أحفاد 56

في 23 ديسمبر عام 1956، كتبت بورسعيد صفحةً خالدة في سجل كفاح الشعوب الحرة، حين واجهت بشجاعةٍ وإصرار عدوانًا غادرًا شنّته إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر. بدأ العدوان باجتياحٍ إسرائيليٍّ لسيناء، ثم تبعه إنزالٌ للمظليين من قوات إنجلترا وفرنسا غرب مدينة بورسعيد.

ورغم أن المدينة كانت صغيرةً في مساحتها، فإنها كانت عظيمةً في إرادتها؛ فقد وقفت بورسعيد في قلب النار، لكنها لم تنحنِ، وواجه رجالها ونساؤها الهجوم بالمقاومة الشعبية، لتصبح مثالًا خالدًا للبطولة والفداء، وتقدّم للعالم نموذجًا حيًا لكيف يصنع الإيمان بالوطن نصرًا أقوى من السلاح.

لقد فشل العدوان الثلاثي لأن أهل بورسعيد رفضوا الخضوع، ووقفوا في وجه أقوى الجيوش بأسلحة بسيطة، ولكن بعزيمة لا تُقهر. وفي شوارع حيّ المناخ وما حوله، واجه المقاومون جنود الاحتلال، وتحولت كل زاوية من المدينة إلى ساحة نضال.

وبرز الأبطال من أبناء الشعب، مثل الشهيد سيد عسران، الذي ألقى قنبلةً يدويةً أدّت إلى مقتل قائد مخابرات قوات الاحتلال الإنجليزية، وقاد العديد من العمليات النوعية ضد المحتل، ومن بينها العملية الشهيرة لخطف الضابط البريطاني مورهاوس، قريب ملكة بريطانيا، وهي عملياتٌ انتقمت لكرامة الوطن وأكدت إرادة المقاومة.

رسالة عالمية

لم يكن انتصار بورسعيد حدثًا محليًا فحسب، بل كان رسالةً عالميةً في وجه العدوان والاستعمار. فحين انهزمت الجيوش المعتدية واضطرت إلى الانسحاب رغمًا عنها من أرض مصر، كان ذلك إعلانًا واضحًا بأن إرادة الشعوب أقوى من أي سلاح.

إن الجرائم التي ارتكبتها قوات العدوان الثلاثي ضد المدنيين في بورسعيد لا تختلف كثيرًا عن جرائم العدوان الأمريكي في الفلوجة بالعراق، أو ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي اليوم ضد الشعب الفلسطيني.

تتشابه الوجوه وتختلف الرايات، لكن الجريمة واحدة: احتلال، وقهر، وانتهاك لكرامة الإنسان. وكما واجه أبناء بورسعيد الغزو عام 1956، يواجه أبناء فلسطين اليوم العدوان بالصمود ذاته، وبالإيمان نفسه بعدالة قضيتهم.

تحيةً إلى بورسعيد، التي جسّدت في ماضيها دروس الشرف والمقاومة، وتحيةً لكل الشعوب التي ما زالت تؤمن بأن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع بنضال الأحرار. وسيظل اسم بورسعيد منارةً تذكّرنا بأن الاستعمار، مهما تغيّر شكله، سيُهزم أمام الشعوب التي تختار الكرامة على الخضوع.

فتحيةً إلى بورسعيد… مدينة العزة، التي لقّنت العدوان درس الشموخ، وسيبقى الأبناء والأحفاد يفخرون، جيلًا بعد جيل، بالعزة والكرامة والحرية التي ورثوها عن الأجداد، والتي سيورثونها لأبنائهم وأحفادهم إلى أبد الدهر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة