحكمة الدستورية العليا، التي تقول في صدرها: (تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية...).
وحسب هذا النص من المادة الدستورية، فإن المحكمة تختص بالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، ولكنها أيضًا تتصدى لتفسير النصوص التشريعية.
فهل الدستور من النصوص التشريعية؟!
- تتفق معظم التعريفات الخاصة بالنصوص التشريعية على أن الدستور من هذه النصوص، بل هو أعلاها مرتبة، فيقول الدكتور وليد عبدالرحيم جاب الله معرفًا النصوص التشريعية: وتخضع النصوص التشريعية لمبدأ تدرج القاعدة القانونية، حيث تقع النصوص الدستورية على قمة الهرم التشريعي في الدولة (مجلة السياسة الدولية ـ مقومات الصياغة التشريعية 22-5-2023).
- ولكن المحكمة الدستورية ذاتها، عندما تُعرض عليها دعاوى التفسير، تتحدث عن دورها التفسيري فقط عن القوانين واللوائح، كما تقول مثلاً في الدعوى رقم (1) لسنة 15 قضائية المحكمة الدستورية العليا "تفسير":
(حيث إن المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 تنص على أن: "تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقًا لأحكام الدستور، وذلك إذا أثارت خلافًا في التطبيق وكان لها من الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها").
فهي لم تتطرق لدعاوى تفسير المواد الدستورية، ولا أعرف على حد علمي أنها تصدت لمثل هذه القضايا سابقًا، ولكنها في نفس الدعوى تتحدث لاحقًا عن النصوص التشريعية بالمطلق، ومن ثم، وحسب التفسير الأعم لمصطلح النصوص التشريعية، فإن النص الدستوري هو نص تشريعي، بل على قمة الهرم التشريعي.
فتقول المحكمة في حيثيات حكمها بنفس الدعوى:
(وحيث إن مؤدى هذا النص أنه خول هذه المحكمة سلطة تفسير النصوص التشريعية التي تناولتها تفسيرًا تشريعيًا ملزمًا يكون بذاته كاشفًا عن المقاصد الحقيقية التي توخاها المشرع عند إقرارها، منظورًا في ذلك لا إلى إرادته المتوهمة أو المفترضة التي تحمل معها النصوص التشريعية محل التفسير على غير المعنى المقصود منها ابتداء، بل إلى إرادته الحقيقية التي يُفترض في هذه النصوص أن تكون معبرة عنها مبلورة لها، وإن كان تطبيقها قد باعد بينها وبين هذه الإرادة).
فإذا أخذنا بمنطق أن النص الدستوري هو نص تشريعي، فإن المحكمة مخولة بأن تفسر المواد الدستورية إن عُرض عليها في أي دعوى ـ كالتي نتحدث عنها ـ تفسير نصين متعارضين من الدستور.
ومن ثم، فإن المحكمة مخولة بحكم الدستور وبحكم قانونها بالتصدي لهذا التعارض الخطير بين نصوص مواد دستورية كالتي تعرضها الدعوى الماثلة أمام الإدارية العليا.
التعارض بين مواد الدستور
تناولت الدعوى المرفوعة أمام الإدارية العليا التعارض بين المادتين الدستوريتين (104 و106) من جهة، والمادة الدستورية (107) من جهة أخرى، وشرحت الدعوى ـ بحق ـ أسباب هذا التعارض، وخاصة في مفهوم اكتساب صفة العضوية، والتي يجب أن تفصل فيها محكمة النقض حسب النص الدستوري، مما أدى إلى خلل دستوري وقانوني فيما يتعلق بانتهاء ولاية الإدارية العليا وابتداء ولاية محكمة النقض.
وشرحت الدعوى نص المادة (104)، والحقيقة فهي واضحة ولا تحتاج إلى شرح، فهي تنص على:
(يشترط أن يؤدي العضو أمام مجلس النواب، قبل أن يباشر عمله، اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه").

فشرط اكتساب العضوية هو حلف اليمين الدستورية، وقبلها لا عضوية (ولا يحزنون)، وبالتالي فإن عدم حلف اليمين لا يكسب العضوية.
