الجمعة, يناير 16, 2026
spot_img

“المونتاج لا يصنع مخرجًا”.. يسري نصر الله عن “استسهال” التكنولوجيا في السينما

عند دخوله قاعة سينما مركز الإبداع، يراه الحضور بخطواته التي أصقلتها السنوات وملابسه البسيطة التي لا تعترف بتكلف “السجادة الحمراء” وفي يده كوب القهوة الحراري -المعتاد. توقف قليلًا.. وبنظرة فاحصة، بدا كأنه يقرأ ملامح الوجوه ولا يهتم بالعدد. لم يضيع وقتًا في “بروتوكولات” السؤال عن الغائبين أو ملء الفراغات، بل اختصر المشهد بعبارة واحدة وضعت الجميع أمام المسؤولية: “يلا نبدأ”.

يجلس في زاوية القاعة التي سمحت للحضور رؤيته بوضوح، وبعد نفس عميق، بدأ يفتح خزائن ذاكرته أمام طلاب وصناع سينما جاءوا ليلتقطوا طرف الخيط من أحد “حرفيِي” المهنة الكبار.

جاء هذا اللقاء ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير، وكانت الجلسة مع المخرج الكبير مخصصة لصناع السينما من طالبات وطلاب وعاملين وعاملات، بدأ نصر الله في سرد حكاياته، ويشارك عصارة خبرته، بمزيج من الجدية والعفوية، والحضور يتابع…

وفي حديثه عن المخرج يوسف شاهين لم يستحضر نصر الله روح الأخير كـ “تمثال مقدس”، بل استحضره كمعلم وصديق واجه معه الحياة بصخبها.

يحكي كيف تحول من صحفي يغطي عملًا سينمائيًا إلى “مساعد مخرج رقم 30″، مستعيدًا لحظة ضعف إنسانية لـ “الأستاذ” حين انهار أثناء إعادة مشهد لممثل 8 مرات، صارخًا بعبارة ما زالت ترن في أذن يسري كما يؤكد: “في حاجة اسمها حدود الممثل”. كان هذا درسًا مبكرًا في أن السينما ليست مجرد “أوردرات”، بل هي إدارة لمشاعر البشر وحدودهم.

“يوسف شاهين كان بيشوف نفسه مالوش حدود.. وديما يقول على نفسه أنه أحسن ممثل في الدنيا.. بس دا قابل للنقاش! فأكتر عيب فيه إن إللي اشتغل معاه كان بيحس إنه محمي ومتشاف، بس الواقع برة مش كده”.

وبنظرة ثاقبة، اشتبك نصر الله مع واحدة من أكبر آفات السينما الحديثة، عن “استسهال التكنولوجيا” قائلًا: “دلوقتي المونتاج هو اللي بيخرج الفيلم مش المخرج مع الأسف ودا غلط!.. إخراج يعني أنت طول الوقت قاعد تقول لنفسك: أنا بحكي إيه.. يعني عارف هحط الكاميرا فين وهعمل المشهد إزاي، لأن غير كده أنا مش بحكي الحاجة بحق وحقيقي”.

توقف للحظة، كأنه يراقب تفاعل الطلاب، ثم أضاف بابتسامة خفيفة: “الموضوع مش كاميرات ومعدات.. الموضوع انك تعرف تحكي الحكاية، وتخلي كل تفصيلة دقيقة، حتى لو بتصور بالموبايل”.

وعن تجربة فيلمه الشهير “المدينة” تحدث وهو يحاول ترتيب أفكاره بعناية لتصل الرسالة بوضوح: “مكنش معايا فلوس خالص.. فقررنا نصور بكاميرا ‘ميني دي في دي زي‘ كاميرات الأفراح وروحنا روض الفرج، لاقيتهم مستهونين بالكاميرا، اعترضت وقلت: احترام الكاميرا.. مش معنى أنك بتصور بموبايل أو كاميرا عادية يكون في استهانة بالعمل، احنا خدنا جوائز وتم عرضه في أكبر المهرجانات، والناس اتخضت إننا مصورين بكاميرا أفراح”.

ووسط ضحكات الطلاب وإيماءاتهم، انتقل للحديث عن الأفلام القصيرة، مؤكدًا أنها بداية الحكاية وليست خطوة ثانوية: “تصور إن الفيلم القصير شهادة تخرج من خلالها تترقى وتقدر تعمل أفلام طويلة عبث.. لو مش بتتعامل مع الفيلم القصير كفن قائم في حد ذاته ما تعملوش.. وإنه فن بيتيح ليك تحكي بحرية متعملوش”.

