وفق تقديرات "فوربس" و"ريتش ليست" وغيرهما، يبلغ إجمالي ثروة "مو سلاه" نحو 100 مليون دولار، بما يساوي -بعد تمريغ كبرياء الجنيه- حوالي خمسة مليارات منه، اللهم بارك له فيما أعطيته.
اليوم، يطلب محبو "مو" ممن يغرقون في أعاصير الإصلاح -صوت إسكندراني- الاقتصادي، أن يتعاطفوا مع صاحب أعلى أجر في تاريخ ليفربول، "بواقع 40 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا" حتى يتجاوز محنته مع "الريدز".
لست أعرف ماهية تلك المحنة التي يقولون بوجودها، بيد أنها ليست بالقطع مادية، هل تكمن في أن طموحاته الرياضية لم تتحقق كليًا؟
بكل المقاييس لقد حاز "مو" كلَّ ما يتوق إليه أي محترف، مال وشهرة وأرقام قياسية وبطولات، باستثناء نيل الكرة الذهبية، وظني أنه تعرَّض لغبن في ذلك.
لن يحصل الإنسان أبدًا على كل ما يريد؛ إنَّ الحياة بقدر ما تعطي بقدر ما تمنع، فما كلُّ ما يتمناه المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
على كل حال، إنَّ مسيرة "مو" بصرف النظر عن الكرة الذهبية، تستحق الاحترام حقًا، فابن القرية البسيط أتى في عالم الاحتراف بما لم ينجزه سواه من المصريين السابقين، وقد يغدو تحطيم أرقامه شديد الصعوبة على اللاحقين.
لكن، أغلب الظن أن "مو" لن يحقق شيئًا فوق ذلك، لقد بلغ الثالثة والثلاثين، ومن الطبيعي أن ينخفض مؤشر أداء الرياضي تدريجيًا في هذا السن، مع ملاحظة أن 90% من أهميته في الملعب ترجع إلى سرعته الفائقة.
لا ينتمي إلى "عنقود الموهوبين" على غرار الأفذاذ؛ عبدالستَّار صبري، وحازم إمام، وأبوتريكة، ومحمد زيدان، وشيكابالا.. إنَّ "الحريّفة" متى يتقدم بهم العمر، تبقى لهم اللمسة الفنية التي تستخرج الآهات من صدور "ذوّاقة الكرة"، والتمريرة الماكرة التي تحسم المواجهات "المعرقَّبة".

مصدر فاعليته الأهم "عافيته" أو بتعبير رياضي وأكاديمي لياقته البدنية، والواضح أن أداءه خلال الموسم الجاري لا يناسب طبائع الدوري الإنجليزي الشرس.
الأزمة أن "مو" يحسُّ أنه يلاقي ظلمًا وجورًا، فالنادي وفق تعبيره "رماه تحت الباص"، متجاهلًا أن الأمر ليس زواجًا كاثوليكيًا.
إن علاقة اللاعب المحترف بناديه كعلاقة الموظف بمؤسسته؛ فإذا كان قادرًا على العطاء سيبقى، وحين يَعجَز فالباب "يفوِّت الجمل".
الاحتراف لا يحب ولا يكره، ولا يأبه بالتاريخ، فإن لم تكن نافعًا في اللحظة الراهنة، فأنت ضار من حيث كونك تكلف الميزانية بلا مردود.. إنها النيوليبرالية، وإنها متوحشة دائمًا يا عزيزي.
الرجل الذي فقد الـ"مينتاليتي"
وبمنأى عن أن تصريحات "مو" ضد ناديه تجافي أبجديات الاحتراف، فواقع الحال أن الدنيا لم تدبر في وجهه بعد، إذ بوسعه أن يفسخ عقده، فيشد الرحال إلى أيِّ نادٍ أوروبي آخر.
عندئذٍ عليه أن يضع أمامه تحديات جديدة؛ "يأكل النجيلة" أكلًا، فيؤكد للذين باعوه أنهم كانوا على خطأ، حتى يعضوا أصابع الندم.
هذا ما فعله حسام حسن حين رفض الأهلي شروطه لتجديد عقده؛ توجَّه إلى الغريم التقليدي؛ الزمالك، ولم ينظر إلى الوراء، بل بذل كل الجهد والعرق لخدمة "الفانلة البيضاء".
كذلك يكون "المينتاليتي" الذي يُفترض أن يتحلى به المحترف، عليه أن يؤدي "وظيفته" بعقل بارد.

المسألة -والحال كذلك- لا تستدعي تعاطفًا أو دعمًا، وظني أن "مو" لا يعنيه ما إذا كان بنو وطنه سيتعاطفون أو سيصعِّرون خدودهم له.
سبق أن ردَّ على منتقديه بنشر صورته وهو يقرأ كتاب "فن اللا مبالاة".
كان ذلك تعاليًا ذميمًا وجلافةً متناهية، فلماذا نبالي بأمره الآن؟
وحتى إذا أغلقت أندية القارة العجوز أبوابها في وجه "مو" -وهذا مستبعد- فأمامه الدوري السعودي حيث يضيف إلى ملياراته ما يتيسر.
لا محنة في واقع الأمر إذن، رب الرياض في السعودية، وهو رب حي آنفليد في مدينة ليفربول.
إلى جوار ذلك، ثمة سبب موضوعي آخر يبدو التعاطف في وجوده مع "مو" هزليًا ومنبت الصلة بالمنطق.
ليس سرًا أن "مو" في ليفربول لا يشبه محمد صلاح مع المنتخب.
كأنه مصاب بانفصام الشخصية كما تصوره الأفلام السينمائية القديمة، فتجعل من الشخص الواحد شخصين لا يتماثلان البتَّة.
في الملاعب الإنجليزية يبدو "مو" مثل مكوك لا يهدأ؛ يدافع ويهاجم ويلتحم و"يفتح اسبرينتات"، على حين يلعب "صلاح" مع المنتخب بـ"الشوكة والسكين".
من الهزل والبلاهة أو التدليس المتعمَّد، أن يقال إن "قُماشة" لاعبي "الريدز" تساعده على إخراج كل ما في جعبته من إمكانيات، على حين أن لاعبي المنتخب "مجموعة مكسَّحين".
في موقف "واحد على واحد" بالدوري الإنجليزي، يتسم أداء "مو" بأقصى درجات الشراسة، على حين لا يُظهر "صلاح" بأسًا في الموقف ذاته مع المنتخب.
كان محمد زيدان يأتي من الدوري الألماني إلى مصر، فيؤدي بحماسة قتالية مع منتخب المعلم حسن شحاتة، نسأل الله له الشفاء.
لا ننساه في نهائي كأس الأمم الأفريقية 2008 حين انقض على مدافع الكاميرون "سونج"، مثلما ينقض "وشق" ضئيل الجسم على ذكر جاموس مهول البنيان، فاستخلص الكرة فمررها "مقشَّرة" لأبوتريكة الذي أحرز هدف التتويج.
التبريرات الخائبة لـ"دراويش مو سلاه"
سيقول دراويش "مو" إن مسألة أنه لا يؤدي بالجدية اللازمة مع المنتخب، فرضية غير محسومة أو تهمة بغير بينة دامغة.
حسنًا.. إذا قبلنا بأن العلة تكمن في تهافت مستوى لاعبي المنتخب، ونحو ذلك من مزاعم ترمي إلى "تقديس مو"، فإن من دواعي عدم التعاطف معه أيضًا -وعدم التعاطف لا يعني الشماتة- أنه بمنأى عن اللعب، لم يُشعرنا أبدًا أنه منا ونحن منه.
في الوقت الذي استنفرت مأساة غزة الغضب في عروق كلِّ من لديه مثقال ذرة من الإنسانية، سواء من العرب أو العجم، وفيما جأر لاعبون ومدربون أجانب برفض حرب الإبادة الإسرائيلية، بلعت القطة لسان "مو".
صمت دهرًا ونطق: "كل الأرواح مقدسة".

عبارة لزجة متنطعة رخيصة، ومتهتكة كما الفعل الفاضح، تجعل الضحية والجلاد في كفة واحدة.
لم يُنتظر من "مو" أن يلوذ بأنفاق غزة، فيمتشق السلاح في وجه جنود الاحتلال، لكن ألم يكن حريًا به أن يقول كلمة حق إزاء جريمة نكراء ضد الإنسانية؟
كذلك.. تحت أي بند وأي ظروف، ليس مستساغًا تبرير تعاقده على حملات إعلانية لسلع أمريكية، فيما كان الشارع العربي يحتشد لمقاطعة "ممولي الإبادة".
إنه "البنكنوت"؛ كلمة السر، وقد كدَّسه أكوامًا في خزائنه، فحقق ثراءً فاحشًا، وإن كان الأرجح أنه لم يشبع بعد.
سكت "مو" في الوقت الذي كان الكثيرون ينتظرون من "صلاح" كلمة، والكلمة ليست شيئًا هينًا، فبها يُعرف الرجال مثلما يُعرفون بأفعالهم.
ليس مناضلًا.. نعم هذا صحيح، لكن إزاء حرب إبادة إجرامية يرتكبها العدو ضد الأشقاء الأبرياء، ألم تساوره وخزات الضمير؟
لو جهر "مو" بالحق في وجه الباطل، لاستحق بالفعل اللقب الواسع عليه "فخر العرب"، والأغلب أنه لم يكن سيخسر موقعه في ناديه كذلك، وحتى لو خسره فلم يكن سيجوع أو يعرى.
أهمية أي لاعب مهما علا شأنه تنتهي مع صافرة النهاية في مباراة اعتزاله، لكن المواقف الأخلاقية هي التي تبقى بعدئذٍ؛ إنَّ الزبد يذهب جُفاء ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس.
مسيرة "مو" الرياضية لا غبار عليها، لكن مواقفه الأخلاقية عليها طبقات كثيفة من غبار الصمت والخذلان والنكوص.
إنَّ "مو" لم يعنِهِ إلا "مو"، ولم يفكر إلا في "مو"، ولم يرَ إلا "مو"، ولم يراعِ إلا مصلحة "مو"، وبالتالي فليس منطقيًا أن يُطلب اليوم أن نتعاطف مع صلاح، لأننا ببساطة لم نجد حين بحثنا عن صلاح، أي شيء من ذاك الذي كان "محمد صلاح".