فلماذا إذًا تحيل الإدارية العليا الدعاوى ضد من أعلنت الهيئة نجاحهم، ولكنهم لم يكتسبوا العضوية بعد، كنص المادتين 104 و106؟! هم لم يحلفوا اليمين بعد، وبالتالي لم يمارسوا عملهم بعد!
كما تناولت الدعوى نص المادة (106) من الدستور، والتي تنص على:
(مدة عضوية مجلس النواب خمس سنوات ميلادية، تبدأ من تاريخ أول اجتماع له.
ويُجرى انتخاب المجلس الجديد خلال الستين يومًا السابقة على انتهاء مدته).
فالعضو لم يحلف اليمين حتى يصبح عضوًا، فتحكم النقض في صحة عضويته، والمجلس لم يبدأ عمله بعد ولم ينعقد، فكيف يكون من أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات نجاحهم أعضاء؟!
وتحدثت الدعوى عن افتراض اتهام من أعلنت الهيئة نجاحهم وقبل انعقاد المجلس، فهل تحتاج النيابة العامة لمخاطبة مجلس النواب لرفع الحصانة عنهم واستدعائهم لمواجهتهم بالتهم الموجهة إليهم؟ أم ستأمر النيابة العامة باستدعاء هؤلاء وإحضارهم، وسيقوم مأمور الضبط بإحضارهم واقتيادهم للنيابة العامة دون الحاجة لمخاطبة المجلس؟
ونوهت الدعوى إلى أن المجلس الحالي تنتهي ولايته بعد انقضاء خمس سنوات من انعقاد أول جلسة، وبالتالي فإن انتهاء ولاية الحالي هو 12 يناير 2026، والجديد تبدأ ولايته بعد تاريخ 11 يناير 2026.
وتستنتج الدعوى ـ بحق أيضًا ـ أن أياً من الأعضاء الذين أعلنت الهيئة نجاحهم ينعقد الاختصاص للمحكمة الإدارية العليا لا للنقض، التي تكون ولايتها بعد أول جلسة للمجلس الجديد وبعد حلف اليمين.
ولذا فعريضة الدعوى أصابت كبد الحقيقة في طلبها السماح بالذهاب للدستورية العليا، وإن كانت جانبتها الصواب في رفع دعوى للطعن على حكم للإدارية العليا يخص الانتخابات، فأحكامها نهائية غير قابلة للطعن.
ننتظر عامين
وكما أشرت في صدر هذا المقال، فمن الممكن ـ إن رفضت الإدارية العليا الدعوى شكلًا ـ أن نذهب لدعوى أخرى بعد إصدار الهيئة لنتائج الإعادة بالمرحلة الثانية، أو التي ألغتها الهيئة أو الإدارية العليا.
فإذا سمحت العليا ـ وأظنها ستسمح ـ للمدعين بالتوجه للدستورية العليا، فاعتقد أيضًا أن المحكمة الدستورية ستتصدى للدعوى، واعتقد أنها ستقضي بالتعارض، وستعطي تفسيرًا يجيز التصدي لما قبل اكتساب صفة العضوية للإدارية العليا، طالما لم يكتسب المطعون ضده صفة العضوية المشروطة بحلف اليمين وبانعقاد المجلس، كما أوضحتها المادتان (104-106) من الدستور، وستطلب من مجلسي النواب والشيوخ إجراء طلب تعديلات دستورية، وتطلب من رئيس الجمهورية حل المجلس بعدها، وإجراء استفتاءين متناسقين على حل المجلسين من ناحية، وعلى تعديلات دستورية من ناحية أخرى، قد تشتمل على تعديلات خاصة بمدد الرئاسة، وتعديل لمادة 140.
(يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين)، وذلك بحذف الفقرة الأخيرة من المادة.
ولكن متى ستتصدى الدستورية لهذه الدعوى؟!
وكم المدة التي ستصدر فيها حكمها؟!
أعتقد أنها ستتصدى، وستصدر حكمها خلال عامين على الأكثر.
هذا والله أعلم.
|الآراء الواردة لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة فكر تاني