مع نبرة صوته المرتفعة أحيانًا، ونبرة المزاح أحيانًا أخرى، حذر الطلاب من تجاهل الجانب الاقتصادي: “أنت حر تمامًا تحكي بالأسلوب والطريقة.. بس مهم تسأل نفسك: أنت بتعمل الفيلم القصير ليه؟ ولو مش حاطط في اعتبارك المعادلة الاقتصادية، هيتعرض فين؟ وإزاي أقدر أعمل الفيلم بتاعي بأقل تكلفة ممكنة.. هتفشل”.

روى ذكرياته عن بداياته، والقيود التي واجهها في المعهد: “لما عمري كان 17 سنة وعندي الرغبة بتاعت صناعة السينما وأنا في المعهد.. دخلت للعميد قلت له: إحنا عايزين نشتري كاميرا.. طردنا وقال مش هتشوفوا كاميرا غير في سنة 4.. بس دلوقتي ممكن تعمل فيلم بالموبايل، فـ السؤال: ليه مصمم تصور بإمكانيات كبيرة؟ المطلوب منك انك تعرف تحكي الحكاية”.

“لو فكرت في الفيلم وأنت شغال عليه، وفضلت تتسائل هو هيروح مهرجان “كان” ولا هيلحق مهرجان القاهرة؟! أنت كده بتحكم على فكرتك بالفشل”.

وبشدة صوته، وبينما تنتقل عيناه بين الطلاب والطالبات، تحدث عن المنح وورش التطوير: “الكارثة إن صانع السينما دلوقتي حاطط نفسه في وضع الشحات.. أنا بروح أشحت فلوس من خلال ورش التطوير والمنح، ولو معملتش إللي مش بيقولوا عليه مش هيدوني فلوس.. الحل: خد منهم الفلوس واعمل اللي أنت عايزه.. ولو معملتش كده، تبقى تستاهل كل إللي بيجرالك”.

ثم انتقل إلى تطوير السيناريو، مستعرضًا مزيج الخبرة والدقة:” قبل ما تظهر موضة تطوير سيناريو الأفلام، كتبت سيناريو فيلم المدينة 18 مرة.. فالتطور بيجي من جانب إن المشاهد تنفع تتصور ولا لأ، وبعدين كنت ببعت لأصدقائي يتناقشوا معايا.. عشان مهم أنك تسمع وفي الآخر تعمل إللي عايزه”.

يغوص يسري نصرالله في عالم الشخصيات والتمثيل، حركاته وإيماءاته تعكس الحماس والصدق وحب تقديم وجبة ووصفة صعبة لكنها دسمة: “وأنت بتكتب، خلي الشخصيات بتاعتك أذكى منك.. خليك دايمًا معجب بالشخصيات.. خليها تبهرك، انزل اتدرب حتى لو مساعد مخرج سيء.. أنا كنت مساعد مخرج سيء جدًا، مهم يكون في علاقة بين الجمهور والفكرة إللي أنت شغال عليها؟، اتفرج على كل حاجة حواليك.. من موقف اتعرضت ليه ممكن تتطلع بقصة فيلم، اللي عايز يجرب تمثيل.. يبدأ بالأفلام القصيرة.. اتصاحب على صناع الأفلام وأخرجوا من ديرة الكاستينج، بلاش تبقوا في أول المشوار.. وتقول لأ على الأدوار”.

يضحك الطلاب مع كل مثال، بعضهم يبتسم والبعض الآخر يدوّن ملاحظات. بينما كان يسري يتحرك بحرية داخل الزاوية، يلوّح بيده أحيانًا ويضحك أحيانًا أخرى، والقاعة كلها تفاعلت معه كأنها جزء من تجربة حياته.

لكن سرعان ما غضب عندما جاء الحديث عن الذكاء الاصطناعي: “السيناريوهات هتبقى شبه بعض، وهتلاقي نفسك بتطلع أفلام وحشة.. فهو في الآخر بيقدم منتج رخيص.. زي لو شركة عايزة يسرا في الإعلان وأنت تروح تعمله بالذكاء الاصطناعي”.

وخلال الحلقة النقاشية، كان ينتقل يسري دائمًا بين سؤال ونصيحة، يأخذ نفسه بين الحين والآخر. ينظر للطلاب بعينين حادتين وودودتين في نفس الوقت، يبتسم ويضحك، ويرفع صوته أحيانًا ليصل لكل زاوية في القاعة وفي ختام اليوم، اختتم اللقاء بروح مرحة وابتسامة عريضة: “هو أنا بايخ ولا الدنيا تمام؟”.

القاعة في صوت واحد “تمام.. يا أستاذ” ثم انفجرت بالضحك، والطلاب خرجوا مفعمين بالحماس، مبهورين بعالمه، وممتلئين بالنصائح التي تظل حية في تجاربهم القادمة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة